تقرير اقتصادي

الإعلان الشعبي في سقف السيل.. احترافي ومجاني

تم نشره في الأحد 5 تشرين الثاني / نوفمبر 2017. 12:00 صباحاً
  • إعلانات في منطقة وسط البلد -(الغد)

أحمد أبو خليل

عمان- هنا أيضاً، في شوارع وسط عمان، يحتاج الباعة إلى الإعلان والترويج لبضائعهم، ولكنهم، كما في باقي شؤونهم، يقومون بتصميم إعلانهم وفق طريقتهم الخاصة، كما يقومون أحياناً بإعادة إنتاج الإعلان "الرسمي" بلغتهم الخاصة وبما يتناسب مع متطلبات زبائنهم، تماماً كما تقتضي شروط العمل الإعلاني النموذجي. إنهم يقومون بذلك بذكاء ودراية بشؤون التسويق في ظروف محددة، وهذا جزء من حرفة المعلن على العموم.
المعلنون هنا في غاية المرونة، وهم يبدّلون أساليبهم بحسب الحالة وبحسب السلعة، وفي ظل التنافس الشديد بين بضائع متشابهة، فإن على البائع أن يتقن طريقه إلى قلب الزبون، وذلك كخطوة أولى قبل الوصول إلى جيبه، تماماً كما هي حال التسويق في كل مكان، مع الانتباه إلى أننا هنا بصدد مبالغ بسيطة؛ فـ"أبو النص بخمسة وأربعين"، كما يصيح بائع مُعلناً أن سعره يقل بمقدار خمسة قروش عن سعر جاره. وقد يكون الإغراء أشد، كما في حالة من ينادي: "أبو الليرة بنص"، ولكن عليك أن لا تدقق في مصداقية النداء.
هناك إذن مستويات من التنافس، ولكن جميع باعة الشوراع يتفقون في بعض الحالات على نداء مشترك يقول: "نَصْرَة للشَّعب وكَسْرَة للتجار"؛ وقد يستفزون شجاعة الزبائن بإعلانهم أن "أي غرض بنص" ويتبعون ذلك بقولهم: "قرّب، وقلّب، نص ليرة ما بتهرّب"، وتتنوع النداءات التي توجه لأبي العيال، وهناك دائماً من يدعوك بصوت عال قائلاً: "خذ فِكْرهْ واشترِ بُكْرهْ". وكما تلاحظون، هناك حرص على موسيقى المادة الإعلانية المبثوثة.
ندفع عنك الضريبة 
جرت العادة عند المعلنين الرسميين أن يعرضوا أسعارهم في إعلاناتهم بإبراز السعر بخط كبير، ثم يضيفون في أدنى الإعلان وبخط صغير لا يكاد يرى، عبارة: "إن السعر لا يشمل ضريبة المبيعات"، أو عبارة "تضاف ضريبة المبيعات". وهم بذلك يريدون جلب الزبون تحت تأثير الرقم الذي يظنونه قليلاً، ويتركون الرقم الحقيقي الذي يشمل الضريبة إلى لحظة البيع والشراء، وسيجدون الطريقة لتبرير موقفهم عندما يسألهم الزبون عن سبب الفرق بين ما هو معلن وما هو حقيقي.
لكن هذا الأسلوب لا يعد مناسباً في عالم الإعلان الشعبي في وسط البلد في عمان، فأنت هنا إذا أعلنت سعراً ثم عدلته فيما بعد، فإن هذا قد يدخل في باب الخديعة، وحينها سيغضب الزبون.. "ليس لأجل المصاري، ولكن كرهاً بالخداع".
هنا في إعلانات وسط البلد، تتم الإشارة قصداً إلى أن السعر نهائي ويشمل الضريبة، وأحياناً يقولونها بتهكم، وذلك في محاولة لإشعار الزبون بأن البائع يتحمل الضريبة عن المشتري، على عكس التجار الرسمين الذين يأخذون منك ضريبة!!
ببرايز للي عايز
الإعلان هنا مسموع، وقد يقوم به صاحب البضاعة الذي ينادي على بضائعه مباشرة، ولكنه في حالات أخرى يكون عن طريق جهاز تسجيل، يبث الإعلان المسجل، وخاصة فيما يتعلق بالسلع ذات السعر الموحد؛ "أي غرض بدينار" أو "بنصف دينار" أو "ببريزة"، ولكن الإعلان مصمم بطريقة تشعر المتسوق وكأن البث حيّ ومباشر على الهواء؛ فالصوت يقول بين فترة وأخرى "تفضل يا أستاذ، تفضلي يا مَدام، تفضلي يا أختي تفضلي يا صبية تفضل يا شب"، وفي أغلب الأحيان يكون هناك بين الجمهور، أستاذ أو مَدام أو أخت... أو جميعهم معاً.
يعتمد المعلنون هنا على الإلحاح والتكرار، ولما انتشرت ظاهرة تسويق السلع موحدة السعر (بريزة، ربع، نصف دينار، دينار)، فإن ذلك يمكن من تصميم إعلان مكثف واضح. بل إن محلات كثيرة اعتمدت كاسم تجاري لها عبارات مثل: "كل شي" بنصف او بدينار أو بدينارين، وهو ما يعني الوضوح والسهولة. غير أن المحلات ذات البضائع متنوعة السعر تعتمد تسجيلات صوتية تكرر عبارات مثل: "كل شي بدينار وأكثر" أو "بدينارين وأكثر"، وتبدو كلمة "واكثر" هنا مشتتة للتركيز.
لكن أطرف أشكال الإعلان المسموع، هو الذي يقوم به أصحاب المحلات البعيدة عن الشارع العام، أي تلك التي تقع في إحدى الدخلات أو الأزقة أو في الطوابق العلوية، فهنا يجري تكليف شاب بالمناداة من موقع قريب يقع على الشارع داعياً الناس إلى الدخول، ويمضي المنادي يومه في التجول جيئة وذهاباً لمسافة بضعة أمتار وهو يدعو الزبائن لشراء بضائع بعيدة نسبياً عن مكان وقوفه، ولكن صاحب المحل إذا لم يرَ أن موظفه لشؤون الإعلان ناجح في جلب الزبائن، فإنه قد يحضر إلى المكان، ودائماً هناك بعض الانتقادات التي يوجهها، وقد ينادي بنفسه بصوت عال، ثم يضيف: "هكذا تكون المناداة".
لمن يعز المدام 
المزادات تجري على مدار الساعة في بسطات تسمى "البسطات الطيارة"، حيث يجري فيها التبسيط بشكل مؤقت لبيع سلع معينة، وغالباً ما تكون أدوات منزلية أو ملابس مغلّفة جيداً، ويبدأ المزاد بتفصيل محتوى البسطة، والبدء بمبلغ بسيط للغاية رغم كثرة البضائع المعروضة.. "جينز، طقم ستاتي للمدام.. للّي بِعِزّ المدام، 1، 2، 3، 4، 5... كُلّه على خمس ليرات"، ثم يُقْسِم ما يلزم من أَيْمان بأنه سيبيع بعد المناداة لآخر سعر يدفع مهما بلغ، دون أن ينسى أن يدخل بعض التمويه في اليمين خوفاً من الحلال والحرام عند عدم الوفاء، وهناك في العادة "واحد من جماعته" بين الجمهور، يعرض أرقاماً على سبيل تحفيز المتفرجين، ثم يتبين بعد قليل أن ما عرض من أسعار غير مناسب، فيفشل المزاد، وبالطبع فإن من عرض السعر الأعلى لا يحتج، وفي هذه الحالة فإن البائع لا يحتاج إلا للانتظار قليلاً لكي يبدأ مزاداً جديداً على البضاعة ذاتها.
دعابة إعلانية
ولأن الكلام عن سوق بأجواء شعبية، فإن الإعلان هنا يتميز بالكثير من الدعابة التي قد تطغى على مقتضيات التنافس في كثير من الأحيان، وقد تكون الأولوية للدعابة على البيع أحياناً، وهو ما لا يتحقق في باقي الأسواق.
ففي سوق الخضار مثلاً قد ينخرط باعة صنف واحد، في جوقة إعلانية مشتركة مُغَنّاة بلحن منسق وذي دلالة، وخاصة إذا مر في السوق متسوقون ومتسوقات يشحذون هممهم نحو المزيد من الإبداع الإعلاني، ويبدو الباعة في هذه الحالة وكأنهم يجيبون بعضهم بعضا. ولا يمانع أحدهم من أن يكرر الآخرون نداءه وراءه، بل إن هذا يعتبر دلالة على نجاحه في صياغة إعلانه بدليل أن الزملاء اتّبعوه مقلدين.
في مثل هذه المواقف تبلغ التورية اللغوية أقصاها، ولا يوجد "مستمسك" واضح، لكن الجميع يفهمون ما يجري. ذات نهار وكان الموسم موسم بيع شمام الذي انتشر على العديد من البسطات في السوق، وما هي إلا لحظات حتى انخرط الباعة في جوقة تسويق مشتركة وبلحن أقرب إلى ما يجري في الهتافات: "حَبّة عريضة يا شمام.. حبة عريضة يا شمام"، "اشقر ومْصَرْصَرْ يا شمام.. اشقر ومصرصر يا شمام"، "وين الخيّال يا معلم.. وين الخيال يا معلم".
وهكذا إلى أن ينتهي المشهد ثم يعودون إلى التأسي والمنادة على زبائنهم الحقيقيين الذين لا يحتاجون إلى هذا التوتر.
إعلان مشموم
حاسة أخرى يعتمد عليها المعلنون هي الشم، ففي بعض السلع، يعتبر الأنف هو أداة الاتصال الرئيسية للجذب نحوها، فباعة البخور والعطور مثلاً يكتفون بالجلوس بجانب أكشاكهم أو بسطاتهم معتمدين على رائحة العطور التي تطلق بشكل مقصود أو رائحة البخور حيث يجري إشعال احد أعوادها، ومؤخراً انتشرت أدوات بيع العطور والبخور قادمة من تقاليد دول الخليج. لكن بعض المحلات تمارس دعاية متقدمة كأن تعرض عينات بالمجان من العطور، او تفاجئ المارة برش العطور نحوهم.
والأمر نفسه يتكرر مع روائح المشاوي التي تنطلق من بسطات وعربات الكباب والكفتة، فرائحة الشواء النفاثة هي المكلفة بجذب الزبائن.

التعليق