محمد برهومة

هزيمة الثالوث

تم نشره في الجمعة 29 أيلول / سبتمبر 2017. 12:06 صباحاً

ماذا لو تم القضاء على "داعش" و"القاعدة" وباقي المليشيات الإرهابية الشيعية في العالم العربي؟ هل ستنتهي مشاكل منطقتنا وأزماتها المستعصية؟ هل سنصحو على مجتمعات متماسكة ودول عادلة تحكم بالقانون وتنهض بالحريات وتحقق التنمية والازدهار؟ وهل سيغدو إقليمنا أنموذجاً في سيادة الأمن التعاوني والاستقرار والنهوض؟
الأكيد أن الإجابة عن هذه الأسئلة هي "لا"، وينبغي لنا أنْ نكون واضحين، وألا نحرّف الحقائق. فمشكلتنا ليست مع الإرهاب فقط، مع أنه شرٌّ عظيم على الجميع أن يسعى، ويكون سعيداً، لدحره وهزيمته.
الحقيقة أن ثمة ثالوثاً مدمراً لمنطقتنا، فالإرهاب ضلع واحد في مثلث ضلعاه الآخران هما الاستبداد والفساد.
الإرهاب يضرب الأمن ويختطف الدين ويستنزف الدول وقد يفككها، والاستبداد يكبت المجتمع ويسجن طاقاته ويسخّر الموارد لخدمة أقلية تبطش بعموم المجتمع خدمة لمصالح ضيقة، ومع الفساد تغيب العدالة ويتراجع القانون وتُهدر حقوق الناس ومكتسباتهم وتتلوث الضمائر وتذوي أخلاقيات الأمانة وحسّ المسؤولية والواجب، ويأكل القوي الضعيف والغني الفقير.
إن أي نهوض للواقع العربي يتطلب صياغة الرؤى والاستراتيجيات والسياسات باتجاه معالجة هذا الثالوث المدمّر، وقد آن تعلّم الدروس منذ 2011، حيث اجتمع خلال السنوات الست الماضية الاستبداد مع الإرهاب مع الفساد، فخلق انهيارات للدولة الوطنية والاجتماع العربي.
الكارثة ستقع حين يجتمع هذا الثالوث في دولة ما، إذ يكفي واحد منها لإضعاف أي بلد، وتفريغ قوته الشاملة من الداخل!
في التجربة الغربية حدث ذلك، وفي تجربة الاتحاد السوفيتي أيضاً. الغرب تعلّم الدرس بعد تضحيات جسيمة وعواقب كارثية جرّاء جشع الإقطاعيين وفساد رجال الدين والحكام الديكتاتوريين. ولأنّ النهضة العربية غير منفكّة عن استدعاء تجربة الغرب في النهوض والاحتراب، فلا بد من النظر في ثلاث مسائل:
 أولها، نقد ومراجعة سردية الإسلام السياسي حول الإصلاح الديني في المسيحية واليهودية، والذي كان إصلاحاً من الداخل نزولاً عند معطيات العصر وتقدمه وتغير الأحوال، الأمر الذي يستدعي قراءة إيجابية لذلك، وعدم الخضوع لسردية التيارات الإسلاموية حول التحريف والضلال.
وثانيها، إعادة تقييم تجربة رواد النهضة العربية في القرن التاسع عشر، حيث الخصوصية فيها، كما يقول عبدالله العروي، تتمثل في أن مشروع النهضة جاء قبل الاستعمار في البلدان العربية، وبخاصة في مصر والمشرق العربي، بعكس تجارب شعوب أخرى، مثل اليابان، التي نهضت وتفوقت بعد تجربتها المُرة مع الغريب والمستعمر. هذا يعني، بالنسبة للعرب، انقطاع تراكم مشروع النهضة بسبب الاستعمار الذي غيّر الأجندة والأولويات، وكان الأسوأ ربط الحداثة بالاستعمار.
 وثالثها، أن تشكّل الدول الوطنية بعد الاستقلال لم يستوعب مؤسسياً غنى شعوبها وتنوعها واختلافاتها، وضرورة التفكير في إدارة هذا التنوع مبكراً، ما أنتج مشاكل في الاجتماع بعد عقود وحتى وقتنا الحالي، بسبب تجريم أفكار مثل الفيدرالية والكونفدرالية والحكم الذاتي، أو إخفاقها بسبب نزعات الهيمنة وابتلاع الآخر، وهو ما يعود إلى ضعف التقليد الديمقراطي في غالبية بلداننا وتجاربنا الممتدة.
الخلاصة أنّ هزيمة "داعش" في العراق وسورية لو كانت على يد أطراف عادلة وغير مستبدة أو فاسدة لقلنا إن مشاكلنا تسير نحو التقلص والانكماش، وفي هذا دعوة للتفكّر بربط نهضتنا بهزيمة ثالوث يغذي بعضه بعضاً وهو: الاستبداد، والإرهاب أو التطرف، والفساد.

التعليق