الموهبة والعبقرية: اختراع لا اكتشاف (10 - 11)

تم نشره في الخميس 12 تشرين الأول / أكتوبر 2017. 11:00 مـساءً
  • الكاتب حسني عايش

حسني عايش

كيف تُلِهم طفلك أو تدمره؟ يتساءل عدد من علماء النفس والباحثين في الموهبة/ العبقرية قائلين: "تُرى كم موهبة/ عبقرية دفنت لأن أصحابها لم يعطوا الفرصة لتبرز وتتجلى؟!".
إن أدمغتنا وأجسامنا مهيئة للمرونة، أي مبنية على التكيف ومواجهة التحديات، وان قابلية الإبداع قائمة في بداية هندسة هذه الأدمغة، وأن وظيفة الأبوين الانغماس في عملية نموها التي تبدأ قبل مدة طويلة من الولادة. ولكن لا يجوز بحال تكريس شخصية مسبقة للطفل، وإنما تفصيل بيئة مؤاتية له للتفاعل الدنياميكي مع البيئة حسب معادلة ج × ب (GXE ) وإن كانت ردود فعل الأطفال مختلفة للخبرات المشتركة بينهم.
نعم، وكما ذكرنا مراراً تقوم الجينات بدور محوري ولكن البيئة هي التي تقرر التعبير عنها وتوجيهها. إن هذا لا يعني أن كل طفل سيحصل على الميدالية الذهبية للعوامل المعيقة التي ذكرناها في حلقة سابقة، ولكن توجد طرق بطولية كثيرة هادفة ليكون الإنسان عظيماً: كمعلم مدهش، أو كمبدع، أو كرائد، أو حتى كمساعد أمين لكاتب في مكتبه.
الهدف من الحياة يقرره صاحبها، ولكن على الآباء زرع البذور وسقايتها ورعايتها. ومثلما يؤثر الأبوان في تكوين الطفل/ة يؤثر فيه الأقران في مرحلة المراهقة، أيضاً. ولكن الآباء أكثر أهمية عند الطفل في التعليم والنظام والترتيب والمسؤولية والعطاء، وطرق التعامل مع السلطة. والأقران أكثر أهمية في التعلم التعاوني ومعرفة الطرق الشعبية للشهرة، والاختراع، وأساليب التعامل مع أصحاب السن نفسه. والأطفال يعتبرون أقرانهم أكثر إثارة، ولكنهم يلجأون إلى الأبوين عندما يتعلق الأمر بالمستقبل من حيث الأهداف والإستراتيجيات والفلسفة الشخصية.
فيما يلي أربع شواخص جوهرية للتميز التي يمكنك الاهتداء بها في أثناء التعامل مع الطفل/ة:
• الإيمان بقدرة الطفل الفائقة على التعلم، والدليل عليه أن جميع الأطفال في العالم - ما عدا المعوقين عقلياً- يتعلمون مبكراً أي قبل المدرسة لغات ذويهم ولهجاتهم. فلماذا لا ينتقل أسلوب لسان الأم إلى تعليم وتعلم المواد في المدرسة؟
• ساند ولا تتسلط: يُلحق الأب النرجسي أو الأم النرجسية ضرراً كبيراً بإحساس الطفل بنفسه. يجب أن لا يُربط حب الأبوين للطفل/ة بالإنجاز، فيضيئان أو يعتمان حسب علامته في المدرسة. ان هذا النوع من العلاقة يدمر أسس المحبة والثقة. يجب أن يكون حب الأبوين للطفل غير مشروط وأن يظهرا الإيمان الدائم بقدرة الطفل/ة على الإنجاز الذي يرضى هو عنه.
• خطوة خطوة ومثابرة: قال اينشتن مّرة: ليس لأنني عبقري، بل لأنني أبقى مع المسألة مدة أطول (تفكير طويل). والمثابرة هي الفرق بين العادي أو الوسط، والنجاح العظيم، فالنجاح حليف كل مثابر ومن جد وجد، ومن سار على الدرب وصل. لكن هل يمكن تعليم المثابرة؟ هل هي عنصر بيولوجي فطري؟ إن البيئة تفيد العكس ومفتاحها هو التعزيز من آن إلى آخر. إن الطفل الذي يكبر وهو يحصل على الجوائز أو الإشباع الفوري لحاجاته، يتوقف عن المثابرة عندما تختفي الجوائز، أو يتأخر الإشباع.
• تصرف كما تريد أن يتصرف طفلك الآن وفي المستقبل: كلما كنت ضابطاً لنفسك ضبط طفلك نفسه مثلك. لا تستجب فوراً لكل طلب أو شكوى صغيرة. دع الطفل يتعامل مع الإحباط والحاجة. دعه يتعلم تهدئة نفسه واكتشاف تحسن الأمر بالصبر.
• تقبل الفشل: الفشل فرصة أو باب مفتوح للاستئناف، واعلم أن الفشل الحقيقي هو الاستسلام أي التخلي عن مساندة الطفل/ة مبكراً.
وبإيجاز نقول: إن للأب والأم دوراً كبيراً في إلهام الطفل/ة أو في تدميره (وكذلك المدرسة طبعاً) .
وختاماً: هناك فرق هائل في الإنجاز والإبداع والابتكار بين المجتمع الذي يؤمن بالنظرية التقليدية الفطرية في الذكاء والموهبة/ العبقرية، ويعتقد بندرتهما، والمجتمع الذي يؤمن بالنظرية العلمية الجديدة فيهما التي ترى أن التربة خصبة لهما، وأنهما تنبتان وتعلوان بالفرصة أي بتوفير البيئة المؤاتية لهما.

التعليق