الرضا والسعادة

تم نشره في الخميس 12 تشرين الأول / أكتوبر 2017. 11:07 مـساءً

 قبل ايام قمت بجولتي التي اعتدت عليها في شوارع عمان القديمة. ففي كل شهر وكلما ازداد شعوري بالاغتراب او زاد عندي منسوب الحنين الى الماضي أقرر أن أدلف الى قاع المدينة التي كانت مصدر كل المفاجآت والدهشة والصدمات في الايام التي كنا نظن فيها ان عمان هي مركز الكون واحدى عجائبه. فقد كان وسطها مفعما بالحياة ومدرجها الروماني مسرحا لا تخلو مدرجاته يوما من الجماهير التي احبت المصارعة والملاكمة والغناء فعلى خشباته شهدنا اول مسرحية عالمية "حلم ليلة صيف" وعرفنا مهارات ابطال المصارعة والملاكمة الاردنيين امثال فهد الطنبور والدسوقي ومسفر عبدالرحيم الطفيلي وهم ينازلون زكش وغيره من ابطال اوروبا واسيا وافريقيا وسط هتافات الآلاف من الجمهور الذي يحرص على ان لا تفوته أي من هذه المباريات.
في عمان كان التسكع متعة بذاتها فلم يكن لدينا سيارات ولا هواتف نقالة ولم يكن البوليفارد وعبدون ومقاهي الصويفية قد افتتحت بعد، كنا نتسلى بمراقبة الناس وهم يتدافعون على ارصفة الشوارع ويتوقفون امام واجهات المحلات المزدانة باخر ما توصلت له التقليعات من الملابس والمجوهرات والهدايا والكثير مما يلفت اهتمام المتسوقين والفضوليين.
جولة الاحد الماضي كانت بصحبة رفيقي الدائم عبداللطيف ابن الثماني سنوات فقد اقترح علي ان نذهب في مشوار يطرد عنه الضجر الذي بات يشعر به في يوم عطلته المدرسية. واغريته بان نذهب الى قاع المدينة لنتأمل المارة ونتناول عصير الرمان وربما بعض الاشياء التي قد تعجبه فتوافقنا على بدء المشوار قبل انتهاء يوم العمل وخروج الموظفين من اعمالهم.
 على الطريق الممتدة من تلاع العلي الى وسط العاصمة سألني عبود عن المدينة الرياضية والمباريات وعن البوليفارد ومجلس النواب وما اذا كان "يحيى السعود" يعيش في المجلس فهو يحبه ومعحب بشخصيته. بعدها جرى الحديث عن ملحمة سكرية وسبب تسميتها. حاولت ان اشرح له بعض اجتهاداتي في الاجابة عن اسئلته واخفاء قصوري كي لا يكشف عجزي.
بعد جولة في الشوارع المحيطة بالمسجد الحسيني اشار عبود الى الجهة المقابلة للمسجد وقال لي "بابا مين سمى شارع السعادة ؟ وليش اللي قباله شارع الرضا؟". اسئلة لم تخطر ببالي رغم اني مررت بالشارعين مئات المرات. حاولت الاجابة عن السؤال الاول فقلت بان ادارة المدينة هي التي تعطي الاسماء للشوارع اما الشق المتعلق بسبب اختيار هذه الاسماء فاجبته باننا سنسأل معا. استغرب انني لا اعرف الاجابة لكنه قبل الاقتراح فتوجهنا الى بعض المتاجر القديمة في الشارعين لكننا لم نفلح في الحصول على اهتمام اي ممن توجهنا لهم بالسؤال اما لكونهم مستخدمين او لانهم من الشباب الذين ورثوا او حلوا في متاجر أجدادهم وآبائهم.
امام قلة اكتراث من صادفناهم باسئلتنا تعاظم اصرارنا على الوصول الى اجابة للاسئلة التي استحوذت على اهتمامنا فهاتفنا احد الاشخاص الذي سكن المدينة منذ ثلاثينيات القرن الماضي وكتب سيرتها حيث اجاب بانه لا يعرف سبب وتاريخ التسمية لكنه اشار الى وجود شارع ثالث يحمل اسما مرادفا هو شارع السرور "وادي سرور" والذي كان اسما على مسمى بسبب اوائل السكان ممن احترفوا الطرب والموسيقى والرقص الى جانب بعض الحرف اليدوية والصناعات البسيطة.
استمرت رحلة البحث عن الاجابة بسؤال اثنين ممن تولوا موقع امين العاصمة فاجاب الاول بانه لا يعرف في حين اجتهد الثاني بان الرضا كلمة كان يستخدمها الامير عبدالله والسعادة هي الامنية التي كان يختم بها سموه حديثه مع جلسائه لذا سمّي الشارعين بالرضا والسعادة الى جانب كل من شوارع فيصل وغازي وطلال.
كان من الممكن قبول اجابة عمدة المدينة الاسبق لولا اننا اردنا التحقق، فواصلنا البحث بسؤال احد ابناء عمان ممن عملوا في شوارعها وعرف اهلها الاوائل فطلب ان نمهله قليلا ليخبرنا بعد برهة بان تسمية الرضا كانت نسبة الى السيد محمد علي رضا صاحب الارض التي يمر منها الشارع "شارع الرضا"..وان السعادة نسبة الى الاسم الذي حمله اول محل تجاري لتجهيز العرايس خلال عشرينيات القرن الماضي. اما السرور فنسبة الى الحي الذي سكنته شخصية دينية مغربية اسمه عبدالرحمن سرور حيث كان الناس يلجأون له ويتباركون بزيارته.
ما ان توصلنا الى الاجابة التي وضعت حدا لاجتهادات المعرفين حتى ذهب بي الفكر الى كيف كانت الاسماء التي نعطيها لاحيائنا وجبالنا وشوارعنا جميلة كما القلعة والتاج والهاشمي والزهور قبل ان نتدافع باتجاه الاحياء والضواحي التي تحمل اسماء منفرة كدابوق وديرغبار وطبربور. وكيف تمر الايام على العديد من الاماكن والمعالم دون ان ندون ذاكرتها فنترك المكان بلا هوية ولا تاريخ تتنازعه اجتهادات من يواجهون بالسؤال كما حصل معنا.

التعليق