زليخة أبوريشة

قانون الجرائم الإلكترونيّة بين خطاب الكراهية وخطاب الحريّة!

تم نشره في الثلاثاء 17 تشرين الأول / أكتوبر 2017. 12:04 صباحاً

إنَّه من الأهميّة بمكانٍ أنَّ الحكومةَ قد انتبهت أخيراً إلى "خطابِ الكراهية" وتقنين عقوبته، بعد أن بُحّت حناجرنا ونحنُ نُحاول إدخال المصطلح إلى الفكر السياسي والقانونيّ، وها هو قد فعل، ولكن! يا له من دخول!!
تنصُّ مسودة قانون الجرائم الألكترونيّة الجديدة على التعريفِ التالي لخطابِ الكراهية: "كلُّ قولٍ أو فعلٍ من شأنه إثارةُ الفتنة، أو النعرات الدينيّة، أو الطائفيّة، أو العرقيّة، أو الإقليميّة، أو التمييز بين الأفراد، أو الجماعات"، وهو تعريفٌ فضفاضٌ لا يختلفُ عن أي تعريفٍ غوغائيّ لنيلِ حقٍّ بالبلطجة الفكريّة المعروفة الآن في الأسواق؛ حيثُ يهبُّ متأسلمٌ ليدّعي أن ما يكتبهُ فلانٌ أو فلانةٌ في الإسلام السياسيّ إنما هو هجومٌ على الدين نفسه، مما يستوجبُ تكفيرَهما ومن ثمَّ هدر دمهما! كما سيدّعي بحسبِ هذا التعريف أيُّ مأفونٍ أنَّ حديثك عن الإرهابِ والذبحِ والحرق الداعشيّ إنما هو طعنٌ في الدينِ، وبذا سيجرُّك هذا القانون إلى مواجهةٍ مع الدين بينما أنتَ في صراعٍ مع الإرهاب في تكوّنه المجتمعيّ والسياسيّ.
يمكنُ تعريف "خطاب الكراهية" بحسب موسوعة Britanica و Dictionary com  وغيرهما بأنه "كلُّ كلام أو تعبير أو إشارة أو تلميح أو صورةٍ يهاجم أو يهدِّد أو يهين شخصاً أو جماعة على أساس العرقِ أو اللون أو الجندر أو التوجُّه الجنسيّ أو الدين أو العمر أو الإعاقة العقليّة أو الجسديّة وغيرها. وهو خطاب يتضمن نعوتاً وافتراءات وصيغاً كلامية تؤدي إلى وجود أنماط عدائية من التحريض على الكراهية والعنف ضدّ فردٍ أو جماعةٍ من الجماعات".
فنحنُ إذن أمام صيغتين من الصيغ التي تتعامل مع "خطاب الكراهية"؛ الأولى تلك التي تحدده بأنه "كل قولٍ أو فعلٍ من شأنه إثارة الفتنة، أو النعرات..."، والثانية قاموسيّةٌ تحدده بأنه "كلُّ كلامٍ أو تعبيرٍ... يهدد أو يهاجمُ أو يهين... على أساس العرقِ أو الجندر...".. ولكل مشتغل باللغة وبالقانونِ ومشتغلةٍ، أن يميّزا بين عبارة "من شأنه إثارة الفتنة" وعبارة "يهدد أو يهاجم أو يهين"! فأيُّهما يترك لأي مدّعي إيذاءٍ البابَ مشرَعاً على التأويل؟ فالعبارة الحكوميّة المطاطةُ "من شأنه إثارةُ..." أُعدَّت خصيصاً لمطاردةِ "خطاب الحريّة" وترويعه. لأن أيَّ كلامٍ ناقدٍ لسياسة وزارة الأوقافِ، مثلاً، فيما يختصّ بإدارة المساجد أو مؤسسة الوعظ والإرشاد أو أيِّ فسادٍ فيها، أو أي نقدٍ لسياسة وزارة التربية في المناهج والكتب المدرسيّة، سيمكنُ اعتباره، افتراءً، من قبيل "ما من شأنه إثارةُ ..."! كما سيدخلُ في ذلك أيُّ احتجاج على الفسادِ أو السياسة الخارجيّة، أو الوضع الاقتصادي المتردّي، لأن تهمة "إثارة الفتنة" جاهزةٌ ولا مفرّ!
إذن هو مشروعُ قانونٍ لتكميم الأفواه، لا لإيقاف هذا السيل العرمرم من الكراهية الذي تضخه وسائل التواصل الاجتماعيّ ضدّ الفكر الحرّ والمصلحة الوطنيّة!!
وعلى الحكومة إدراك أن الزمن لا يمكنُ أن يعود إلى خلف، وأنَّ مطلبَ صونِ "خطاب الحرية" لهو مطلبٌ يعادلُ تطبيقَ قانونٍ ضد "خطاب الكراهية"، بما لا يخلُّ التوازنَ بينهما.
وعلى ذلك نعقدُ الأملَ!

التعليق