ماجد توبة

التواصل الاجتماعي وإسرائيل!

تم نشره في الاثنين 30 تشرين الأول / أكتوبر 2017. 12:04 صباحاً - آخر تعديل في الاثنين 30 تشرين الأول / أكتوبر 2017. 02:51 مـساءً

كان لافتا ما أعلنه وزير الإعلام الناطق الرسمي باسم الحكومة الدكتور محمد المومني، خلال لقائه أول من أمس بناشطين على مواقع التواصل الاجتماعي، من أن "الحكومة رصدت ضمن التعليقات المسيئة للوحدة الوطنية على شبكات التواصل الاجتماعي عملا مؤسسيا من خارج البلاد يأتي من دولة واحدة"، وذلك في معرض حديثه عن مشروع تعديل قانون الجرائم الإلكترونية، والذي قال إن الهدف منه هو "التصدي للإساءات البالغة وتحديدا تلك التي تمس الوحدة الوطنية".
الوزير المومني لم يسمّ الدولة المقصودة باستهداف الأردن، إلا أن التفكير من سياق الحديث يذهب إلى أنها إسرائيل، وهو أمر غير مستبعد طبعا، فهذا الكيان لا تحتاج مواقفه العدائية تجاه الأردن إلى كبير عناء لرصدها وتعداد الشواهد عليها. وقد يكون من المستغرب أن يمر الوزير المومني بهذا الاقتضاب والدبلوماسية على مثل هذا الاتهام دون توضيح ووضع للأمور في نصابها الصحيح، ما يستدعي من الحكومة عدم تسطيح مثل هذه القضية، ووضع الرأي العام بصورة ما تمتلكه من معلومات وشواهد، للتصدّي له وطنيا.
طبعا، يأتي هذا الحديث الذي ساقه وزير الإعلام بلقائه، ضمن سياق النقاش الوطني الساخن حول مشروع تعديل قانون الجرائم الإلكترونية، والتوجه لتوسيع مساحة التجريم في قضايا النشر الإلكتروني وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، وتشديد العقوبات فيها. وأعتقد أنه يجب الفصل بين النقاش في قضية اتهام دولة خارجية، على الأغلب هي إسرائيل، باستهداف الوحدة الوطنية الأردنية وإذكاء الفتنة وشرورها ضمن عمل منظم ومؤسسي عدائي، وبين النقاش الداخلي حول قضية النشر والتعبير عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وما يرافقها من تجاوزات ومخالفات تثير جدلا واسعا بين النخب والأوساط الشعبية على حد سواء.
التصدي لخطر الاستهداف الخارجي على هذا الصعيد له مسار آخر كما يفترض، وبعيدا عن مسار النقاش الوطني حول مدى صواب أو ضرورة تقييد حرية التعبير والنشر عبر مواقع التواصل الاجتماعي، فإن كنت ستجد إجماعا وطنيا واضحا على المسار الأول، فإن المسار الثاني، الذي تروج له الحكومة وتدافع عنه سيبقى خلافيا، بل ومثار تحفظات واسعة من الأوساط الشعبية والحقوقية والإعلامية الأردنية، خصوصا أن تجارب هذه الأوساط الطويلة مع الحكومات في هذا السياق كانت بأغلبها مريرة، حيث استندت حكومات سابقة إلى تجاوزات ومخالفات إعلامية وصحفية هنا أو هناك، لتقييد الحريات الإعلامية والعامة، واستهداف الصحافة الجادة والمعارضة السياسية الملتزمة.
نقر أنّ ثمة فوضى وتجاوزات ومخالفات وتشهيرا وبثا للكراهية يسجل هنا وهناك، فيما يتم تداوله عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وقد لا تكون هذه المشكلة والظاهرة أردنية فقط، فهي باتت عالمية تعاني منها معظم الدول والمجتمعات اليوم مع انفتاح الفضاء الإلكتروني والمعلوماتي على مصراعيه، مع التقدم التقني والثورة المعلوماتية الكاسحة.
إلا أن هذه التجاوزات والانزلاق إلى خطابات الكراهية والتشهير قضية أكبر بكثير من محاولات لجمها وتحجيمها بتقييد حرية التعبير، والتضييق بسيف القانون على كل صاحب رأي ومعارض سياسي، فمثل هذه المهمة تحتاج، إضافة الى القوانين، إلى عمليات إصلاح وطني حقيقية، وتوسيع لباب المشاركة السياسية والعامة ضمن أطر قانونية ومدنية. 
ثم إن القوانين المعمول بها حاليا تعالج إلى حد كبير جرائم الكراهية والتشهير والحضّ على العنف، لكن التوسع ببعض التعديلات والتعريفات القانونية، بحسب ما يتسرب، هو ما يقلق، ويأخذ بتلك التعديلات إلى مساحات أوسع تطال حرية التعبير والرأي والنقد المباح والسلمي.

التعليق