محمد برهومة

السعودية.. نقاش يعكس حجم التحولات

تم نشره في الجمعة 13 تشرين الأول / أكتوبر 2017. 12:06 صباحاً

قبل شهرين ونصف أثار كاتب سعودي نقاشاً مُهماً يتعلق بالتطورات الاجتماعية والدينية التي تعيشها المملكة العربية السعودية، وتساءل قائلاً: "كيف ستكون الحال في السعودية لو أنها لم تمرّ – تاريخياً - بما سُمي "الصحوة"؟ وكيف ستكون الحال لو أن السعودية كبلدٍ قفز متجاوزاً أربعين عاماً من الرفض، والحذر، والممانعات، والاحتجاجات، والضغوط، والتهويلات، والاسترضاءات، والتصنيفات، والتشرذم التياري، وابتكار الحجج الواهية الرافضة لكل انفتاح، والواقفة في طريق أي خطوة تهدف إلى مسايرة ركب الحضارة الإنسانية، أو الاقتراب منه على الأقل؟ وكيف ستكون الحال، لو نجح السعوديون في تحويل السلفية بوصفها فقهاً قابلاً للتجديد وتطبيق "فقه الواقع"، إلى داعم يدفعنا إلى الأمام، عوضاً عن أن يستغلها ذوو الأهداف الأممية غير الوطنية استغلالاً مُخاتِلاً لتكريس أسباب رفض الجديد بأشكاله المادية والمعنوية كلّها؟". وفي معرض إجابته جزم الكاتب أحمد التيهاني "بأن الحال ستكون أفضل لو أننا قفزنا – زمنياً – فوق أربعة عقود أو أكثر، هيمنت خلالها ممانعات الصحويين غير البريئة على المجتمع، وسيطرت – عبر نصف عمر المملكة - على أذهان كثيرين باتوا يحسبون لاحتجاجات الممانعين حسابات تفوق حسابات إيجابيات الخطوات، وتتجاوز فوائد المشروعات أو القرارات أو النظم أو المناشط".
كان مثل هذا الحديث خافتاً في السعودية في العقود الماضية، وهو الآن في صُلب النقاش الوطني السعودي، وقد كان لافتاً للنظر أن المستشار في الديوان الملكي السعودي سعود القحطاني، خاض هذا النقاش بجرأة غير معهودة، وعبر الصحف السعودية. وذهب القحطاني إلى تفكيك مقولات راسخة في الثقافة العامة في بلاده، وعلى مدار عقود، تتعلق بالشرعية الأيديولوجية والدولة الوطنية وعلاقة الدين بهذه المفاهيم واشتباكه معها، لا سيما في بلد لطالما نُظِر إليه في سياق خاص، محلياً وإقليمياً ودولياً. لقد رفض القحطاني، وهو القريب من ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، أن تكون شرعية الدولة في المملكة العربية السعودية متحصلةً من إطار أيديولوجي، ناسباً هذه الشرعية إلى القوة والإنجاز ووجود العائلة الحاكمة وبقائها كرمز للكيان الوحدوي، الذي أرسى دعائمه الملك عبدالعزيز. ولقد اقتضى هذا الطرح أنْ يكون القحطاني صريحاً، في مقاله، حيث رفض بشفافية لا التباس فيها مفهوم الخلافة بمنطقها الأممي، مؤكداً تبنيه لمفهوم الدولة القُطرية بمنطقها العصري المنفتح. وذهب المستشار إلى أن مفهوم الأمة غير صالح، والحال كهذا، في ظل ترسّخ رابطة المواطنة المتساوية، وفي ظل منطق العلاقات الدولية في عصرنا، مستطرداً في الحديث عن الأيديولوجيات الأممية المختلفة من قومية ودينية وغيرها، ومؤكداً أنها جميعها أضاعت الرابطة الوطنية.
هو، بلا شك، نقاش متشعب وجديد، وإن دلّ فإنما يدلّ على واقع التحولات والانعطافات النوعية التي تعيشها المملكة العربية السعودية، والتي يبدو أنها سائرة نحو المزيد منها، الأمر الذي لا يبدو مبالغاً فيه أن يتحدث بعض المراقبين عن أننا، على الأغلب، بصدد الكلام عن "الدولة السعودية الرابعة".

التعليق