مدارس أم عاصمة جديدة؟

تم نشره في الأربعاء 1 تشرين الثاني / نوفمبر 2017. 01:00 صباحاً

مثنى غرايبة

عانى الأردنيون من فشل الحكومات المتعاقبة في إدارة ملف التعليم، مع أن تاريخهم لا يخلو من قصص عن مدارس بناها الأهالي بأنفسهم في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي وخصوصاً في القرى، وكيف فتحوا منازلهم واحتضنوا المعلمين فيها لإيمانهم بأهميّة التعليم لبناء بلدهم ومستقبل أبنائهم. اليوم لدينا تحدّ عظيم أمام تعليم أبنائنا ونحتاج لنفكر معاً كيف نتجاوزه، دون إعفاء الحكومة من مسؤولياتها.
أعلن الدكتور عمر الرزّاز وزير التربية والتعليم أكثر من مرة عن ضرورة بناء 600 مدرسة في السنوات العشر القادمة لنتمكن من استيعاب النمو في عدد الطلاب الطبيعي منه أو الناتج عن اللجوء، طبعاً نفترض أن هذا الرقم تم التوصل إليه بدراسة موسعة آخذة بالحسبان دمج بعض المدارس شبه الفارغة حالياً وتوفير المواصلات بينها. الكلفة المتوقعة لهذه المدارس تقارب الـ4 مليارات دينار، أي أننا نحتاج إلى 400 مليون دينار سنويا بينما تراوح النفقات الرأسمالية المخصصة لهذا البند في ميزانية الوزارة بالعادة حول ال32 مليون دينار سنوياً. وإن كان الوزير قد أعلن مؤخراً عن توجه الحكومة لزيادة النفقات الرأسمالية المخصصة لبناء المدارس، ولكنه أكّد أن ذلك لا يكفي لتنفيذ المشروع، فليس من الممكن اليوم زيادة ميزانية وزارة التربية أكثر من 50% مرة واحدة، فما العمل؟
تحدّي بناء المدارس هو فرصة عظيمة لتنشيط قطاعات الإنشاءات، مما يمكن أن يؤدي لخلق فرص عمل كثيرة، ولاستيعاب أعداد المهندسين المتزايدة العاطلة عن العمل من خريجي الجامعات الجدد (11 ألف خريج جديد سنوياً) أو من العائدين من الخليج. تبلغ مساهمة قطاع الإنشاءات 5 % تقريباً من الناتج المحلّي الإجمالي أي ما يقارب الـ1,4 مليار دينار سنويا أي أن توفير الـ400 مليون دينار سنويا في العشر سنوات القادمة لبناء المدارس سنويا سيؤدي لنمو قطاع الإنشاءات بما يقارب الـ28 %، مما سيسمح بخلق فرص عمل كثيرة مباشرة وغير مباشرة، مع ضرورة ضبط ترخيص العمالة الوافدة بالطبع، وسيساهم في نمو الناتج المحلي الإجمالي المتراجع بشكل مستمر في السنوات الماضية، وهذا الإنفاق يعد متوافقاً مع توصيات منتدى الاستراتيجيات الأردني باتباع سياسة مالية مواجهة للدورة الاقتصادية لتحفيز الاقتصاد والتي تعتبر من الممارسات الفضلى عالمياً.
إن اتفقنا أن بناء هذه المدارس ضرورة للعملية التعليمية من جهة، وله أثر اقتصادي جيد على الأردن من جهة أخرى فكيف نستطيع توفير التمويل اللازم لبناء هذه المدارس؟
حسب مؤسسة مودي العالمية تتجاوز ودائع الأردنيين في البنوك 120 % من الناتج المحلي الإجمالي، وتعتبر رابع أعلى نسبة في الدول العربية. الأردنيون يفضّلون تجميد أموالهم في البنوك على استثمارها في مشاريع فيها مخاطرة، لأسباب عديدة أهمها عدم ثبات التشريعات في الأردن مما يجعل أي نشاط استثماري يخضع للكثير من التردد. هذا ما جعل الودائع في البنوك تصل لأكثر من 32 مليار دينار، يمكن إن تم تحريك جزء منها أن يستفيد الجميع من ذلك.
في هذا السياق، أي استثمار يمكن أن يكون أكثر أماناً من بناء عقارات مستأجِرُها جاهز وملتزم باستئجارها لأكثر من عشر سنوات وهو العمر المفترض لاستعادة رأس المال في قطاع العقارات؟ فما المانع من إنشاء صندوق استثماري هدفه إنشاء هذه المدارس على نظام التأجير التمويلي، يحفّز هذا الصندوق المواطنين على استثمار أموالهم عبر سندات لعدد محدد من السنوات بنسبة ربح محددة تحسب عند بناء النموذج الاستثماري لهذا الصندوق بشكل علمي. بذلك يتم تحقيق العديد من الأهداف في نفس الوقت؛ حيث نغطي حاجة الطلاب من المدارس وهم الطرف الأكثر تضررا من البنية التحتية المتهالكة حالياً، ونخلق فرص في عمل قطاع الانشاءات، ونحفّز الاقتصاد عندما نزيد الإنفاق الرأسمالي بما يقارب الـ30 % عما هو عليه الآن. ربما لن نستطيع أن نجمع كامل المبلغ نتيجة الثقة المتزعزة بأغلب ما تعلن عنه الحكومة، ولكن علينا أن نتذكر أن كل ما نطلبه هو تحويل أقل من 1,2 % من ودائع البنوك سنوياً إلى سندات خزينة أرباحها مضمونة.
أعتقد أن لبناء المدارس أولوية على بناء عاصمة إدارية جديدة ونحن على وشك أن ننتقل للاعتماد الكلي على الحكومة الإلكترونية، بينما ما يزال الطلاب في المدارس الحكومية يعانون من غياب أبسط متطلبات البنية التحتية للعملية التعليمية.

التعليق