علاء الدين أبو زينة

ضبط "التقارير الطبية"..!

تم نشره في الخميس 19 تشرين الأول / أكتوبر 2017. 12:07 صباحاً

حينما تعاني المنظومة الأخلاقية للمجتمع من خلل وظيفي، يصبح كل شيء موضوعاً للشك. إنك لا تعود تثق في تشخيص فني التمديدات الصحية لخلل في منزلك، وتشك في أنه بالغ في تقدير الضرر حتى يأخذ منك أكثر. وسوف تشك في الطبيب الذي يشخص حالتك، لكثرة ما سمعنا عن أطباء يُجرون عمليات جراحية غير ضرورية لأجل الربح. لكنّ هناك نوعاً من الغش الموجه إلى العملية القضائية وبنيان العدالة نفسه، والذي يستغل الثغرات القائمة في هيكل الإجراءات ليُلحق الظلم بفئة من المواطنين: "التقارير الطبية القضائية".
من الاستخدامات السلبية الشائعة للتقارير الطبية القضائية، أن يدّعي محتال أنك صدمته بسيارتك مثلاً، ويهددك بأن يستخرج تقريراً طبياً يدينك به. بل يستطيع أي شخص أن يبتليك إذا كانت في ساقه كدمة أو في قدمه رض –أو ربما بمجرد ادعاء الألم والصراخ في عيادة طبيب. ويستطيع البعض، بدفع الكيد والانتقام، الوصول إلى شخص صاحب ضمير للبيع في مكان يصدر مثل هذه التقارير. وإلى أن يثبت غير ما ادعى به، يكون المشتكى عليه قد مثُل أمام المحكمة، وربما اضطر إلى الاستنجاد بالجاهات والوجاهات، ودفع للمستشفيات ومصاريف العطوات والأتاوات مقابل تنازل المشتكي في المحكمة. ولذلك يختصر المعظم ذلك الألم بالرضوخ للابتزاز، ودفع المطلوب فداء واتقاء للمتاعب.
وثمة تحايل آخر على العدالة، هو ما يسمى "شكوى مقابل شكوى"، حيث يعمد المعتدي المشتكى عليه إلى استخراج تقرير طبي يفيد بأنه مصاب بأضرار، ويقدم شكوى ضد المشتكي بناءً عليه. وبعد ذلك، يضطر صاحب الحق إلى إسقاط شكواه مقابل إسقاط المعتدي شكواه المفتعلة. ويعرف الزعران والمحتالون مداخل هذه العملية ومخارجها. بل إن أصحاب المشاكل المحترفين لا يجدون غضاضة في إيذاء أنفسهم بآلة حادة، أو حتى بصناعة سحجات على الجسم بقطعة عملة معدنية. وبذلك، يمكنهم الاعتداء على الآخرين بحصانة، على أساس التقارير الطبية المزورة.
لذلك، حسناً فعلت وزارة العدل والجهات ذات العلاقة حين اعتمدت مؤخراً نموذجاً موحداً للتقارير الطبية القضائية، ونظمت طريقة استصدارها وبياناتها والأشخاص الذين يجب أن يوقعوا عليها، ووضعت نصوصاً قانونية تعاقب الشخص الذي يصدر تقريراً طبياً غير صحيح وبسوء نية. ومع ذلك، يستطيع ضبط التقارير الطبية القضائية بالطريقة الجديدة أن يحلَّ مسألة الحصول على تقرير مزور، لكنه لا يستطيع أن يحلَّ مسألة الحصول على تقرير بعد إيذاء النفس، أو استغلال إصابة ناجمة عن سبب آخر في قضية مختلفة.
ذات مرة، عرفتُ عن مشاجرة استغل فيها أحد الأطراف -وهو يمارس لعب كرة القدم- رضوضاً وكدمات خفيفة في قدمه ليدعي على الطرف الآخر بالدهس والهرب. وقد حصل على تقرير بالإصابة، واستمرت القضية أشهراً دفع فيها المشتكى عليه الكثير من المال وتكلف الكثير من العناء، ليصدر في النهاية حكم له بالبراءة.
وفي قضية أخرى، استصدر المشتكي تقريراً من مستشفى خاص بوساطة قريب، وأقام على أساسه قضيته وابتز الكثير من المال. ولدى أخذه إلى طبيب محايد بعد عدة أشهر للحصول على تقرير نهائي للمحكمة، استغرب الطبيب محتويات التقرير الأول. لكن المحكمة كانت قد اعتمدت التقرير المبالغ فيه على الأقل طوال فترة المحاكمة. ولم يكن للطبيب الشرعي في المحكمة أي دور في التأكيد على محتوى التقرير، واقتصر دوره على توقيع التقرير النهائي فقط، دون إجراء أي فحوص. ويفترض المرء وجوب صدور التقرير النهائي عن جهة طبية شرعية محلفة تعتمدها المحكمة، وعدم الاعتماد على تقرير يُمكن تدبيره بالمال أو الواسطة من جهة طبية خاصة أو عامة.
لا شك في أن ضبط التقارير الطبية القضائية واشتراط أكثر من توقيع وختم لاعتمادها، هو خطوة في الاتجاه الصحيح. لكن الخبرة تقول إن الكثير من الناس لم يعودوا يرتدعون بالقانون، والدليل كثرة المخالفات في كل مجال ومن كل نوع. كما أن الالتفاف على القانون ليس مستحيلاً في نهاية المطاف، إذا اجتمع صَغار النفوس مع إغراء المال. ولذلك، يجب تحكيم المنطق والتحرر قليلاً من حرفية القانون، بحيث يتم التأكد من أي تقارير طبية قضائية تتعارض نصاً مع السياقات والحسابات العقلية. وفي النهاية، يبقى الضمير الاجتماعي والتكوين الأخلاقي هما الضمان الوحيد لتحقيق العدالة.

التعليق