ضغوطات الحياة تعزل أشخاصا عن محيطهم الاجتماعي

تم نشره في الجمعة 13 تشرين الأول / أكتوبر 2017. 11:00 مـساءً

منى أبو صبح

عمان- “الأولاد، العمل، والمهام المنزلية” أبرز الأولويات في حياة الموظفة سهاد علي، التي تعمل في إحدى الشركات منذ خمسة عشر عاما، وتعترف أن هذه الأوليات سرقت أيامها، حيث جعلتها تنسى صديقاتها وقريباتها، وتتغيب عن العديد من المناسبات الإجتماعية.
تقول الموظفة: “أصبحت في الأربعين من عمري، انشغلت منذ زواجي بحياتي الأسرية، فلا يشغل بالي سوى الإهتمام بهم وسعادتهم وترفيهيم، حتى أن صديقاتي القديمات يئسن من دعوتي للخروج أو زيارتهن بعد اعتذاراتي المتكررة”.
تضيف: “أحيانا أحاور نفسي وأعاتبها بالقول.. يجب أن ألتفت لنفسي قليلا وأعيد تواصلي مع الآخرين بتبادل الزيارات والمشاركة في المناسبات الاجتماعية.. فالحياة ليست عملا وأولادا فقط”.
وكذلك حال عائلة أبو ناصر التي ينشغل فيها الوالدان بأعمالهم، والأولاد بدراستهم، حيث لا يذكر أي منهم أنهم استقبلوا زوارا غير أقربائهم.
يكتشف بعض الأشخاص ان ضغوطات الحياة وتبدل الألويات عزلتهم عن محيط الاصدقاء والاقرباء، حيث لا يتزاورون ويتناسون المناسبات والواجبات الاجتماعية تجاه غيرهم، فيبادلهم الطرف الآخر ذات المعاملة، ويرجحون أن السبب في ذلك مشاغل ومهام الحياة العديدة، ويشعر الكثير منهم بعد حين بالاكتئاب أو لوم النفس على عدم تنظيمهم أوقاتهم وعلاقتهم الاجتماعية مع الاخرين، وبعض هؤلاء الأشخاص يدركون أن حياتهم الاجتماعية غير مشبعة بالاصدقاء والمعارف، ومع ذلك يرون في ذلك الصواب.
تقول أم ناصر: “لدى زوجي عملان في الصباح والمساء، وأنا معلمة في إحدى المدارس الحكومية، وعندما أنتهي من العمل أسارع للمنزل لتحضير وجبة الغداء، حتى زوجي لا أراه، ولا نعرف شيئا عن جيراننا، وليس لدينا وقت للتزاور، أما في أيام العطل فنفضل الخروج للترفيه عن أنفسنا”.
تضيف أم ناصر: “حاورت زوجي في أحد الأيام بأنني أشعر بأننا كالآلات، وهذا الأمر سيئ جدا على الصحة والحالة النفسية، فأحيانا أشعر باكتئاب شديد جراء انقطاعنا عن الآخرين، خصوصا المقربين لدينا من الأصدقاء والمعارف.. وأسعى أن نغير هذا النمط في حياتنا”.
أما الأربعيني أبو زيد فيرى أن مواقع التواصل الاجتماعي المختلفة ساهمت في ضعف العلاقات الاجتماعية بين الناس، حيث هناك الغالبية يرون أنفسهم على تواصل مع الآخرين بمجرد إرسال رسالة أو إبداء تعليق على منشور، أو مشاركة لهذا المنشور، متناسين بأن هذه المواقع افتراضية وليست حقيقية.
وينتقد نفسه بالقول: “أنا أتبع ذلك أيضا، فأحيانا أكتفي بمعايدة الآخرين وتهنئتهم بالمناسبات الاجتماعية عبر هذه المواقع، أو التواصل معهم من خلالها، وللأسف مع مرور الوقت نسينا بأن اللقاءات وجها لوجه تعزز الصداقة والمودة”.
الموظف سمير في إحدى الشركات يقول: “تتطلب حياتنا العمل أربعا وعشرين ساعة لتوفير المستلزمات وتأمين حياة كريمة لأبنائنا، وأعتقد أن الشخص الذي يعمل ليل نهار من أجل ذلك شخص يستحق الاحترام والتقدير، وأنا من هؤلاء الاشخاص، وراض عن نفسي، حتى لو كانت على حساب تكوين علاقات اجتماعية، بالنهاية هذه العلاقات لا تسير حياتي”.
ويشير اختصاصي علم النفس د. موسى مطارنة إلى أن هذه الشخصيات علاقاتهم الاجتماعية ضعيفة أو معدومة، لكنهم اختاروها بأنفسهم،  متسائلا: “هل الانغماس بالعمل والانقطاع عن الناس يسبب الكآبة؟، الجواب لا، لأن شخصية هؤلاء عملية أحادية يستمتعون بالعمل، ولا يلتفتون للعلاقات الإنسانية”.
مضيفا، فهم يرتبطون روحيا ونفسيا بالعمل وتقوم حساسيتهم الشخصية عليه، فلا يضعون بحساباتهم أي اعتبارات للعلاقات الاجتماعية.
ويشير مطارنة إلى أن هؤلاء الاشخاص حالتهم النفسية مستقرة ضمن هذا الإطار لأنهم يحملون أفكار مجتمع مادي لا يؤمن بالعلاقات الإنسانية ولا يندمج بها، وتكون علاقاته مرتبطة بالعمل وما يدور بدائرته، ولا يؤمن بضياع وقته في بناء علاقات من وجهة نظره لا جدوى منها.
ويلفت استشاري الاجتماع الأسري مفيد سرحان إلى أن الإنسان بطبعه اجتماعي ولا يستطيع أن يعيش بمعزل عن الآخرين، مهما كان وضعه الاجتماعي والاقتصادي، والتواصل مع الناس فيه فائدة للجميع للمتواصل والمتواصل معه.
مضيفا، وحاجات الإنسان متعددة، منها ما هو مادي ومنها اجتماعي ونفسي ولعل بعض الناس للأسف لا يدركون أهمية هذا التواصل، إلا بعد فترة من الزمن خصوصا عندما يمرون ببعض الظروف كالمرض أو وفاة أحد الأصدقاء أو التقاعد من العمل أو غيرها من الظروف.
مبينا؛ حينها يدرك أهمية العلاقة مع الناس، فالشخص الذي يديم التواصل مع الآخرين يشعر براحة نفسية وسعادة ويجد ثمار هذا التواصل في المناسبات الاجتماعية المتعددة حيث حضور الآخرين ومشاركتهم له في أفراحه وأحزانه، كما أن وجود العلاقات والصدقات له أهمية كبيرة حتى على الحياة اليومية للإنسان.
فالصداقة تعين الإنسان على تحمل أعباء الحياة وفق سرحان، وتساعده في أوقات الشدة والضيق، ويقدم الصديق النصيحة لصديقه، ونحن بحاجة لمثل هذه الأمور وربما يعتقد البعض أن تواصله من خلال وسائل التواصل الاجتماعي الحديثة يغنيه عن التواصل الشخصي، وهذا الأمر ليس بصحيح.
مضيفا أن التواصل الشخصي والالتقاء وجها لوجه لا يعدله وسيلة تواصل أخرى، إذ أن النفوس تلتقي والقلوب تتقارب بهذا الشكل من التواصل، سواء أكان تواصلا فرديا أو تواصلا جماعيا من خلال التزاور الأسري والعائلي والالتقاء في المناسبات العامة واجتماع الأصدقاء مع بعضهم بعضا لأن في ذلك تخفيف وتسلية عن الإنسان خصوصا مع تزايد أعباء الحياة وهمومها.

التعليق