ترامب بعد عام.. "استراتيجية اللااستراتيجية"

تم نشره في الأربعاء 8 تشرين الثاني / نوفمبر 2017. 01:06 صباحاً



بحلول اليوم يكون عام كامل مر على انتخاب الجمهوري دونالد ترامب رئيساً للولايات المتحدة الأميركية، في فرصة نتتبع خلالها كشعوب منطقة لم تفق من أزماتها، ما انتهجه هذا الرئيس "الجريء" من سياسة خارجية ارتبطت بقضايا الشرق الأوسط، والتي يقف حلها أو تعقيدها على توجهات واشنطن وتأثيرها كفاعل أساسي ورئيس في السياسة الدولية.
المتتبع لسياسات إدارة ترامب، الذي أثار فضولاً حتى عند غير السياسيين، يلحظ بأنها اتبعت استراتيجية لا تقل عن "التمويه" ولا تبتعد كثيراً عن "الغموض"، وهي أقرب إلى ما يسمى في علم السياسة والعلاقات الدولية بـ"استراتيجية اللااستراتيجية".
هذه السياسة نسجت خيوطها عبر تمويه أو تعويم موقف واشنطن السياسي من قضايا المنطقة ضمن مسار مدروس، أو قد يكون متناقضا ظاهرياً، لكنه لا يناقض بالواقع مصالحها بطريقة أو أخرى. واللافت أن هذا الرئيس على عكس من سبقوه اعتمد في تنفيذ سياساته واستراتيجيته هذه على مستشارين لا على أصحاب وزارات سيادية يفترض أنها الفاعلة كالعادة في السياسة الخارجية الأميركية، كالخارجية والدفاع وقادة عسكريين، كانوا أكثر ظهورا في زمن الرؤساء السابقين.
عام رئاسي مر دون أن نستطيع كمتابعين تحديد ملامح السياسة الخارجية الأميركية تجاه قضايا الشرق الأوسط، وعلى رأسها القضية الفلسطينية الأهم والمركزية بالعالم وليس في المنطقة فقط.. فالمراقب يلحظ انقلابا واضحا ما بين سياسية ترامب والرئيس الديمقراطي السابق باراك أوباما، بخصوص قضايا المنطقة، ويخرج بنتيجة واحدة مفادها أن لا استراتيجية واضحة الملامح بشأن ذلك.
وبالتالي أصبح المراقبون، لا يستطيعون، وبسبب تمويه واشنطن أو سياستها التعويمية المتعمدة، التنبؤ بشأن مآلات أي قضية، وأصبحوا يجدون صعوبة بالحكم على السياسة الأميركية أو حتى معرفتها، فتارة نجد ترامب يصعّد شخصيا تجاه الزعيم الكوري الشمالي إلى حد نعتقد فيه أن الحرب ستقرع طبولها غدا، وتارة يعرب عن استعداده الجلوس مع خصمه هذا على ذات طاولة الحوار.
وحتى الأزمة الخليجية التي لم تفك عقدتها بعد، فأي مراقب يصعب عليه التفريق بين مواقف ترامب الشخصية ومواقف إداراته، التي تشعر أحيانا أنها تصطف إلى طرف بينما توقع مع الآخر صفقات سلاح، أي استراتيجية هذه ستفرز لنا غير إدامة الأزمات وتوسيع أطر الانقسام.
أما في سورية والعراق، فحدث ولا حرج، ففي الأولى نستطيع القول إن الولايات المتحدة قد رفعت يدها تماما وانسحبت، أما في الثانية فتارة تدخل بكل قوة لتدمير تنظيم "داعش" الإرهابي، وأخرى تشارك على استحياء، وثالثة تمد الطرفين، الجيش العراقي والتنظيم الإرهابي، بمستشارين وأسلحة سواء كانت بطريقة رسمية أو بطريق "الخطأ".
هذه السياسة الجديدة نوعا ما في سجل الإدارات الأميركية الحديثة بدأت تطرح في أذهان المتابعين أسئلة من قبيل "إلى أين ذاهبة مصائر القضايا المحورية أو المفصلية في الشرق الأوسط؟، ومتى يأتي الحل؟، ومن أي طريق سيأتي؟"، كل ذلك ولم يحدد الطرف القوي عالميا، وهو واشنطن، موقفاً واضحا وحازما.
إن كل ذلك يقود إلى نتيجة واحدة، وهي أن قضايا المنطقة أصبحت معلقة، يتقدم بعضها على بعض في سلم الأولويات، وفق مزاج الإدارة الأميركية الجديدة، فمواقف دول بالمنطقة أصبحت مرتبطة بذلك "المزاج" بشكل كبير وواضح، إذ عندما تركز السياسة "الترامبية" على قضية ما، يميل معها الجميع، وعندما يصبح عدم أولوية بالنسبة لواشنطن يتراجع تركيز دول المنطقة عليها.
السؤال المركزي اليوم إذا ما كانت هذه "اللااستراتيجية" الأميركية تكتيكاً مدروساً يترك الأمور على غاربها، وتكتفي فيه واشنطن بوضع "شرطي المنطقة أو الرقيب" وبما يتفرع عن ذلك من إحداث فراغ ليس من السهل ملؤه، أم توريط لأطراف في أزمات داخلية بينية تعيد تشكيل وجه المنطقة بصورة مختلفة ترسم ملامحها واشنطن من بعيد.
دوليا وعلى نطاق التنافس القطبي، فإن السياسية "الترامبية" الجديدة أعادت إلى الواجهة قضايا، كان يظن البعض بأنها أصبحت من الماضي، وأهمها: الأزمة مع روسيا من منطلق الاستحواذ الاستراتيجي، والأزمة مع كوريا الشمالية على أساس ترسانة التسلح، والخلاف مع ايران.
الولايات المتحدة التي أحدثت تحولا بمنطقة الشرق الأوسط منذ النصف الثاني من القرن الماضي، ها هي الآن تحدث تحولا آخر باتباعها "استراتيجية اللاستراتيجية"، ولكن بطريقة أخرى.
ويبقى السؤال: ما هو دور واشنطن في التطورات المستقبلية؟

التعليق