الهزة التي أحدثها بن سلمان هي أكثر من مجرد تحرك لتعزيز قوته

تم نشره في السبت 11 تشرين الثاني / نوفمبر 2017. 12:00 صباحاً

جين كينينمونت* – (تشاثام هاوس) 6/11/2017

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

جاءت الاعتقالات السريعة التي استهدفت أمراء ووزراء سابقين وشخصيات من أغنى رجال الأعمال في المملكة العربية السعودية، في وقت تكاثفت فيه التوترات الإقليمية؛ ففي اليوم نفسه، استقال رئيس الوزراء اللبناني بينما كان في زيارة إلى الرياض، وتمكن الحوثيون في اليمن من إطلاق صاروخ باليستي وصل أبعد في داخل الأراضي السعودية من أي مرة سابقة. وبذلك، يواجه الأمير محمد بن سلمان مخاطر سياسية من عدة اتجاهات –لكن حملة الاعتقالات المذكورة ربما تخفف المخاطر التي قد يشكلها أي شخص في العائلة المالكة يمكن أن يشكل تحدياً له في المستقبل المنظور.
تأتي هذه الاعتقالات الأخيرة كجزءٍ من إعادة ابتكار محمد بن سلمان للطريقة التي تُحكَم بها المملكة العربية السعودية. وتصور وسائل الإعلام السعودية هذا الحدث على أنه معركة تمس الحاجة إلى خوضها ضد الفساد، في حين تنظر الكثير من وسائل الإعلام الغربية إليها كعملية تطهير سياسية. لكنها على الأرجح مزيج من الأمرين. فهناك غضب شعبي واسع النطاق من الفساد والرعاية والمحسوبية في المملكة. وبإظهار أن بالإمكان إسقاط النافذين والأغنياء بتهمة الفساد، يعالج ولي العهد السعودي قضية تتعلق بالقلق الشعبي، وهو عمل يمكن أن يحظى بالشعبية.
في الوقت نفسه، أبعدت الاعتقالات من كان ذات مرة أميراً منافساً، وعززت سيطرة ولي العهد على الجيش، وأثارت الأسئلة حول مستقبل المنظمات الإعلامية القوية. وبشكل عام، عادة ما تكون جهود مكافحة الفساد انتقائية سياسياً في الدول التي تكون فيها المؤسسات وحكم القانون ضعيفة وخاضعة لأفراد أقوياء.
منذ جاء والده إلى العرش في العام 2015، أطلق الأمير محمد بن سلمان العديد من المشاريع المتزامنة –إصلاح الاقتصاد؛ وتحرير الحياة الاجتماعية؛ وتبني سياسة خارجية جديدة تقوم على المواجهة؛ والأحدث، إصلاح تأويل البلاد للإسلام- في حين أعيدت هيكلة نموذج الحكم القائم على تركيبة "العائلة المالكة-رجال الدين" من أجل مركزة السلطة في يديه. ولم يكن ولي العهد الشاب خائفاً من إقصاء أشخاصٍ مؤيدين تقليدياً، وهو يراهن على كسب دعم دائرة جديدة من الشباب الراغبين في رؤية حدوث تغيير.
حملة الاعتقالات الدرامية لشخصيات رفيعة المستوى، والتي بدأت في نهاية الأسبوع الماضي، تخدم ثلاثة من هذه المشاريع. فعلى صعيد الاقتصاد، يقوم الأمير محمد بن سلمان بخفض الإنفاق الحكومي، ويخطب ود الاستثمار الأجنبي. ويمكن النظر إلى معالجة مسألة الفساد على أنها طريقة لخفض النفقات، بالإضافة إلى كونها إشارة للمستثمرين الأجانب بأن هذا الأمر لن يشكل خطراً بعد الآن على الذين يرغبون في القيام بأعمال تجارية في المملكة.
يجري طرح اعتقال أغنى رجل في المملكة، الأمير وليد بن طلال، وكذلك الأمراء والوزراء الآخرين، باعتباره إشارة إلى أنه ليس هناك أحد فوق القانون –حيث ستكون مكافحة الفساد أكثر مصداقية إذا بدأت في القمة. لكن مكافحة الفساد بطريقة منهجية تتطلب أيضاً تطوير المؤسسات وحكم القانون. وكان الأمير محمد بن سلمان قد أصبح، مباشرة قبل الإعلان عن الاعتقالات، رئيساً للجنة جديدة لمكافحة الفساد، في حين أن رئيس مثل هذه اللجنة عادة ما يكون في العديد من البلدان قاضياً أو بيروقراطياً أكثر من كونه قائداً سياسياً.
يقودنا ذلك إلى الثيمة الثانية: تركيز السلطة في يد الأمير محمد بن سلمان. وفي هذا الصدد، تؤدي إقالة متعب بن عبدالله، رئيس الحرس الوطني السعودي، وطرد رئيس البحرية، إلى إحكام سيطرة ولي العهد على كافة الأجهزة الأمنية. وكان قد أمَّن سابقاً سيطرته على وزارة الداخلية عندما أطاح بمحمد بن نايف، الذي كان في ذلك الحين ولي العهد ووزير الداخلية، في وقت سابق من هذا العام. وكان يُنظر إلى متعب، ابن الملك الراحل عبدالله، على أنه ملك ممكن للمملكة في المستقبل؛ والآن تم اعتقاله هو وشقيقه تركي، بالإضافة إلى حاجب الملك عبدالله السابق في البلاط الملكي.
ضم رجال الأعمال الذين تم اعتقالهم عدداً من الذين كانوا مقربين من أبناء سلطان، وهو ولي عهد سابق آخر، بالإضافة إلى رؤساء ثلاث منظمات إعلامية. ومن هؤلاء صالح عبدالله كامل، رئيس مؤسسة عُكاظ للصحافة، وناشر ومؤسس قناة "إيه. آر. تي" ومجموعة "دلّة البركة"؛ ووليد إبراهيم، رئيس قنوات "أم. بي. سي"؛ والأمير وليد، الذي تضم شركاته شركة "روتانا ميديا".
ثالثاً، يحتاج الأمير محمد بن سلمان إلى إعادة ابتكار العقد الاجتماعي لحقبة ما بعد النفط في السعودية، وإلى العثور على طرق لإضفاء الشرعية على قيادته من خلال تحقيق النجاح التنموي وتعزيز النزعة القومية في بلده، بالإضافة إلى اعتناق نهج يزداد حزماً باطراد. ويشكل موقفه كمكافح للفساد جزءاً من محاولة يبذلها ليروق للجيل الأصغر عمراً من السعوديين، بدلاً من التركيز على الأنصار التقليديين بين أعضاء العائلة المالكة ورجال الدين والتجار. ويدرك الأمير أن المواطنين يرغبون، في وقت يشعرون فيه بالضغط الاقتصادي، في رؤية العائلة المالكة وهي تقوم بخفض إنفقاقها هي أيضاً.
بالإضافة إلى ذلك، يراهن ولي العهد، كما يبدو، على فكرة أن دائرة كبيرة من السعوديين الشباب يريدون أن يروا تغييراً جذرياً في الطريقة التي يُحكَم بها البلد. ويبدو أنه يريد تسخير هذه العاطفة المؤيدة للتغيير وهي تُقاد من أعلى إلى الأسفل على يديه، بدلاً من أن تأتي من الأسفل إلى أعلى، وأن يكون ذلك بقوة الاحتجاجات والناشطين والمتحدِّين الأكثر تطرفاً. وقد جاءت حملة الاعتقالات الأخيرة لهذه الشخصيات الرفيعة، بمن فيهم أبناء ملك كان يُنظر إليه ذات مرة بعين التبجيل، بعد أسبوع واحد فقط من قول الأمير محمد بن سلمان إن نموذج تأويل الإسلام الذي تبنته المملكة على مدى السنوات الثلاثين الماضية كان "غير طبيعي" و"ليس السعودية". ومن المرجح أن يأتي في أعقاب الاعتقالات الكثيرة كشف الكثير من التفاصيل عن الفساد عالي المستوى بين أمراء آل سعود.
يضيف هذا كله إلى عملية انفصال درامية عن الماضي. وهو يشكل محاولة لإحداث انتقال نحو اعتناق نموذج جديد للحكم، بينما يتم الاحتفاظ باستمرارية حكم آل سعود. وهو يمثل نهجاً شعبوياً له نكهة المعاداة للمؤسسة، على الرغم من أنه يأتي من قلب العائلة المالكة نفسها.
بشكل عام، من المرجح أن يعمل التحرك الذي يستهدف الأمراء الكبار إلى تعزيز كل من قاعدة الدعم الشعبي للأمير محمد بن سلمان، ومن ميوله للإمساك بمفاتيح السلطة على حد سواء. وسوف تبقى الأسئلة قائمة حول موقف المعارضة في داخل العائلة المالكة، لكن المرجح أن الأمراء سيكونون قلقين للغاية على مراكزهم بحيث لا يتحركون ضد القيادة الحالية. ولم تظهر الولايات المتحدة من جانبها أي اهتمام بإثارة أي مخاوف؛ وقد تحدث دونالد ترامب مع الملك السعودي يوم السبت في الأسبوع الماضي، وامتدح موقفه ضد التطرف وطلب إدراج شركة "أرامكو" السعودية في قائمة بورصة نيويورك.
*نائبة رئيس وزميلة بحث بارزة في برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في "تشاثام هاوس".
*نشر هذا المقال تحت عنوان: Mohammed bin Salman’s Shakeup Is More Than a Power Play

ala.zeineh@alghad.jo

التعليق