ماجد توبة

عندما يلدغ الحزبيُّ من جحر مرتين!

تم نشره في الأحد 8 تشرين الأول / أكتوبر 2017. 11:07 مـساءً

لم يكن إعلان حزب التيار الوطني السبت مباشرته بمناقشة حل نفسه، نعيا للحزب، بقدر ما كان نعيا للحياة الحزبية، يصدر مرة ثانية عن شخصية سياسية لها ما لها وعليها ما عليها في الحياة السياسية والنيابية والحزبية الأردنية، هي شخصية عبدالهادي المجالي، الذي يحسب له، موضوعياً، تمسكه بخوض غمار العمل الحزبي، بخلاف صفٍّ طويل من "رجال الدولة" والشخصيات السياسية التي سبق أن تسلمت مناصب رسمية مثل المجالي، لكنها اختارت العمل خارج المنصب تحت لافتة "مسؤول سابق" وبانتظار "منصب لاحق"!
قد يكون إعلان "التيار الوطني" الذي أسسه العام 2010 عبد الهادي المجالي ومجموعة واسعة من الشخصيات السياسية المصنّفة على الوسط أو "صفّ الموالاة"، وبينها رؤساء وزراء ومسؤولون كبار سابقون، مفاجئا بتوقيته لغياب وجود أزمة واضحة مع الحزب، لكنه ليس مفاجئا للمراقب والمتابع للعمل الحزبي والسياسي، الذي يراوح مكانه ضعفا وأزمات وغيابا عن الحضور، منذ ثلاثة عقود، أو بالأحرى منذ عودة الحياة الديمقراطية العام 1989.
سبق للمجالي أن أسس مع صف واسع من كبار المسؤولين وسياسيين من خط الوسط، منتصف التسعينيات الماضية الحزب الوطني الدستوري، الذي جمع تحت لوائه عدة احزاب وسطية، في تجربة أريد منها يومها خلق معادل حزبي موضوعي من تيار الوسط مقابل التيار الإسلامي الإخواني والتيار القومي اليساري، لكن التجربة الاندماجية لم تصمد حينها طويلا فانفضّ "رجال الدولة" من حول الرجل، وقيل يومها إن رسائل "رسمية" وصلتهم بإعادة الحزب المذكور إلى "حجمه الطبيعي" وسط ملابسات عديدة يصعب التوقف عندها هنا، لكنها حكمت بالمحصلة بوأد تجربة واعدة كان يؤمل منها خفض الزحام الحزبي، والانتقال لمرحلة التنافس والصراع البرامجي بين ثلاثة أو أربعة تيارات سياسية.
يكاد يكون خطاب النعي لتجربة "التيار الوطني"، الذي ألقاه المجالي السبت، نسخة مكررة عن خطاب نعي تجربة "الوطني الدستوري"، ففي الخطابين طغى النعي للتجربة الحزبية قبل أن يكون نعيا للحزب ذاته. وقد وضع المجالي بحث حل حزب التيار في إطار "تغييب العمل الحزبي وعدم اتخاذ اجراءات تشريعية تعمل على تعميق الحياة الحزبية وتقويتها"، واعتبر اننا "نعيش مرحلة من عدم الوضوح في الرؤيا السياسية تقوم على التهميش".
ويخلص المجالي بكلمته إلى تساؤل استنكاري: "نحن الآن نتساءل هل هناك فائدة من العمل الحزبي؟! (...)". فيما ذهب أمين عام الحزب د. احمد الحمايدة إلى اعتبار أنه "لا يوجد إرادة رسمية لتطوير الحزبية في الأردن، بل على العكس نشعر أن هناك قوى سياسية تتعامل مع الأحزاب كأنها غير مشروعة ما أفقدها هيبتها".
لم يعد هذا التقييم المتشائم لوضع الحياة الحزبية مختلفا عليه من أغلب الأطياف السياسية والحزبية، فما تزال الأحزاب شبه غائبة عن مجالس النواب والمواقع السياسية التمثيلية، فيما تعاني أغلبها من ضعف الحضور في الشارع، وترزح كلها تقريبا تحت أزمات مالية تحدّ من نشاطها وقدرتها على التنظيم والعمل، وما تزال الحزبية والانتماء الحزبي "وصمة" تعيق الحصول على وظيفة أو تطور وظيفي، ناهيك عما تعانيه كوادر ونشطاء حزبيون من تضييقات وملاحقات رسمية وفي الجامعات، بما ينفرّ الشباب من الإقبال على العمل الحزبي المنظم. كما سجلت الأحزاب، وعلى رأسها الوسطية، مواقف رسمية سلبية تجاهها وتجاه مرشحيها في انتخابات نيابية وبلدية سابقة، لم يتردد حزب التيار الوطني أول من أمس في التذكير بها في انتخابات 2013. القصة باختصار أن التنمية الحزبية والارتقاء بالعملية السياسية لم تكن يوما على جدول أعمال الحكومات، لذلك بقيت التشريعات، وعلى رأسها قوانين الانتخاب، غير صديقة للأحزاب، بل وركّزت على ترسيخ العشائرية والمناطقية والفردانية في العمل النيابي والسياسي، حتى وصلنا اليوم إلى ما نحن فيه من عقم الحياة السياسية!

التعليق