هل يلتقيان بالحوار؟

تم نشره في الخميس 19 تشرين الأول / أكتوبر 2017. 11:08 مـساءً

أحدهما عقل يشبه الحفرة، والآخر عقل يشبه الشجرة. الأول قديم والثاني جديد. والأول مظلم والثاني منير. الأول يستقطب الرياح فتملؤه بالنفايات فيفسد. والثاني يستقطب النحلات والفراشات فيزهر ويثمر.
الأول هامد، والثاني متحرك. إنهما عقلان يصعب أن يلتقيا أو يجتمعا مهما تناقشا وتحاورا. ومع هذا فإن من الخطأ عدم الدخول في نقاش أو حوار مع هذا العقل، فلعله بالإصرار عليه يمكن كسر القانون الذي يقول: إن الخطين المتوازيين لا يلتقيان مهما امتدا، فيلتقيان.
يعاني أصحاب هذا العقل / الحفرة مما يمكن اعتباره خمسة من الأمراض (العقلية) وهي:
•تأكيد الانحياز، ويعني الاستشهاد بالدليل الذي يؤيد وجهة نظر صاحبه لا الحقيقة.
•المحاججة العاطفية، وتعني حشو النقاش بالانفعال والعاطفة والصراخ تأييداً لوجهة النظر واستبعاداً للأسباب أو للعوامل التي تثبت عدم صحتها.
•أثر التكرار ويعني اللجوء إلى تكرار النصوص والمقولات أو العبارات نفسها لتصدقها العامة بالتكرار، وإن كانت أو مهما كانت خاطئة، فعندما تثبت لصاحب هذا العقل بالأدلة من التاريخ والشواهد القاطعة من الواقع أن العَلْمانية لا تعني فصل الدين عن الدولة أو عن الحياة كما يدّعون لأن هذا الفصل مستحيل من جهة، وغير مطلوب  من جهة ثانية، وأنها تعني – فقط - فصل السياسة عن الدين والدين عن السياسة، يردون عليك من حفرتهم بالإنكار أو العكس، مع أنهم يرون بعيونهم كيف أدخلت العَلْمانية في الغرب الإسلامَ وغيره من الأديان الوافدة في الدول والحياة.
•فقدان الذاكرة، أي انك عندما تسأل صاحب هذا العقل / الحفرة عن مصدر أو مصادر معلوماته فإنه ينساه أو ينساها أو يتناساهما. أي أنه يتذكر المعلومة وينسى أو يتناسى مصدرها.
•التفكير الترانزيتي: وهو مصطلح وضعته للذين ينقلون المعلومة دون أن يفكروا بمدى صحتها أو معقوليتها أو مصداقية قائلها فتصبح إشاعة لا أساس لها من الصحة ولا أحد يعرف مصدرها كما في حالة فقدان الذاكرة السابقة.
•الرد الناري، وهو في حالتنا التكفير أو الاتهام بالردة الذي يلجأ إليه صاحب هذا العقل / الحفرة عندما يفشل في إثبات الحقيقة، أو في استخدام الدليل العلمي أو المنطقي للدفاع عن وجهة نظره عندما تواجهه بحقائق مضادة لما تعلمه في الصغر أو تأدلج به في المدرسة أو الجامعة أو الحزب أو الحركة. إنه لا يقتنع بل يزداد تعصباً.
ومن ذلك كذلك أنك عندما تريهم الفيديو الذي أنتجته داعش وهي تحرق الناس وتقطع الرؤوس أو تتاجر بالسبايا فإنهم يردون عليك فوراً : هذا كذب. هذا مفبرك من أعداء الأمة لتشويه السمعة. لا يمكن أن تقوم داعش بذلك لأنها ملتزمة بالشريعة.
مفروض أننا تعلمنا في المدرسة والجامعة أو فهمنا من التعلّم فيهما أن المنهج العلمي الرصين هو أحد أعظم الاختراعات البشرية، وربما الأعظم، لأنه جعل الإنسان يفهم الطبيعة والنفس والمجتمع، ويصل إلى الحقيقة (المؤقتة) وبخاصة لاحتوائه في ذاته على آلية للتخلص من التحيُّز من جهة، وتصحيح الخطأ من جهة أخرى. إنه يمتاز بالانفتاح على المراجعة من الأقران حتى للنظريات الثابتة والمستقرة. وهو كذلك ديمقراطي لأن الجميع يشاركون في النتائج ويستطيع كل قادر نقد النظريات بحرية تامة.
وعليه يفرق المفكرون والفلاسفة والعلماء بين العلم من جهة، والدين والأيدولوجيا من جهة أخرى، لأنه لا يمكن (كالعلم) إثبات صحة أي دين أو آيدولوجيا بمحكمة محايدة أو في المختبر لأنهما معتقدات لا معلومات ومعارف، وأن كل من يخلط بينهما لا يعرف الحقيقة ولا يحترمها.
إن الطريق إلى العقل الثاني طويل، فقد احتاجت أوروبا مئات السنين إلى إغلاق الحفرة للوصول إليه وتنصيبه على القمة. ونحن الآن-  فكرياً – إجمالاً – في قاع العقل الأول وإن كنا لا ندرك ذلك لمجاراتنا أو لتفوقنا في الاستهلاك عليها، وإن كنا بهذا الاستهلاك عبيداً مرتين: مرة للسلعة أو للخدمة، وثانية للذين اخترعوها وأنتجوها.
الحل: بالتربية والتعليم بدءاً من الحضانة والروضة وحتى نهاية التعليم العالي المنفتحين على الحرية، والعقلانية، والتفكير الناقد، والفلسفة، والمنطق، والمنهج العلمي، وأن التأخر يعني مواصلة التكفير والتدمير.

التعليق