روسيا والحرب اللبنانية التالية: كيف يمكن أن تستفيد موسكو من صراع بين إسرائيل وحزب الله؟

تم نشره في الأربعاء 18 تشرين الأول / أكتوبر 2017. 11:00 مـساءً
  • دبابات إسرائيلية قرب الحدود اللبنانية - (أرشيفية)

ديمتري أدامسكي – (فورين أفيرز) 6/10/2017

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

بينما استعادت القوات الموالية للحكومة السورية السيطرة على أجزاء كبيرة من سورية، شرع المخططون الإسرائيليون في التركيز من جديد على احتمال نشوب حرب أخرى مع حزب الله، مجموعة الميليشيا الشيعية المتشددة، والحليف الرئيسي للرئيس السوري بشار الأسد. وكانت الحرب الأخيرة التي جرت بين إسرائيل وحزب الله في العام 2006 قد جلبت أكثر من عَقد من الهدوء على حدود إسرائيل الشمالية. ولكن، على مدى السنوات العشر التي مضت منذ ذلك الحين، زاد حزب الله بشكل كبير حجم وتطوير ترسانته من الأسلحة، وحسَّن موقفه السياسي في داخل لبنان. ويمكن أن تندلع حرب أخرى بين الطرفين لعدد من الأسباب: إذا ما أنتج فهم خاطئ من جانب حزب الله أو إسرائيل تصعيداً غير مقصود؛ وإذا قرر أحد الطرفين استغلال لحظة متصوَّرة من ضعف الطرف الآخر للهجوم؛ أو إذا عبر سلوك أحد الفريقين الخطوط الحمراء للآخر.
لا يشك الاستراتيجيون الإسرائيليون في احتمال نشوب حرب مع حزب الله. لكنهم يتساءلون عن الكيفية التي يمكن أن تستجيب بها روسيا -رفيق السلاح مع إيران وحزب الله في سورية- لمثل هذا الصراع. وقد كثفت إسرائيل في الفترة الأخيرة هجماتها ضد حزب الله في لبنان وسورية، لكنها تمكنت حتى الآن من الحفاظ على حالة من عدم التصادم الدقيق مع الكرملين، غالباً من خلال توسلات شخصية للرئيس الروسي فلاديمير بوتين.
لكن هذا النمط ربما لا يصمد في الحرب القادمة. وإذا ما سار قتال شرس ينشب بين إسرائيل وحزب الله ضد مصالح روسيا، فإن موسكو ستكون في وضع جيد للحد من حرية تحرك كلا الطرفين والمساعدة في حل الصراع. وربما يستغل الكرملين مثل هذه الحرب لتحسين موقفه ونفوذه في الشرق الأوسط.
تفضيلات موسكو
مع ميل الوضع إلى الاستقرار في سورية، تعمّق التنافس بين روسيا وإيران على النفوذ هناك. ويريد الكرملين الاحتفاظ بأصوله في ظل أي ترتيب سياسي في المستقبل، حتى لو تم استبدال الأسد كزعيم لسورية، أو إذا تم تقسيم البلد وتحويله إلى الفيدرالية. وتسعى إيران بالمثل إلى تعزيز نفوذها في منطقة شرق المتوسط وفق شروطها الخاصة. ويسعى البلدان إلى الاحتفاظ بموطئ قدم عسكري دائم في سورية، والتمتع بنفوذ جيوسياسي في المنطقة، لكن الأراضي التي استعادها الأسد لا تستطيع أن تستضيف راعيين مختلفين.
الآن، تصبح الطموحات الإيرانية مشكلة بالنسبة لروسيا. ويود الكرملين وضع حد لطموحات إيران إلى الهيمنة الإقليمية من دون توتير العلاقات مع هذا البلد الذي يشكل أكبر حليف إقليمي له. وتفضل روسيا أن لا يكون وجود إيران وحزب الله في سورية  قوياً جداً ولا ضعيفاً جداً.
ربما يخدم تصميم إسرائيل على استخدام القوة هذا الهدف. فإذا اندلع صراع بين إسرائيل وحزب الله، ربما تترك موسكو حزب الله وإيران ينزفان من أجل إضعاف مواقفهما الإقليمية. لكنها يمكن أن تسعى أيضاً إلى منع إسرائيل من تحقيق انتصار كامل، بما أنها ما تزال تحتاج حزب الله كلاعب استراتيجي في المنطقة، ولأن قيامها بذلك يمكن أن يُظهر لإسرائيل محدوديات قوتها. وعن طريق التدخل لحل الصراع واستعادة الوضع الذي كان سائداً قبل الحرب، تستطيع روسيا إضفاء الصلاحية على فكرة أنها تعادل -أو تتجاوز- مكانة الولايات المتحدة كقوة في الشرق الأوسط.
وهكذا، ستكون أفضل نتيجة للكرملين هي نشوب حرب قصيرة مقتصرة على لبنان، والتي تتراجع وتسمح لكل من إسرائيل وحزب الله بادعاء النصر بعد أن تكون قد أتاحت لموسكو التوسط وإنهاء القتال. أما أسوأ حاصل فسيكون تفكك لبنان –وهو تطور سيحول البلد إلى صندوق عجائب جهادي أشبه بعراق ما بعد صدام- وانتشار القتال إلى مرتفعات الجولان السورية، وهو ما قد يهدد منجزات موسكو في إطار تهدئة سورية ويمكن أن يزعزع استقرار المنطقة.
سوف يكون انتصار حزب الله الكامل أو القضاء عليه نهائياً غير مرغوبين بنفس المقدار بالنسبة لموسكو: الأول لأن ذلك يمكن أن يشجع المجموعة إلى الحد الذي يجعلها تتجاهل موسكو؛ والثاني لأنه سيجعل روسيا تبدو كحليف غير موثوق لا يمكن الاعتماد عليه. ووفق أي نتيجة، ربما تحاول موسكو "تجميد" الصراع –وهو إجراء مارسته في المناطق ما بعد السوفياتية، مثل أبخازيا، والدونباس، وناغورنو كاراباخ، وأوسيتيا، وترانسنيستريا. وسوف يتطلب تحقيق ذلك إبقاء التوترات بين الأطراف عالية بما يكفي لإدامة احتمالات وساطة موسكو وتدخلها، وإنما ليست عالية جداً بحيث تفضي إلى قيام حرب مطوَّلة. ومن شأن الحفاظ على قدر من الاستقرار الهش في لبنان أن يزيد اعتماد جميع الأطراف على روسيا، والإبقاء على ضرورة موسكو باعتبارها قوة لا يمكن الاستغناء عنها. وبذلك يمكن أن يخلق الصراع بين إسرائيل وحزب الله فرصة لروسيا، طالما ظل باستطاعتها منع حدوث تصعيدات يمكن أن تأتي بنتائج عكسية.
لحظات الحد الأقصى من الخطر
سوف تتميز الحرب المقبلة بين إسرائيل وحزب الله بنظريات الانتصار الجديدة التي تبناها الجانبان منذ صراعهما الأخير. ومن غير المرجح أن يقصُر حزب الله نفسه على إطلاق الصواريخ ضد المدنيين الإسرائيلين كما فعل في الماضي. وسوف يسعى غالباً إلى تدمير آلة الحرب الإسرائيلية. ويمكن للتحسينات في دقة ومدى صواريخ حزب الله، وأعدادها المتنامية، أن تسمح للحزب بضرب أهداف تشغيلية هامة، مثل قواعد سلاح الجو الإسرائيلي، ومرافق جمع المعلومات الاستخبارية، أو حتى الحشودات العسكرية. كما يتوقع المخططون العسكريون الإسرائيليون أيضاً أن تقوم وحدات نخبوية صغيرة من حزب الله بإجراء مناورات معقدة ومتطورة داخل الأراضي الإسرائيلية، وربما احتلال بعض المستوطنات الحدودية.
في المقابل، من غير المرجح أن تشن إسرائيل عملية أخرى مما تدعى "عمليات الردع" –خيارها الافتراضي في الصراعات التي شهدها العقد الماضي، والتي سعت فيها بشكل أساسي إلى إيقاع ضرر محدود بأعدائها من أجل إحباط قدوم جولات مستقبلية من العنف. ويمكن أن تسعى بدلاً من ذلك إلى ما يسميه المخططون الإسرائيليون "قرار ميدان المعركة"، أو تحقيق انتصار لا يقبل الجدل في أرض المعركة من خلال صنع صورة الانتصار. ولن تسعى إسرائيل إلى القضاء على حزب الله، لكنها ربما تقترب من ذلك.
يمكن أن يهدد صراع قائم على أساس هذه العقائد الجديدة مصالح روسيا. وسيكون أصعب السيناريوهات بالنسبة لموسكو إذا ألحقت إسرائيل قدراً من الدمار بحزب الله أكثر مما يحتاج الكرملين، ثم سعت بعد ذلك إلى المزيد من مطاردة المجموعة، بهدف تحقيق انتصار حاسم. ويمكن أن يؤدي دفع حزب الله إلى حافة الدمار إلى إضعاف إيران، راعية حزب الله وحليف روسيا الرئيسي في المنطقة، وربما تضغط موسكو على إسرائيل لكي تتراجع. لكن حماس حزب الله الممكن للتصعيد يمكن أن يكون غير مرغوب بنفس المقدار. وقد يستدرج رداً انتقاماً من إسرائيل في سورية وإيران، مما يزيد من إشعال الشرق الأوسط من دون إفادة موسكو.
سوف يعتمد مدى سعي روسيا إلى كبح جماح إسرائيل وحزب الله على حالة الحرب السورية. فكلما زادت حاجة موسكو إلى حزب الله لمحاربة القوات المتبقية المناهضة للأسد، كلما عملت على حماية المجموعة من الهجمات الإسرائيلية. وكلما زاد أمان النظام الموالي للكرملين في سورية، وكلما أصبح موقف موسكو أكثر استقراراً هناك، كلما أصبح حيز إسرائيل للمناورة أوسع.
التصعيد من أجل التهدئة
إذا لم تتمكن موسكو من التوسط للتوصل إلى نهاية سياسية للصراع، فإنها ربما تحاول إجبار كلا الطرفين على إنهاء القتال. وانطلاقاً من الرغبة في توليد أقصى قدر ممكن من المنافع مع الحد الأدنى من الاحتكاك، يمكن أن تنفذ موسكو عمليات سيبرانية محدودة ضد أهداف مدنية في إسرائيل، مثل الموانئ أو مصافي النفط. وسوف تبدو مثل هذه الهجمات أقل تصعيدية وسيكون تنفيذها أسهل من شن هجوم ضد البنية التحتية العسكرية، ويمكن أن تنسبها روسيا إلى إيران أو حزب الله للاستفادة من الإنكار المعقول لتجنب مواجهة مباشرة مع إسرائيل. ويمكن أن ترسل موسكو إشارة بعد ذلك بأنه ما لم تقم إسرائيل بتخفيف هجومها على حزب الله، فإنها يمكن أن تضرب "زراً أحمراً" آخر –وهو ضعف رقمي مزروع مسبقاً في البنية التحتية الإسرائيلية الحاسمة، والجاهز ليتم استغلاله وقت الحاجة. وأخيراً، ومن أجل تقويض تماسك الجمهور الإسرائيلي، يمكن أن تنشر روسيا معلومات مضللة أو أن تكشف عن أسرار حقيقية من أجل تفجير فضيحة عامة.
في الأثناء، وفي ميدان المعركة، يمكن أن تحاول روسيا جعل المخططين الإسرائيليين يعتقدون أن هناك جنوداً روساً يتمركزون بالقرب من حزب الله، بحيث يمكن أن يشكل توجيه ضربة لأحدهما خطراً على كليهما. وفي حال فشل ذلك، تستطيع موسكو التهديد بنشر فقاعات مكافحة الوصول/ منع دخول المنطقة، لمنع القوات الإسرائيلية من ضرب أهداف حزب الله في سورية ولبنان. وفي المستوى التالي من التصعيد، يمكن أن تقوم بتخريب دقة الضربات الإسرائيلية إلكترونياً، أو تعطيل أو إسقاط الطائرات المسيّرة الإسرائيلية. وإذا أصرت إسرائيل على عدم الاستجابة، يمكن أن تشن موسكو عمليات تخريب سيبرانية ضد بطاريات نظام الدفاع الصاروخي الإسرائيلي، "القبة الحديدية"، وأن تتدخل في صفارات الإنذار الجوية أو أنظمة الإنذار المبكر في وسائل الإعلام الاجتماعية، وأن تُقرن هذه الخطوات بحملة إعلامية عن هشاشة الدفاع المدني الإسرائيلي.
لكن من المرجح أن تكون روسيا براغماتية: ربما تسعى إلى الضغط على حزب الله أيضاً، وليس فقط من خلال إيران وسورية، وإنما بشكل مباشر أيضاً. فبعد سنتين من القتال جنباً إلى جنب مع مجموعة الميليشيا في سورية، أصبحت موسكو على دراية وثيقة بأنظمتها للقيادة والسيطرة وهندسة اتصالاتها والتكنولوجيات التي تدعمها. ويمكن أن تسعى روسيا إلى تقويض هذه الهياكل إلكترونياً في حال قطعت ضربات صواريخ حزب الله شوطاً أبعد من المطلوب. وهنا أيضاً، يمكن أن تغطي روسيا على هجماتها السيبرانية من أجل إخفاء مسؤوليتها. وفي الوقت نفسه، يمكن أن تسعى روسيا إلى إقناع حزب الله مباشرة، بافتراض أن المنظمة التي أنهكتها الحرب السورية، سوف تكون مستجيبة لمطالبها.
عناق الدبّ
سوف تكون روسيا متورطة في الحرب العربية-الإسرائيلية التالية أكثر من أي وقت مضى. وما تزال غريزة إسرائيل هي التوجه إلى الولايات المتحدة خلال الأزمات. ومع ذلك، فإن الخلل الوظيفي الذي يميز الإدارة الأميركية الحالية، وصلات الكرملين الإقليمية، يمكن أن تجعل موسكو، التي أسست إسرائيل معها مسبقاً تبادلات عسكرية وسياسية، طرفاً أكثر صلة وأهمية في عيون الإسرائيليين.
إذا حدث وأن طلبت إسرائيل المساعدة الروسية للتعامل مع الأعمال العدائية، فإن ذلك سيكون أول لفتة من نوعها منذ العام 1967، عندما توجهت إسرائيل إلى الاتحاد السوفياتي الذي كان في ذلك الحين قوة عظمى، في محاولة لمنع نشوب حرب الأيام الستة. وسوف يعني مثل هذا الالتماس أن بوتين تمكن، بعد نحو سنتين من تدخل روسيا في سورية، من استعادة مكانة موسكو في الشرق الأوسط تماماً، والتي فقدتها أول الأمر قبل نحو خمسة عقود. وهكذا، إذا ما اندلعت الحرب بين إسرائيل وحزب الله، فإن روسيا ربما تكون كاسباً أكيداً.

*نشر هذا المقال تحت عنوان:
 Russia and the Next Lebanon War: How Moscow Could Benefit From A Conflict Between Israel and Hezbollah

ala.zeineh@alghad.jo

التعليق