الأبجديات تتغير

تم نشره في الأحد 15 تشرين الأول / أكتوبر 2017. 12:00 صباحاً

محمد عاكف الزعبي

تغيرات بنيوية كبرى شهدها الاقتصاد العالمي خلال العقدين المنصرمين. شواهد التغير كثيرة يصعب حصرها: انصهار الدول في نظام اقتصادي لا يعترف في الحدود السياسية، التطور التكنولوجي المتسارع وثورة الاتصالات وما نشأ عن ذلك من تغير في انماط الاستهلاك وسلوكيات المستهلك حول العالم، ناهيك طبعا عن اللجوء إلى ادوات جديدة لحفز النشاط الاقتصادي مثل برامج التيسير الكمي (quantitative easing) وغيرها الكثير من الشواهد.
وسط هذه التغيرات يمسي من غير المستغرب ان نرى العلاقات الاقتصادية، واقصد هنا العلاقات بين المتغيرات الاقتصادية، وقد بدأت بالتغير والانحراف عن اتجاهاتها التقليدية.
التغير طال ابسط العلاقات الاقتصادية وأكثرها بداهة والتي لطالما كان ينظر اليها باعتبارها مسلمات في علم الاقتصاد.
خذ العلاقة بين التضخم والبطالة على سبيل المثال. إذ لم تعد معدلات التضخم تسير وفقا لما تمليه العلاقة التاريخية بين الاثنين والتي جسدها الاقتصادي "فيليبس" بنموذجه الذي أفضى إلى منحنى "فيليبس" الشهير والذي اثبت، بميله السالب، وجود علاقة عكسية بين الاثنين. حيث لم تتمكن السياسات النقدية التوسعية التي أعقبت الازمة المالية العالمية من انتاج معدلات التضخم المستهدفة على الرغم من نجاحها في تخفيض معدلات البطالة إلى مستويات قياسية. وهي-أي معدلات التضخم- ما تزال دون المستوى الذي يمليه نموذج "فيليبس"، الأمر الذي حدا بالسيدة جانيت يالين، محافظة البنك المركزي (الفيدرالي) الأميركي إلى القول: " ربما اننا لم نعد نفهم محركات التضخم ومسبباته".
ايضا، هنالك من يرى بأن قاعدة تايلور (taylor rule) التي لطالما استخدمت لتحديد مستوى سعر الفائدة التوازني، وهو المستوى الذي يحقق أعلى نمو اقتصادي ممكن في ضوء مستوى التضخم المستهدف، لم تعد تعمل بشكل فعال ولم تعد تنتج تقديرات جيدة يمكن الركون اليها.
الاختلالات في نماذج "فيليبس" و "تايلور" لا تزعج أحدا كما تزعج البنوك المركزية حول العالم. إذا أن مخرجاتهما (التضخم، البطالة، وسعر الفائدة) تعتبر حجر الزاوية في توجيه دفة السياسات النقدية التي تنشد تحقيق التوازن بين القوى الاقتصادية المتعاكسة (الركود والتضخم) باستخدام ادواتها التي يعد سعر الفائدة محورها. الأمر الذي يربك البنوك المركزية ويضعها في موقف ويصعب من عملية اتخاذ القرار في وقت تقبل فيه البنوك المركزية حول العالم وفي مقدمتها الأميركي والأوروبي على إجراءات انكماشية تهدف إلى تقليص برامجها التيسيرية.
اختلال العلاقات الاقتصادية ما يزال يثير استغراب البعض. وهنالك من الاقتصاديين المحافظين من يتعسف في الدفاع عن النظريات الاقتصادية القديمة وكأنهم يريدون لهذه النظريات ان تظل صالحة لكل الازمان؛ زمن الصناعات الثقيلة وخطوط الانتاج وزمن غوغل وفيسبوك!
هذا ولكن الزمن يتغير ومحركات الاقتصاد تتغير والعلاقات الاقتصادية سوف تستمر في التغير طالما ان العالم اخذ في التطور، ومهما حاول اصدقاؤنا المحافظون التمسك بالنظريات القائمة فان في الافق قوى سوف تغير وجه الاقتصاد العالمي والضوابط التي تحكمه وسوف تقلب العلاقات الاقتصادية رأسا على عقب وسوف تنتج علاقات جديدة لم نعرف لها مثيلا؛ في مقدمة هذه القوى يأتي الذكاء الاصطناعي (artificial intelligence ) وتنقيب البيانات (data mining).

التعليق