عمر وبعد النظر في السياسة الاقتصادية

تم نشره في الجمعة 13 تشرين الأول / أكتوبر 2017. 12:00 صباحاً

د. محمد المجالي

من المسائل الاختلافية التاريخية التي تبين حوار الصحابة الكرام فيما له علاقة بمصالح المسلمين، والتي ظهر فيها بُعد النظر ووسائل الإقناع وأدب الحوار، وبان فيها كيف يكون تحمّل المسؤولية، هي تلك المعروفة بأرض سواد العراق، وذلك بعد فتح العراق وفارس عنوة (بقتال)، وأراد الجند تقسيم الأرض بينهم باعتبارها جزءا من الغنائم، وحُكم الله تعالى في الغنائم أن يؤخذ خمسها فيصرَف فيما بينه الله تعالى في قوله: "واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل.."، فهو للإمام يقسمه على هؤلاء، ويقسم الباقي (أربعة أخماس) على المقاتِلة، حسب أحكام الشرع، فأراد الجند أن يأخذوا الغنائم والأرض، وطلبوا من أمرائهم تقسيم الأرض، ورُفع الأمر إلى أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه، فكان رأيه النهائي بأن لا تقسّم الأرض، بل تُترك وقفا للمسلمين جميعا.
لن أذهب بعيدا في تفاصيل المسألة، ولكنني أقف عند بُعد نظر المسؤول، كيف ينبغي أن يكون، أن لا يفكر في يومه فقط، ولا في قومه وجيله، بل يسيطر عليه شعور المسؤولية العام للأمة، ولا يناقض في هذا نصوصا أو يخالف أمرا شرعيا، فالهوى غير موجود أصلا، ولا يفكر إلا بما فيه مصلحة الأمة لأجيال تأتي، والدليل من كتاب الله، بعمق نظر وتحليل قد لا يخطر على البال، لكنه توفيق الله بما يفتحه على المخلصين الصادقين.
أقف عند عبارات أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه، وهو يُقنع الذين اعترضوا عليه وأرادوا تنفيذ ظاهر النص القرآني في توزيع الغنائم، لعلها تكون عبارات نافعة لكل سياسي يتبوأ مسؤولية، فهو موقوف أمام الله ومحاسبه عليها، ويا له من موقف عصيب، حين تُعَلَّق مصالح الناس برقبتك، ولا تدري كيف النجاة، فهي ليست دنيا وتفنى ونفنى معها، ولكنها مرحلة، وبعدها الحياة الحقيقية الخالدة، في جنة أبدا أو في نار أبدا.
كان يشغلُ فكرَ عمر رضي الله عنه أنْ كيف نحافظ على كيان دولة مترامية الأطراف، وصون سلطانها وقوتها، وضمان المصالح العامة فيها، فلا بد من سياسة مالية متقنة حكيمة، فكّر عمر بشأنها بإيجاد مورد ثابت لها، ألا وهو الخراج، وذلك بعدما أشار عليه معاذ بن جبل لما أراد توزيع الأرض على المقاتلة، فقال معاذ: "والله إذا ليكونن ما تكره، إنك إن قسمتها صار الريع العظيم في أيدي القوم، ثم يبيدون فيصير ذلك إلى الرجل الواحد أو المرأة، ثم يأتي من بعدهم قوم يسُدون من الإسلام مسدا، وهم لا يجدون شيئا، فانظر أمرا يسع أولهم وآخرهم".
عندها رجع عمر إلى كتاب الله يتأمله ويستنبط منه، فوقف عند آيات تقسيم الفيء في سورة الحشر، (والفيء ما يغنمه المسلمون من دون قتال فحكمه حكم الخمس ولا يأخذ المقاتلة منه شيئا) فتأمل عمر رضي الله عنه الآيات كلها، ورأى الحديث عن المهاجرين والأنصار ومَن بعدهم، فاستنبط أن الفيء للمسلمين في الوقت الحاضر ولمن يأتي بعدهم، فعزم على تنفيذ رأي معاذ، وانتشر الخبر، ووقع الخلاف، فكانت حجة عمر هي الاطمئنان على المصلحة العامة للأمة، لا الخاصة للجند، فقال: فإذا قسمت أرض العراق بعلوجها، وأرض الشام بعلوجها، فما يسد به الثغور؟ وما يكون للذرية والأرامل لهذا البلد وبغيره من أراضي الشام والعراق؟
حينها اعترضوا عليه لأن الحكم واضح بأنها غنائم، ولهم فيها نصيب، وهنا قال له عبد الرحمن بن عوف: بأن يستشير القوم، فأرسل إلى عشرة من الأنصار من كبراء الأوس والخزرج وأشرافهم فخطبهم، وكان مما قال لهم: "إني واحد كأحدكم، وأنتم اليوم تقرون بالحق، خالفني من خالفني، ووافقني من وافقني، ولست أريد أن تتبعوا هذا الذي هواي ثم قال: قد سمعتم كلام هؤلاء القوم الذين زعموا أني أظلمهم حقوقهم، ولكن رأيت أنه لم يبق شيء يفتح بعد أرض كسرى وقد غنمنا الله أموالهم وأرضهم وعلوجهم فقسمت ما غنموا من أموال بين أهله، وأخرجت الخمس فوجهته على وجهه، وقد رأيت أن أحبس الأرضين بعلوجها واضعاً عليهم فيها الخراج وفي رقابهم الجزية يؤدونها فتكون فيئاً للمسلمين، المقاتلة والذرية، ولمن يأتي من بعدهم، أرأيتم هذه الثغور؟ لا بد لها من رجال يلزمونها، أرأيتم هذه المدن العظام؟ لا بد لها من أن تشحن بالجيوش، وإدرار العطاء عليهم، فمن أين يُعطى هؤلاء إذا قُسّمت الأرض والعلوج؟ فقالوا جميعاً: الرأي رأيك فنعم ما قلت ورأيت، إن لم تشحن هذه الثغور وهذه المدن بالرجال وتجري عليهم ما يَتَقَوّوْن به رجع أهل الكفر إلى مدنهم، وقد قال عمر فيما قاله: لو قسمتها بينهم لصارت دولة بين الأغنياء منكم، ولم يكن لمن جاء بعدهم من المسلمين شيء، وقد جعل الله لهم فيها الحق بقوله تعالى: "وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ"، ثم قال: فاستوعبت الآية الناس إلى يوم القيامة، وبعد ذلك استقر رأي عمر وكبار الصحابة رضي الله عنهم على عدم قسمة الأرض".
أجل: من للثغور (وهي الحدود ويقابلهم فيها أعداء متربّصون)؟ ومن للأرامل والمساكين؟ وكيف يُصرَف على هذه المدن العظام؟ وكيف نفكر في مصالح المسلمين جميعا إن بقي المال يتداوله الأغنياء فقط؟ وهذه ليست الفكر الاشتراكي الذي ألغى الملكية الخاصة، بل استنباط عميق من عمر رضي الله عنه وهو يتدبر آيات سورة الحشر وهي تذكر أصناف الناس، فليس هوى أو نظرة قاصرة، بل أراد أن ينمي في الجميع روح المسؤولية وعظمها.
هو عمر الذي قيل له يوم طعنه أبو لؤلؤة المجوسي أن يستخلف ابنه عبد الله فيجيب القوم: "يكفي من آل الخطاب واحدا في النار"، يعني نفسه، وهو الذي استشعر المسؤولية يوما فقال لنفسه: "ليت أم عمر لم تلد عمر"، وهو الذي كان يتفقد الرعية بنفسه، ويحمل الزاد للفقراء على ظهره، وهو الذي ذهب في لهيب الصحراء يبحث عن جمل من إبل الصدقة، لأنه مسؤول عنها أمام الله تعالى.
لم ينته مثال عمر فغيره من خلفاء المسلمين كثر، ولكنها الغصة التي تملأ حلوقنا وقلوبنا جميعا مما نرى من ضياع للحقوق وهدر للطاقات واستهتار بالمسؤولية، وكأنه لا توجد آخرة ولا حساب ولا عقاب، قلوب غشيها الران، وشعوب استسلمت للذل والقهر، فضاع الحق بين حكّام ظلمة، وشعوب جهلة، وعلماء منشغلين في سفاسف الأمور.

التعليق