تقرير اقتصادي

كردستان.. هوس الاستقلال واستراتيجية الطاقة

تم نشره في السبت 11 تشرين الثاني / نوفمبر 2017. 12:00 صباحاً
  • عراقي من اقليم كردستان يرفع علم الاقليم خلال احتفال في اربيل -(ا ف ب)

ترجمة: ينال أبو زينة

سعى القادة الأكراد منذ وقت طويل إلى صياغة سياسة طاقة مستقلة عن الحكومة الفيدرالية في بغداد، مغازلين الشركات العالمية وعارضين صفقات مربحة للتنقيب عن احتياطات محتملة جديدة وضخمة من النفط والغاز.
ومن ثم في شهر أيلول (سبتمبر) الماضي، اختار المصوتون الأكراد بأغلبية ساحقة الانفصال عن بغداد. ولكن، بدلاً من الاقتراب من امتلاك دولة مستقلة، تعرض الأكراد لنكسة مهينة: فقد سيطرت القوات العراقية على مدينة كركوك وعلى حقول النفط المحيطة بها. وخسارة الأراضي هذه تأتي على رأس الاتجاهات المتدهورة في قطاع النفط المحلي والتوترات المستمرة بين كردستان، المنطقة التي تقع في شمال العراق، وجاراتها.
وإذا أخذت مجتمعة، تثير هذه العوامل التساؤلات حول استراتيجية الأكراد الرامية إلى تحقيق الاستقلال السياسي عبر الطاقة، التي تشكل تقريباً جميع إيرادات الحكومة الإقليمية.
وتمتد عواقب القتال على ثروات شمال العراق إلى ما يتجاوز حدود المنطقة. بحيث يبدو أن مبيعات كردستان النفطية لن ترقى إلى ما وعدت به في وقت سابق، وقد زادت حالة عدم اليقين التي عقبت الاستفتاء المخاطر التي تتهدد أسواق الطاقة التي لم تحمسها فعلياً الخطابات الساخنة بين الولايات المتحدة وإيران، وفنزويلا الآيلة للسقوط تقريباً.
وبواقع الحال، فقد انتعشت صناعة النفط العراقية بشكل ملحوظ بعد الإطاحة بالرئيس صدام حسين في العام 2003. ومع الإنتاج الكردستاني، يعد العراق ثاني أكبر منتج للنفط في منظمة الدول المصدرة للنفط، "أوبك"، وذلك بإنتاجه 4.5 ملايين برميل من النفط الخام يومياً.
وقد سعى إقليم كردستان خلف حصة من نشاط النفط العالمي. وقد خمن الخبراء الاستشاريون في شؤون الطاقة، في "وود ماكينزي"، إجمالي المخزونات النفطية المحتملة عند قرابة الـ13 مليار برميل، فيما بذل المسؤولون الأكراد الجهود لاستقطاب الاستثمارات من شركات النفط العالمية. وقدموا على هذا الصعيد اتفاقيات تقاسم إيرادات جذابة للشركات الأجنبية، وهي اتفاقيات تتناقض بشكل صارخ مع صفقات الرسوم الثابتة منخفضة الهامش التي تقدمها بغداد.
وبالنسبة إلى بعض الشركات العالمية، كانت الأرباح مغرية. فالإقليم الكردستاني يعرض النفط سهل الإستخراج في بيئة ودية سياسياً، بدون التكاليف الباهظة والمخاطر البيئية للتنقيب في القطب الشمالي أو تعدين رمال القطران في كندا. وقد تجاهلت عملاقتا الطاقة "شيفرون" و"إيكسون موبايل" تهديدات الإجراءات القانونية التي أقرتها الحكومة العراقية واستياء واشنطن من خلال توقيع عقود مع المنطقة الكردية في الوقت الذي كانت فيه أسعار النفط أعلى بكثير مما هي عليه الآن.
وكانت شركات الطاقة تريد أن تشاهد إذا ما كانت الاحتياطيات الكبيرة من النفط تمتد تحت تلال كردستان كما هي موجودة في أماكن أخرى في العراق وإيران المجاورتين.
لكن بريق هذه الاحتمالات تلاشى منذ ذلك الحين. فلم تنتج عمليات التنقيب تلك الكميات التي كانت تأملها الشركات، ما قادها إلى التراجع والانسحاب في كثير من الأحيان. وقالت "شيفرون" مؤخراً إنها أوقفت عملياتها مؤقتاً في إقليم كردستان. وأوقفت فرنسا بدورها عمليات الاستكشاف في العام الماضي، شاطبة ما قيمته 200 مليون دولار من ميزانيتها. ويقول المحللون إن نتائج عمليات الاستكشاف الضعيفة، مقترنةً بأسعار النفط العالمية التي سقطت من قمتها أثارت عدم اليقين إزاء قيمة مواصلة الاستثمار في كردستان.
وبدورها، خفضت "جينيرال إنيرجي" تقييماتها بشكل حاد لكميات النفط في حقل طق طق، أحد الحقول التي تشكل دعائم لها في كردستان. وقد انخفض إنتاج هذا الحقل إلى حوالي 14 ألف برميل يومياً، مقارنةً مع 128 ألف برميل يومياً في أوائل العام 2015.
ويجد الإقليم نفسه الآن يصدر قرابة الـ250 ألف برميل نفط يومياً، وهو ربع المتوقع قبل بضع سنوات، وفق المدير الإداري لشركة الاستشارات العراقية "إنسايت"، ربا حساري.
وقد حُجبت هذه الأمور المحبطة إلى حد كبير عبر حقول النفط العملاقة التي سيطر عليها المقاتلون الأكراد في السنوات الأخيرة، والذين ينتمون إلى تنظيم "البشمرغا". ففي الوقت الذي كان فيه العراق يعاني الهجوم الذي شنه تنظيم "داعش" في العام 2014، تمكنت قوات البشمرغا من فرض سيطرتها على المناطق المنتجة للطاقة بالقرب من كركوك. ومن خلال السيطرة على هذه الحقول، تمكن إقليم كردستان من زيادة إنتاجه النفطي إلى قرابة 550 ألف برميل نفط يومياً، وكان نصف هذا الإنتاج يأتي من كركوك نفسها.
وخلف القضايا قصيرة الأجل التي انبثقت عن التصويت على الاستقلال، ما تزال المشاكل طويلة الأجل مستمرة. وتكمن إحدى هذه المشاكل في أن مسعود بارزاني، الذي استمر كرئيس لإقليم كردستان لوقت طويل، قال إنه سيترك منصبه. وهذا يمكن أن يخلق فراغاً في السلطة، الأمر الذي سيتهدد استقرار الإقليم المحلي ويعقد المحادثات الجارية مع الحكومة الفدرالية والدول المجاورة مثل تركيا.
وما تزال المنطقة غير الساحلية تعتمد على علاقتها الجيدة بأنقرة، وربما الشيء القليل مع بغداد أيضاً، لتنقل نفطها وغازها إلى السوق. ولم يتفق الأكراد والحكومة الفدرالية مطلقاً على آلية تقاسم أرباح النفط، أو على كيفية التعامل مع الإمتيازات النفطية في كردستان -أو حتى على الأراضي التي تشكل الإقليم الكردستاني. ومع تلاشي الجاذبية الكردستانية كرهان على الطاقة، ربما تلوح هذه المخاوف بشكل أكبر في أفق حسابات الصناعة.
وتشكل مثل هذه المشاكل تهديداً لمحاولة الاستقرار الكردية. فحكومة الإقليم تكافح من أجل دفع مرتبات الخدمة المدنية وإدارة ديونها المستحقة لشركات النفط. وربما يتخذ العراق أيضاً إجراءات قانونية ضد من يشتري النفط الخام من إقليم كردستان.
وعلى هذا الصعيد، يقول رئيس شركة "بيتروليوم بوليسي إنتيليجانس"، شركة الأبحاث السوقية، بيل فارين برايس "إن إقليم كردستان خسر شريان حياة إيراداته، وهو بعيد كل البعد عن ضمان مواصلة الدفع بالاستقلال في ظل هذه الظروف".
وتنقل حوالي 15 % من مبيعات النفط العراقي عبر خطوط أنابيب تمر عبر أجزاء من كردستان. ومع إغلاق بعض خطوط النفط في بعض الحقول المحيطة بكركوك، تكثف الحكومة الفدرالية تصديرها من محطات النفط الجنوبية.

"نيويورك تايمز، ستانلي ريد"

التعليق