أي سلام نأمل؟

تم نشره في الجمعة 10 تشرين الثاني / نوفمبر 2017. 01:00 صباحاً

هآرتس

ميرون ربابورت

9/11/2017

قبل ثلاثة أسابيع شاهدت ما يشاهده الجمهور والمواطنون العرب العاديون بشكل دائم. أن تمنح مقابلة لوسائل إعلام الطرف الآخر بلغته الاخرى. محطة التلفزيون الفلسطينية "معا" استضافتني في استوديوهاتها في بيت لحم مع شريكي الفلسطيني من حركة "دولتان ووطن واحد"، عوني المشني. 45 دقيقة كان زمن المقابلة باللغة العبرية، لغة مجرد التحدث بها هو سياسي.
في البداية فاجأني مدير المقابلة، ناصر اللحام، بسؤال لم أتوقعه وهو: لماذا أنت الإسرائيلي من تل ابيب تبحث عن حل حيث أن الوضع جيد بالنسبة لكم أنتم الإسرائيليون. كان يجب علي الارتجال فقلت: أنا شخصيا واخلاقيا لا يمكنني تحمل استمرار الاحتلال، ولكن ما يحرك الكثير من الإسرائيليين هو خوف وجودي عميق، حيث أنه لا توجد ضمانة بأن إسرائيل ستعيش خمسين سنة اخرى.
كانت هذه اجابة ارتجالية، بلغة تعلمتها فقط في السنوات الاخيرة. ولكن بعد بضع اجابات من إسرائيليين شاهدوا هذا المقطع، أدركت أنني لامست موضوعا حساسا. ما الامر، أنت تقول إنه لا توجد ضمانة لأن تبقى إسرائيل خمسين سنة اخرى، كتبوا، إنها قوية أكثر من أي يوم مضى. اذا كنت تعتقد ذلك، فلماذا تقول ذلك؟ العرب سيفهمون من هذا أن إسرائيل ضعيفة وسيتصلبون في مواقفهم. السلام فقط يمكن صنعه من موقف قوة.
في السنوات الاخيرة، نسمع أكثر فأكثر من عدد من الإسرائيليين، من اليمين واليسار، أن إسرائيل أقوى من أي وقت مضى، أيضا متحدثون فلسطينيون وعرب يقولون ذلك، كنوع من الاستسلام. هذه مقولة يصعب معرفة مدى صحتها. هل إسرائيل أقوى مما كانت في 12 حزيران 1967 بعد أن هزمت خلال ستة أيام ثلاثة جيوش نظامية عربية؟ هل هي أقوى مما كانت بعد انتهاء حرب الاستقلال؟ هذا ليس مؤكدا. وعلى أي حال من الواضح أن هذه المقولة تحولت تقريبا إلى أمر متفق عليه.
مع ذلك، إلى جانب الشعور بالعظمة، ما زال يعشش خوف قديم، وليس بالتحديد لدى "المخللات"، حسب اقوال نتنياهو. نتنياهو نفسه، الرجل الذي بدرجة كبيرة هو المسؤول عن توريث الحديث عن العظمة غير المسبوقة لإسرائيل، مسؤول أيضا عن الحديث العكسي. إن نتنياهو هو الذي قال في دورة لتعليم التوراة إنه يأمل بالنجاح في أن يقود إسرائيل إلى المئوية، أي بعد ثلاثين سنة من هذا اليوم. إن نتنياهو هو الذي يحذر إسرائيل والعالم كله من أن ايران تسعى إلى الوصول إلى السلاح النووي لهدف وحيد وهو القضاء على دولة إسرائيل.
نتنياهو الذي يعرف الروح الإسرائيلية أفضل من السياسيين الآخرين، يجسد بنفسه هذه الثنائية الغريبة: من جهة الشعور بالعظمة، ومن جهة اخرى الشعور بالعيش على الكوابح. القوة الكبيرة لإسرائيل من ناحية عسكرية واقتصادية لا تبدد في الحقيقة هذا الخوف، بل ربما حتى تعكسه. ربما يكون ذلك حديث نفسي سطحي، لكنني اعتقد أن فيه ذرة من الحقيقة.
أمام عيون اللاجئين في غزة التي أتعبها الصبر قال موشيه ديان في خطابه المشهور على قبر روعي روتينبرغ في 1956: "نحو نحول إلى ملكيتنا الارض والقرى التي عاش فيها هؤلاء وآباءهم". استنتاج ديان كان بسيطا. العرب يريدون دمنا لأننا قمنا بالاستيطان على ارضهم، لهذا لن يكون أمامنا خيار سوى مواصلة القتال. بعد ستين سنة على ذلك كرر نتنياهو تلك الاقوال. "سنعيش على حد السيف إلى الأبد"، قال أمام لجنة الخارجية والأمن التابعة للكنيست.
موشيه ديان الذي ولد في نهلال، والذي شاهد الفلسطينيون من حوله في طفولته، كان يدرك "الخطأ الأول" هذا، وكان مستعدا لتحمل ثمنه. اغلبية الإسرائيليين الآن أقل ادراكا لذلك، لكن الشعور العميق يقول إنه في مركز الصراع يقف رفض الفلسطينيين والعرب بالاعتراف بصلة اليهود بأرض إسرائيل والوجود اليهودي هنا. فقط أول من أمس في 7/11 فسر موشيه آرنس، الذي كان المستشار السياسي لنتنياهو، في مقال نشره في "هآرتس"، تقريبا بنفس الكلمات، أسباب استمرار الصراع.
هذا الرفض، كما كتب آرنس، الذي مصدره أيضا تصريح بلفور، يقود نتنياهو إلى اقتراح استمرار الصراع كأسلوب حياة. أيضا فكرة الفصل التي تم تبنيها من اغلبية اليسار الإسرائيلي، توافق بالفعل على هذه الرواية، التي تقول إن الفلسطينيين لن يعترفوا في أي يوم بأننا أبناء هذا المكان. ولكننا لا نحتاج إلى موافقتهم. فنحن أقوياء بما يكفي للوجود أيضا بدون هذه الموافقة. لا يوجد ادعاء لحل الصراع، فقط السيطرة على لهب هذا الصراع.
السؤال الذي نطرحه نحن الشركاء الإسرائيليين والفلسطينيين في حركة "دولتان، وطن واحد" هو كيف يمكن التوصل إلى وضع يوافق فيه الفلسطينيون على وجود اليهود في هذه البلاد. ليس بسعادة، لكن يوافقون عليه. كما أنه يجب على اليهود الموافقة على وجود الفلسطينيين في هذه البلاد.
هذا بلا شك هو السؤال المركب والاصعب على الهضم من بين الاسئلة الاخرى المطروحة على الطاولة، وهو سؤال أكثر تعقيدا من رسم الحدود أو من اتخاذ اجراءات امنية. إنه يمس بلب الصراع. ولكن حله يمكن أن يعطي فائدة، لا يمكن لأي وسيلة اخرى تحقيقها. إن الاجابة على هذا السؤال يمكن أن تؤدي أيضا إلى أن وجود التجمع اليهودي هنا سيتحقق بالموافقة، ليس فقط بمساعدة "الخوذة الفولاذية وفوهة المدفع"، كما قال ديان في ذاك الخطاب.
من اجل الوصول إلى هذه النقطة يجب النزول إلى جذور الصراع، والعودة إلى العام 1948، وربما أيضا إلى العام 1917، من اجل ضمان حق اليهود في حياة ذات سيادة وهادئة هنا لن يتم تحقيقها من خلال ظلم أبناء البلاد الفلسطينيين، حيث لا يتم منعهم من الوصول إلى أي جزء من البلاد التي يسمونها فلسطين. كما أنه لن يتم منع وصول اليهود إلى أي جزء من هذه البلاد التي نسميها ارض إسرائيل.
نحن نقترح نموذجا معينا: دولتان سياديتان، إسرائيل وفلسطين، في حدود معترف بها وواضحة، لكنها مفتوحة، مع حرية حركة وحرية سكن (بالتدريج) للجميع، في ظل مؤسسات مشتركة للدولتين. يمكن التفكير أيضا بنماذج اخرى. ولكن الامر الهام هو أن كل اتفاق يجب أن يتضمن اعتراف بالصلة العميقة للشعبين بالبلاد كلها ووجودهما فيها. وإلا فإن كل اتفاق يمكن أن يكون اتفاقا مؤقتا، وقف اطلاق نار بين حربين. ونحن لا نأمل سلام كهذا ومصالحة كهذه. المؤتمر السنوي لـ "دولتان، وطن واحد" سيعقد في 21 من الشهر الحالي في القدس.

التعليق