منازل آيلة للسقوط.. و”الأونروا” ترفض مطالبهم بالالتحاق بركب مخيمات الأردن

‘‘جبل النصر‘‘: أسر تصارع الفقر والجوع والمرض - فيديو

تم نشره في السبت 21 تشرين الأول / أكتوبر 2017. 11:00 مـساءً - آخر تعديل في الأحد 22 تشرين الأول / أكتوبر 2017. 09:57 صباحاً
  • الطفلة سما تعاني من شلل دماغي وحركي وصعوبة في النطق-(تصوير: محمد مغايضة)
  • طفلة فقيرة تلهو أمام بيت منزلها المهترئ بجبل النصر -(تصوير: أمجد الطويل)
  • طفل يدرس على البلاط في أحد بيوت جبل النصر بعمان
  • مطبخ قديم في أحد بيوت جبل النصر بعمان-(تصوير: أمجد الطويل)
  • الطفل محمد القاطن بجبل النصر ويعاني من ضعف بالتركيز وصعوبات بالتعلم-(تصوير: محمد مغايضة)
  • جدران آيلة للسقوط وغرف مهترئة من داخل أحد بيوت مخيم النصر-(تصوير: محمد مغايضة)

حنان الكسواني

عمان- في كل زقة من زقاق مخيم وجبل النصر، تختبئ صور حقيقية لفقر مدقع أرهق جيوب أسر شتى في شرق عمان، ما تزال تحلم بوعود حكومية وبرلمانية تحسّن من مستوى معيشي يليق بكرامتها الإنسانية.
وتتبعثر هذه الصور على جدران منازل آيلة للسقوط، تتكئ على “درج الحرية” الموصول بحي الجامع الذي يقع في حي الأمير الحسن، أو ما يسمى “مخيم النصر”، الذي يعج بأجيال تصر على حل معضلة أزلية منذ نكسة فلسطين العام 1967 بـ”الاعتراف بالمخيم رسميا كمخيم للاجئين الفلسطينيين”.
غير أن وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) ما تزال تتجاهل مطلب إلحاقه بركب المخيمات الـ13 في الأردن، فيما تقتصر الخدمات التي تشمل نحو 18 ألف مواطن بالمخيم، على دائرة شؤون اللاجئين الفلسطينيين.
وتتلقى أغلب الأسر العفيفة بمنطقة النصر ومخيمها معونات نقدية وعينية “متواضعة”، سواء من جهات وطنية أو خيرية، لكنها تعجز عن انتشالهم من براثن فقر مدقع وإنقاذ حياة الأبناء من أمراض مزمنة تنهش أجسامهم، بانتظار تسكين أوجاعهم، وتوفير تعليم بجودة عالية وترميم منازل آيلة للسقوط.
وعود حكومية ونيابية “وهمية”
نفايات متراكمة، شبكات صرف صحي تغرق أغلب شوارع المنطقة التي تنخر فيها حفر تلتهم من اقترب منها، ومدارس مستأجرة قديمة تستقبل في كل صف 60 طالبا، وسط نقص في أعداد المعلمين، وغياب مركز صحي شامل لخدمة ما يزيد على 350 ألف مواطن، ما يزال مطلب إنشائه مهملا في أدراج الحكومات المتعاقبة ووعود نيابية “وهمية”.
وحتى المتنفس الوحيد لسكانها، المتمثل بحديقة عامة، لم تدخل صيانتها كأولويات لدى أمانة عمان الكبرى التي “ترفض تحسين المنطقة تنمويا بحجة عدم توفر مخصصات مالية”، وفق تصريح نائب رئيس لجنة فلسطين النيابية عمر قراقيش لـ”الغد”.
وأقر قراقيش بأن “الحكومة مقصرة بحق مناطق الفقر في عمان الشرقية، في حين تظل حلول مشاكل تنموية بشرية واجتماعية واقتصادية تخص جبل النصر وتجمع حي الأمير الحسن، شبه مستحيلة”.
ورغم ذلك، يظل الإصرار الشعبي قائما، على الحفاظ على هوية المخيم، للاستفادة من خدمات صحية وتعليمية تقدمها “الأونروا” حتى وإن كانت ضعيفة، وفق الناشط الحقوقي في المخيم ممدوح عطية.
غير أن قراقيش أكد “صعوبة تحقيق هذا المطلب الشعبي على أرض الواقع “ كون التجمع “فقد حقه في خدمات “الأونروا”، وسط توجهات حقيقية لتقليص خدماتها”.
وبناء على ذلك، طالب قراقيش “الشؤون الفلسطينية” برفع المخصصات المالية المخصصة لصالح خدمات المخيم، والتي تصل ميزانيتها السنوية إلى 50 ألف دينار، يذهب منها 36 ألفا كرواتب موظفين، وما تبقى يذهب لإقامة احتفالات رسمية ومناسبات اجتماعية وليست خدماتية.
قبو مظلم تشعله ابتسامة “معاقة”
داخل غرفة مظلمة تعشش الرطوبة على جدرانها المتصدعة في مخيم النصر، تعيش الطفلة سما ذات السبعة أعوام وحيدة، بعد أن هجرها والدها منذ نعومة أظفارها قبل أن يعرف أن ابنته تعاني من شلل دماغي وحركي وصعوبة في النطق.
وثمة بضع أوان وغاز صغير وثلاجة قديمة فارغة من أي طعام يسد جوع سما اليومي وأمها، في زاوية الغرفة، بجانب سرير صدئ تعتليه حرامات بالية، هذا كل ما تملكه والدة سما التي كرست حياتها لطفلتها المريضة، لتطوير قدراتها الحركية والعقلية بشكل ذاتي.
تقول والدة سما بحرقة شديدة لـ”الغد”: “ما في مصاري حتى أعالجها، بدها علاج طبيعي، وأسنانها مكسرة ومسوسة، وتحتاج إلى متابعة في عيادة أطفال أعصاب، وتعاني من شحنات كهربائية زائدة، لكنها ذكية وتفهم كلماتنا وأحاسيسنا”.
ولا يتجاوز دخل هذه الأسرة التي لا تحمل رقما وطنيا سوى 90 دينارا شهريا، وما تزال تحلم بمنزل لائق ومدفأة وأغطية تقيها من البرد القارس الذي يداهمهم كل شتاء.
ووسط غرق “النصر” بتحدياته التنموية والاجتماعية، نجحت جمعية “يعرب التنموية الخيرية”، بإطلاق مبادرة شبابية لإنقاذ أطفال المخيم من “تبعات حالات تفكك أسري وشح اقتصادي قد يزج بهم إلى طرق الانحراف”، وفق نائب رئيس الجمعية ثائر الحلحولي.
وبعيدا عن أي تيارات سياسية، أضاءت “يعرب” رغم ضعف تمويلها درب 14 مشروعا تنمويا بشريا للارتقاء بـ150 طفلا يقدم لهم الإرشاد السلوكي والدعم النفسي ليتحولوا الى “حراس الوطن مجندين في خدمته”، بحسب الحلحولي.
وإذا كانت الطفلة سما تبحث عن متابعة صحية لحالتها، فإن الطفل محمد (11 عاما) ما يزال بحاجة إلى دعم لتحسين مستوى تعليمه، بعد أن أقر تقرير رسمي صادر عن وزارة الصحة “ينصح بإلحاقه بمدرسة تحتوي على غرفة مصادر، كونه من بطيئي التعلم ويعاني من ضعف في التركيز”.
غير أن غرفة المصادر في مدرسة خاصة تفوق قدرات أسرة أم محمد، في ظل غياب معيلها الوحيد الذي “لم يخصص لها نفقة شهرية تقيها من سؤال الناس المقتدرين ماليا”، حسب قولها لـ”الغد”.
وتراكمت على أم محمد فواتير كهرباء بما قيمته 70 دينارا، عجزت عن دفعها، بانتظار من يضيء حياة طفليها، مطالبة الجهات الرسمية والخيرية بـ”شمولها بمعونة وطنية شهرية تسندها في هذه الحياة القاسية”.
وتقدم لجنة خدمات مخيم النصر رواتب شهرية لـ1400 أسرة، براتب شهري قدره 300 دينار، بعد إجراء دراسة اجتماعية دقيقة لكل أسرة، وفق قراقيش الذي طالب صندوق المعونة الوطنية برفع المعونة الشهرية وتوسيع الشرائح المنتفعة، لتشمل أيضا أبناء الأردنيات المتزوجات من غير أردنيين.
ويرى الخبير الاقتصادي أحمد عوض أن “اتساع رقعة الفقر المحيطة بالعاصمة، ازدادت بسبب استخدام الحكومة سياسات اقتصادية تم تطبيقها خلال العقدين المنصرمين، منها محور السياسة التقشفية، ما أدى إلى تنامي الفقراء، والضغط على الخدمات العامة والحماية الاجتماعية، وامتد الضغط إلى مستويات الأجور التي لم ترتفع بمقدار ارتفاع المستوى المعيشي”.
وأضاف “أدت جميع السياسات الاقتصادية “المتخبطة” إلى ظهور فئة جديدة من الفقراء، وهم العمال بجانب الفئات الفقيرة المصنفة في تقارير الفقر الوطنية، بانتظار إجراء دراسات أو مسوحات جديدة، لقياس معدلات الفقراء بالأردن”.
ويتفق مدير مركز الفينيق للدراسات الاقتصادية والمعلوماتية، عوض، برأيه، مع قراقيش، من حيث “توجيه الدعم التنموي نحو المحافظات وتجاهل المناطق العمانية”.
يشار الى أن الحكومة الحالية تعهدت مؤخرا بتقليص مستويات الفقر والبطالة، باعتباره من “أهم أولوياتها”، وسط  مديونية ارتفعت لنحو 28 مليار دينار.
ورغم هذه الوعود الرسمية بالقضاء على معدلات الفقر، باعتباره أحد التحديات التنموية، غير أن الجهات المختصة الرسمية ما تزال تخفي معدل الفقر الحقيقي، إذ إن النسبة المعلنة منذ العام 2010 البالغة 14.4% هي المتداولة حتى اليوم عند الحديث عن مشكلة الفقر في البلاد، فيما تقدر النسبة الحقيقية بحوالي 22%.
حادث يغرق عائلة “نصراوية” بالفقر
تغلف أغلب حارات جبل النصر التابع للواء ماركا، نفايات متراكمة يعجز عمال الوطن في “الأمانة” عن تنظيفها، بينما تغرق مياه الصرف الصحي الشوارع لتصل إلى بيوت مهجورة تحولت إلى مكاره صحية قد تؤدي إلى كارثة بيئية.
يستذكر الخمسيني أبو فهمي، حياته قبل أعوام مضت، عندما كان يعمل في طلاء منازل عمانية براتب شهري، حسب قوله لـ”الغد”، وكان يوفر الحد الأدنى لاحتياجات أسرته القاطنة في جبل النصر، بدون أن “يكل أو يتعب”، إلى أن تعرض إلى حادث سقوط أقعده.
ويضيف: “لم يحطم حادث سقوطي من عمارة جسدي فقط، بل دمر حياتي وأسرتي معي”.
ومنذ أن تهشمت يدا أبو فهمي (اسم مستعار)، بدأت عائلته تغرق في الفقر وتنتظر من ينتشل ابنته ليمار ذات السبعة شهور من تشوه خلقي في قلبها، وتعالج حاليا في مستشفى البشير الحكومي، بينما علاجها وتطوير قدراتها من مرض “متلازمة داون” بات شبه معدوم.
وأقعد المرض المعيل الوحيد للأسرة، لأن نسبة عجزه “لا تؤهله للعمل”، لكن صبر زوجته التي تعاني من أمراض مزمنة وديسك ثلاثي في ظهرها، بدأ ينفد منها رويدا رويدا، كلما رأت أولادها الصغار ينامون جياعا، تغزو أجسادهم أمراض تنفسية جراء رطوبة منزلهم المستأجر بـ50 دينارا شهريا، ومياه الصرف الصحي التي تنساب إلى غرفتين معتمتين في تسوية تحت الأرض.
وأثر مرض الوالدين على تعليم ابنتها الكبرى فيحاء (اسم مستعار) عندما كثر غيابها، لتحملها مسؤولية إخوتها الصغار، فكان ثمن ذلك “أن تعيد عام سنة دراسية كاملة بقرار من إدارة مدرستها الحكومية”.
ولم تكترث المدرسة بظروف شابة لا تتجاوز 16 عاما، تلهث وراء العلم، ومختبئة وراء ستار الفقر والحرمان من أدنى متطلبات الحياة الكريمة، لكنها تطمح للتخرج بأسرع وقت لتشق طريقها الجامعي وتساعد إخوتها الصغار في احتياجاتهم المادية ورفع مستواهم الاجتماعي.
“كلنا نغرق بالنوم في غرفة صغيرة بجانب بعضنا البعض حتى نستدفئ بما تيسر من أغطية”، حسب قول فيحاء لـ”الغد”.
وإذا كانت عائلة فيحاء تنعم بوجود والدها وإن أقعده المرض، فإن أسرة فرح ذات الـ19 ربيعا، هي إحدى ضحايا تفكك أسري، دفعها لترك دراستها، لمساعدة والدتها في تربية أشقائها الثمانية.
ولم تتلق هذه الأسرة أي مساعدات مالية، من أي جهة رسمية أو خيرية، بسبب “زواج والدتها من رجل يحمل جنسية عربية بالكاد يزورهم أو يرسل لهم مصروفهم الشهري”، حسب قول فرح لــ”الغد”.
وتراكمت الديون على هذه الأسرة العفيفة، بسبب إيجار شهري متراكم لمنزل جدرانه آيلة للسقوط، وفواتير كهرباء تزيد على 250 دينارا، وأطفال بعمر الورود يحلمون أن يرتادوا روضة يتعلمون فيها أبجديات الكتابة والقراءة.
عموما، تختلف صور الفقر والعوز بين أسرة وأخرى في منطقة النصر، لكن ما يجمع أغلب سكانها هو الشعور بالقهر والحرمان واليأس من تحسين وضعهم المعيشي، جراء سياسات حكومية ما تزال تعاملهم بإهمال شديد، ولا تحاول أن تجد حلولا جذرية للتحديات التي يواجهونها على مدار اليوم.

التعليق