سيادة القانون أم رفع الدعم؟

تم نشره في الاثنين 23 تشرين الأول / أكتوبر 2017. 12:00 صباحاً

مثنى غرايبة

الدراسة الأخيرة للمجلس الاقتصادي الاجتماعي شكّلت أول سابقة رسمية بالاعتراف بأن برامج صندوق النقد الدولي لم تكن فعلياً برامج "إصلاح اقتصادي" بقدر ما ساهمت في تعقيد المشكلة وتثبيط النمو الاقتصادي، لذا أصبح من الضروري التفكير بشكل مختلف يسمح لنا بتحفيز الاقتصاد للوصول لنمو في الناتج المحلّي الإجمالي كافٍ لمواجهة التحديّات الكبيرة أمامنا وهي بشكل أساسي البطالة وعجز الموازنة.
أدرك تماماً أن الخروج من الالتزامات مع صندوق النقد الدولي ليست بتلك البساطة، ولكن هناك إجراءات ممكنة تمكننا من تخفيف عجز الموازنة من دون تكرار ما يحصل منذ سنوات، حيث تُعاقِب كل الإجراءات الملتزمين وتتراخى مع غير الملتزمين بل وتكافئهم.
تقول الحكومة إنها مضطرة لتحصيل 550 مليون دينار سنوياً لتخفيض عجز الموازنة في السنوات الثلاث القادمة، هذه الـ550 مليونا ليست بحاجة سوى لسيادة القانون حتى يتم تحصيلها دون إثقال المواطنين بضرائب جديدة. اليوم هناك حسب التصريحات المتعددة لوزارة العمل أكثر من 600 ألف عامل أجنبي بدون تصريح، ومع تقديرنا لدورهم ومساهمتهم في بناء الأردن، الأصل أن يكون كل من يعمل في الأردن تحت القانون. إذا حسبنا رسوم تصاريح العمل السنوية للعمال غير المرخصين بمعدل 400 دينار للعامل وإن استطعنا القيام بحملة ترخيص لهم جميعاً خلال فترة زمنية محددة وإعفاءهم من الغرامات عن السنوات السابقة سنكون قادرين على جمع 240 مليون دينار دون رفع الضريبة على المواطنين وهذا المبلغ يتجاوز الدعم المخصص للمواد الغذائية وقيمته 180 مليونا في الموازنة للعام 2017، فبدلاً من رفع الدعم والدخول في تعقيدات إيصال الدعم لمستحقيه، من الأولى أن يسود القانون على الجميع ويكون كل من يعمل في الأردن مستحقاً للدعم من خلال الرسوم التي يدفعها.
تفاجأ الأردنيون في الأسابيع الماضية بكشف قضية سرقة الكهرباء الكبرى في منطقة الحلابات، ولكن المفاجىء أكثر أننا ولسنوات ندفع ما يقارب الـ140 مليون دينار سنويا لسارقي الكهرباء من جيوب الأردنيين الملتزمين بالدفع. من الجيد أننا بدأنا نكتشف السرقات ونضبطها أكثر فأكثر ولكن لنا أن نتخيل كم ساهمت هذه السرقات والبطء في ضبطها في تضخّم الدين العام والفوائد المترتبة عليه، خصوصاً في غياب خطة واضحة ذات مدى زمني محدد لخفض الفاقد غير الفني (السرقة) الذي ندفع ثمنه جميعاً. ألم يحن الوقت لتكون هذه الخطة ذات أولوية الآن؟
من ناحية أخرى بلغ استهلاك المملكة من التبغ في العام 2015 ما يقارب 719 مليون باكيت بلغت قيمتها 143,1 مليار دينار، وفق دراسة التي قامت بها مجموعة "المرشدون العرب" وقد بلغت العوائد الضريبية من قطاع التبغ لعام 2015 حوالي 815 مليون دينار وأشارت الدراسة أن كمية التبغ المهرب من إجمالي الاستهلاك خلال العام 2015 بلغت حوالي 51 مليون باكيت بقيمة 110 ملايين دينار، مما يعني أننا خسرنا ما يقارب الـ78 مليونا من الضرائب بسبب الدخان المهرب الذي نكاد نجده في أغلب الدكاكين في الأردن (هذا دون حسبان زيادة الاستهلاك التي تقدر بـ25 % منذ العام 2015). هذه الخسارة ليست فقط خسارة لخزينة الدولة ولكنها أيضاً خسارة في فرص العمل في الشركات التي تصنع السجائر في الأردن وتدفع الضرائب. فما المانع من خطة وطنية لوقف التهريب بدون تهاون مع من يسرقون 78 مليون دينار من ميزانيتنا العامة.
ما ذكرته مجرّد أمثلة توضح أنه بعدم التهاون في سيادة القانون وبتحسين فعالية الأجهزة المعنية يمكن توفير ما يقارب الـ450 مليون دينار نخسرها اليوم بسبب عجزنا عن تطبيق القانون على أرض المملكة، ومن واجبنا تحصيلها ليس فقط لالتزامنا مع صندوق النقد الدولي، ولكن لأن من واجبنا أن نوّرث أردناً منتجاً مستداماً معتمداً على ذاته لأبنائنا لا أردنّاً مثقلا بالديون.
لذلك قبل فرض أي ضرائب جديدة أو إلغاء للإعفاءات أو الدعم، يجب وقف النزيف وتحصيل المستحقات المفروضة عبر القوانين السارية حاليا والتي نخسرها سنويا. وبالتوازي علينا التفكير في الأثر السلبي الذي تركته الإجراءات الحكومية السابقة، فبينما نبحث عن زيادة الدخل للموازنة للتقليل من العجز نلاحظ أن الإيرادات الضريبية من الدخل والأرباح انخفضت بنسبة 4.3 % أو ما مقداره 35.8 مليون دينار في أول 8 أشهر من العام الحالي، مقارنة بنفس الفترة من العام الماضي مما يعني أن الطريقة التي تم فيها أخذ القرارات تحتاج لمراجعة شاملة، ومن المفيد اتباع توصيات منتدى الاستراتيجيات الأردني الذي أنتج عدة أوراق للسياسات مؤخرا تستحق أن تؤخذ بعين الاعتبار من قبل الحكومة لتحفيز الاقتصاد بدلاً من تكرار الأخطاء التي أوصلتنا إلى هنا.

التعليق