إدارة عمادة كلية التربية بجامعة النجاح

تم نشره في الثلاثاء 17 تشرين الأول / أكتوبر 2017. 11:09 مـساءً

د. جودت أحمد المساعيد


تقتصر ذكريات أي أستاذ جامعي يعمل بمنصب عميد كليةٍ بجامعةٍ حكوميةٍ أو خاصة في الغالب، على إدارة الأمور الروتينية اليومية،  مثل متابعة البرامج الأكاديمية للدراسات الدنيا أو العليا أو كليهما معاً في الأقسام التابعة للكلية، والعمل على تقييمها من وقتٍ لآخر، والحرص على تطوير تلك البرامج في ضوء المستجدات العلمية التي تتغير من وقتٍ لآخر، واقتراح برامج أخرى جديدة بناء على حاجة المجتمع المحلي لها في ضوء نموه الاقتصادي والاجتماعي والثقافي، وحث أعضاء هيئة التدريس في الكلية على تعليم الطلبة بفاعلية كبيرة. هذا إضافة إلى نشر البحوث العلمية في المجلات المُحَكَمة، وخدمة المجتمع المحلي الذي ينتمون إليه، كلما احتاج إلى الاستشارة في قضايا لها علاقة قوية بتخصصاتهم المختلفة، وحل المشكلات المتنوعة التي تواجه الطلبة أو أعضاء هيئة التدريس، بالتعاون مع رؤساء الأقسام لديه، وكتابة الخطابات الرسمية العديدة يومياً، والموجهة إلى رئيس الجامعة أو نوابه، وذلك توضيحاً لبعض الأمور، أو طلباً للحاجات اليومية للكلية، أو رداً على خطاباتٍ سابقة من هنا وهناك، تحوي مجموعة من الاستفسارات أو المطالب أو التعليمات الجديدة، وغير ذلك كثير.
 كل هذا يتم في الغالب ضمن الظروف العادية التي يسودها الأمن والأمان والاستقرار في المجتمع الذي تخدمه الجامعة والكلية. ولكن الأمر مختلفٌ تماماً عندما يتعرض أفراد ذلك المجتمع إلى اعتداءاتٍ يومية سواءٌ في بيوتهم أو في وظائفهم أو في أعمالهم أو حتى في تنقلاتهم اليومية، مما يضيف إلى مهام عميد الكلية مسؤولياتٍ كثيرةٍ أخرى أشد صعوبة، وتؤثر في الغالب على المهام العادية في أيام السلم والاستقرار. 
 وهذا ما حدث معي تماماً، إذ تمّ تعييني عميداً لكلية العلوم التربوية بجامعة النجاح الوطنية في نابلس خلال الزخم القوي لانتفاضة الأقصى، عندما كانت اعتداءات جيش الاحتلال الصهيوني على أشدها في الضفة الغربية وقطاع غزة، والاجتياحات العسكرية للمدن تتم بشكلٍ متكرر اسبوعياً، مع اتباع سياسة إغلاق الطرق أمام تنقل المواطنين وطلبة المدارس والمعاهد والجامعات، مما يحرم نسبة لا بأس من طلبة الجامعة بالذات من الالتحاق بقاعات الدراسة.
 وبالاجتماعات المتواصلة مع رؤساء الأقسام في كلية التربية أولاً، ومع أعضاء مجلس الكلية ذاتها ثانياً، كانت تتم مناقشة مثل هذه القضايا جيداً، ويتم الاتفاق فيها على مراعاة ظروف الطلبة الذين تمنعهم تصرفات جيش الاحتلال الصهيوني وإغلاقه للمناطق المتعددة يومياً، من الوصول إلى الجامعة، مع العمل على تشجيع زملائهم من القاطنين داخل السكن الجامعي أو داخل مدينة نابلس ذاتها، من التواصل هاتفياً معهم أولاً بأول، وتزويدهم بكلٍ من المعلومات والتعليمات اللازمة والمواد التعليمية المتوفرة، من أجل تعويضهم على ما يفوتهم من محاضرات مختلفة.
ورغم كل هذه الأحوال الصعبة، فقد تناقشتُ مع رئيس الجامعة آنذاك أ.د. رامي الحمدالله، رغبتي في تطوير الخطط الدراسية للكلية كاملةً، حيث رحب بذلك وأعرب عن دعمه الكامل لهذه الخطوة ولغيرها من الخطوات التطويرية، ما جعلني أطرح الموضوع في أحد اجتماعات مجلس الكلية. وبعد مناقشةٍ مستفيضة من الأعضاء، تمت الموافقة على البدء بتطوير خطط برامج البكالوريوس المتعددة أولاً، ثم برامج الماجستير المتنوعة ثانيا، ثم وضع خطة لبرنامج الدكتوراة، بالتعاون مع كلٍ من جامعة بير زيت وجامعة القدس ثالثاً وأخيراً. وبدأت اجتماعات الأقسام بعد ذلك تتوالى حول برامج البكالوريوس، عن طريق طرح مقررات جديدة، تتفق مع أحدث التطورات العلمية حتى ذلك التاريخ. وقد حرصتُ خلال تلك الفترة، على أن يعطيني كل رئيس قسم، فكرةً وافية أولاً بأول عن كل ما يدور من مناقشات حول تطوير الخطط ، حتى تكتمل عندي الصورة من جهة، وكي أتمكن من تزويد كلٍ منهم بالمقترحات التي قد تكون ملائمة لتطوير برامج تخصصاتهم من جهةٍ ثانية.
وما أن يوافق أي قسم من الأقسام الأكاديمية رسمياً على خطة البكالوريوس التابعة له، حتى يتم رفعها للعمادة، وهنا يأتي دوري بالعمل على دراستها  بعمق أولاً، وتوزيعها ثانياً على أعضاء مجلس الكلية قبل عشرة أيام من موعد الاجتماع المخصص لدراستها، حتى يكون الوقت كافياً لقراءتها بدقةٍ وكتابة الملاحظات المناسبة بشأنها. وما أن انتهت الأقسام من مهامها، حتى أخذت هذه الخطط الدراسية الوقت الكافي من المناقشات في اجتماعات مجلس الكلية، وأُدخلت عليها العديد من التعديلات المفيدة في ضوء ذلك، حتى تمّ اعتمادها رسمياً ورفعها إلى رئاسة الجامعة، تمهيداً لعرضها على مجلس العمداء، الذي تمّ بالفعل بعد فترة قصيرة، كي تعتمد خططاً جديدة في الكلية.
 والخطوات ذاتها تمّ اعتمادها بالنسبة لتطوير برامج ماجستير التربية في تخصصات علم النفس التربوي، والإدارة التربوية، والمناهج وطرق التدريس، بحيثُ أصبحت الخطط الجديدة أكثرَ حداثةً من سابقتها، ولا سيما من حيث المقررات التي تضمنت عدداً من الاتجاهات المعاصرة في التخصصات الثلاثة. وعندها، أصبحت الطريق مفتوحةً أمام التفكير الجدي لإنشاء برنامج الدكتوراة في التربية لأول مرة في الجامعات الفلسطينية. وقد بدأت الاتصالات من جانبي بعميد كلية التربية في جامعة بير زيت، وعميد كلية التربية في جامعة القدس، وطرحتُ الفكرة عليهما بأن يتم تأسيس ذلك البرنامج في جامعة النجاح، وبتعاونٍ مشتركٍ ما بين الجامعات الثلاث. وقد لاقت تلك الفكرة استحساناً كبيراً، تمَ تدعيمها من خلال مناقشات رسائل الماجستير التي كانت تتم في الجامعات الثلاث، ويكون الممتحنون الخارجيون لرسائل الماجستير في العادة من الجامعتين الأخريين.
وبينما زادت وتيرة اللقاءات ووضع الأسس الأولى لهذا المشروع العلمي الأكاديمي الكبير، حصل تصعيد خطيرٌ جداً من جانب زعيم الحرب الصهيوني (شارون)، اجتاح على أثرهِ جميع مدن الضفة الغربية وقطاع غزة، وبالذات مدينة نابلس، حيث احتلها لعدة شهور، فرض خلالها منع التجول لفتراتٍ طويلةٍ، مع السماح للناس بالتجول لخمس ساعات فقط  كل اسبوعٍ مرة، مما أثر سلبياً على التدريس في الجامعات. وحتى عندما تم التخفيف من تلك الإجراءات فيما بعد، أصبح التنقل بين المدن صعباً للغاية فتجمدت فكرة برنامج الدكتوراة نتيجة لكل ذلك.
ومن الأمور الأخرى التي تمّ استحداثها في الكلية، إدخال موضوع الندوة العلمية أو السمينارSeminar، كفقرةٍ مهمةٍ من فقرات نشاط كل عضو هيئة تدريس في الكلية، مع تحديد ساعتين فراغ أسبوعياً في الجدول التدريسي بحيث يكون في الأسبوع الأول اجتماع القسم الأكاديمي، وفي الأسبوع الثاني عقد ندوة، تدور حول موضوع تخصصي يختاره الزميل أو الزميلة، مع عمل جدول لهذا النشاط طيلة العام الجامعي.
 وفي بداية ذلك النشاط العلمي، قُمتُ بدعوة رئيس الجامعة ونائبه ومساعديه وعمداء الكليات، لحضور الندوة الأولى التي دارت حول قضايا الطلبة ذوي الاحتياجات الخاصة، أعقبتها مناقشة مثمرة للغاية،  شارك فيها الحضور بتوجيه استفسارات عديدة للمحاضر بما فيهم المسؤولين، كما تم خلالها تبادل الآراء والأفكار حتى من جانب الأساتذة غير التربويين، ما أعطى انطباعاً إيجابياً لدى الحضور وبخاصة رئيس الجامعة، الذي أثنى على تلك الخطوة، مطالباً بقية العمداء بالاقتداء بها لتنمية أعضاء هيئة التدريس مهنياً، أعقبها بإرسال خطاب شكرٍ لعميد كلية التربية على هذا النشاط الأكاديمي المرغوب فيه.
ومن الأمور الجديدة الأخرى التي تم استحداثها، إصدار نشرة إعلامية تحت عنوان (التربوي)، والتي كانت تصدر مرة واحدة في كل شهر عن كلية التربية، ويتم فيها توثيق الأنشطة التي قام بها أعضاء هيئة التدريس في الكلية من محاضرات عامة لخدمة المجتمع، أو عقد ندوات داخل الجامعة أو خارجها، أو حضور موتمرات وطنية أو إقليمية أو دولية، أو إجراء بحوث ميدانية أو نشرها، أو إصدار مؤلفات جامعية متخصصة، أو تقديم استشارات معينة لمؤسسات حكومية أو خاصة، أو الاشتراك في لجان مناقشات رسائل الماجستير في جامعة النجاح او الجامعات الأخرى. هذا بالإضافة إلى كتابة مقالات قصيرة تعالج بعض المشكلات التربوية في المدارس أو المعاهد أو الجامعات. ومن أجل توثيق هذه الأمور أولاً بأول، فقد صممتُ نموذجاً يوزع كل أسبوعين على أعضاء عيئة التدريس لتسجيل أنشطتهم في المحاور السابقة، على أن يقوموا بتسليمها إلى سكرتارية الكلية، تمهيداً لطباعتها في العدد القادم من تلك النشرة الإعلامية، والتي كانت توزع على كليات الجامعة بأسرها، ولاقت استحساناً من الكثيرين وفي مقدمتهم إدارة الجامعة.
 وخلال إدارتي لكلية التربية أيضاً، طلب رؤساء البلديات في كثيرٍ من المناطق الفلسطينية من الجامعات المختلفة، التصدي لظواهر اجتماعية ونفسية خطيرة برزت خلال انتفاضة الأقصى، كان من أهمها ظاهرة خوف الأطفال الصغار من قصف الدبابات وأزيز الطائرات الحربية الصهيونية ورفضهم الذهاب إلى المدارس والرغبة في البقاء مع أمهاتهم. وقد حول رئيس الجامعة ذلك الخطاب لي كعميد لكلية التربية، حيث طرحته على مجلس الكلية، وأبلغت الجميع في تعميمٍ رسمي بأن النية تتجه لعمل فريقٍ بحثي أو أكثر من أجل دراسة آثار الأعمال العسكرية لجيش الاحتلال، على الجوانب التربوية والحياتية المختلفة خلال انتفاضة الأقصى. كما تم وضع الإعلان في اللوحات الخاصة بطلبة الدراسات العليا. وقد استطعت تشكيل فريق بحثي برئاستي مع اثنين من خريجي الدراسات العليا، وأنجزنا خلال ثلاث سنوات متتابعة أحد عشر بحثاً تمّ نشرها في مجلات عربية مرموقة.
وباختصارٍ شديد، فإن عميد أي كلية، يستطيع أن يقدم الكثير من الإنجازات لخدمة الطلبة وأعضاء هيئة التدريس والجامعة التي يعمل فيها، كي يعتبر عميداً فاعلاً وناجحاً، حتى لو تقلد ذلك المنصب في أحلك الظروف وأصعبها، لأن مثل هذه الظروف هي التي تدفعه إلى الإبداع في عمله أكثر وأكثر، لأن الحاجة كما يقولون هي دائماً أم الاختراع والإبداع.  

التعليق