المدينة الجديدة

تم نشره في السبت 11 تشرين الثاني / نوفمبر 2017. 12:00 صباحاً
  • مخطط المدينة الجديدة -(أرشيفية)

فوزي مسعد *

تعتبر المدن من المراكز السياسية والاقتصادية في الدول، ومحور التطور والتعلم والابتكار، والجاذبة للسكان من مختلف الخلفيات، ومحرك الهجرة من الريف للمدينة داخليا، ووجهة الهجرات الطوعية والقسرية خارجيا.
في هذا النطاق، شهد العالم في العقود الماضية توسعا حضريا، سيستمر وبوتيرة اعلى في المستقبل.
في منتصف القرن الماضي، كان ثلث عدد سكان العالم، يعيشون في مناطق حضرية، واليوم اصبح اكثر من 54 % من السكان يعيشون في المدن، ويتوقع ازدياد نسبتهم لتصل إلى اكثر من 70 % العام 2050.
وما بين عامي 1970 - 2010، كانت هذه الظاهرة اكثر حدة في منطقة حوض البحر الابيض المتوسط، وحسب التقديرات، ستصل نسبتها الى 72 % بحلول العام 2025.
أما على الصعيد المحلي في المملكة، فيزيد عدد سكان المدن حاليا على 82 % من اجمالي السكان، لكن غياب الموارد البشرية والمالية والتخطيط الاستراتيجي الشمولي المدروس على اسس سليمة، ادى الى زحف عمراني عشوائي غير منتظم، حد من القدرة على توفير بنية تحتية وخدمات قادرة على مواكبة الزيادة السكانية الكبيرة، بالإضافة للمتغيرات الدولية في المدن عموما، وهي متشابهة نوعا ما مع بعضها، مع اختلاف في درجة حدتها وأبعادها وتأثيراتها، ظهرت تحديات ناتجة عن اسباب طبيعية، واخرى من صنع الانسان، بينها التحديات الاقتصادية، واهمها البطالة وتحديات بيئية تتعلق بالتلوث بأنواعه، وكذلك ادارة النفايات والمخاطر الطبيعية المتصاعدة، نتيجة التغير المناخي، وتداعي خدمات البنية التحتية والنقص الحاد فيها، وتراجع الخدمات الصحية والتعليمية، والازدحامات المرورية والنقل العام، وتحديات اجتماعية وثقافية اخرى عدة.
ومن أهم ما تواجهه مدينة عمان من تحديات:
• الازدحامات المرورية، بسبب عدم وجود نقل عام مستدام ومنتظم.
• التخطيط الشمولي للمدينة وتوافر خطط لمستقبل المدينة.
• الاستعمال الواحد للمناطق التنظيمية والتشتت العمراني.
• الزيادة السكانية الكبيرة الناتجة عن الهجرات الداخلية والخارجية.
• عدم توافر فراغات عامة وأرصفة مناسبة للتواصل والتنقل.
• تراجع توفير خدمات بنية تحتية مناسبة وإدامتها، وقلة التنسيق بين مؤسسات الخدمات.
• تحديات في إدارة النفايات وكلفها المرتفعة غير المستدامة.
• الوضع الطبوغرافي وما يفرضه من تحديات، أهمها توفير شبكة طرق مناسبة، وتلافي النقص الحاد في الطرق الدائرية.
• تأثيرات التغير المناخي المتزايدة، من موجات هطول أمطار إلى الحر والغبار أحيانا، والنقص في كميات هطول الأمطار والجفاف.
• تحديات الدمج المجتمعي والشمولية، وأخرى ثقافية مختلفة، والانتماء والمواطنة، وضعف الثقة بين الحكومات والمواطنين.
• ضعف التحول الإلكتروني الرقمي.
وعلى الرغم من أن امانة عمان الكبرى، تنفذ اجراءات كبيرة للتغلب على هذه التحديات، لكن ذلك يحتاج لكثير من الجهد والموارد المالية والبشرية والوقت.
ومع الزيادة الكبيرة والاكتظاظ السكاني، فإن إنشاء مدن حضرية جديدة، لن يؤثر على العاصمة او المدن الاخرى، بل على العكس، قد يكون هناك تأثيرات ايجابية، تحقق التنمية في جميع المدن، وتخلق فرصا استثمارية، خارجة على الاطار المألوف الذي نراه يصل الى طريق مسدود غالبا، ما يتطلب تخطيطا شموليا، لا يكون على مستوى التجميع الحضري الجديد فقط، بل ويأخذ بالاعتبار المدن المجاورة الاكثر تأثيرا في هذا الجسم الجديد القريب من حدودها، والذي يؤثر عليها ويتأثر بها. وهناك عشرات الأمثلة الناجحة في معظم دول العالم، والتي يمكن أخذها كحالات دراسية في التخطيط للمدينة الجديدة، للاستفادة من نجاحاتها وتجنب اخفاقاتها.
كذلك؛ هناك امثلة حية في مصر القريبة للأردن جغرافيا وثقافيا واجتماعيا، اذ أنشئت مدينة القاهرة الجديدة في العقود الماضية، وأصبحت ممتدة الى حدود القاهرة التاريخية بمساحة 280كم2 تقريبا، كما انشئت مدن جديدة اخرى عديدة في عدة مناطق بمصر.
وبالاضافة للقاهرة الجديدة التي أصبحت مكتملة الآن، هناك مدينة اخرى، هي العاصمة الادارية الجديدة 60 كم شرق القاهرة و60 كم ايضا غرب مدينة السويس، وبمساحة 714 كم2، والتي بوشر باعمالها في نيسان (إبريل) 2015، وافتتحت مرحلتها الاولى، ووزعت عدة مراحل من اراضيها.
من أهم ميزات مشروع المدينة الجديدة التي اعلن عنها في الاردن مؤخرا، انها ستقام على أراض مملوكة للدولة بالكامل، ما يؤدي للسيطرة على اسعارها، وعدم المتاجرة بها، وكذلك التحكم في مواقع ومساحات الفراغات العامة، والطرق ومواقع الخدمات وتوفير بدائل مناسبة.
ومن أهم المزايا التي ستحققها هذه المدينة:
• توفير مدينة عصرية حديثة، قائمة على افضل الممارسات الدولية والخبرات التراكمية في المدن، ويمكن استغلال المنظمات الدولية التي تشارك الامانة فيها، لتطوير المدن ونقل الخبرات الفنية، مثل 100 مدينة منعة 100RC وC40 ومجموعة المدن القيادية في التغير المناخي، ومنظمة المدن والمجتمعات المحلية UCLG والسلطات المحلية من اجل الاستدامة ICLEI وجمعية الحكومات المحلية للبحر الابيض المتوسط ARLEM، ومنظمات اخرى عديدة.
• توفير خدمات بنية تحتية مستدامة متكاملة، مسبقة التخطيط والتنفيذ، والأخذ بالاعتبار سهولة التشغيل والصيانة المستقبلية، كتوفير أنفاق للخدمات الرئيسة في المدينة.
• توفير وسائل نقل عام كفؤة ومستدامة، مع التوجة لتسهيل حركة التنقل على الطرق للمشاة والدراجات.
• خلق مدينة متكاملة، بما فيها ايجاد فرص عمل، ضمن حدود المدينة الجديدة، لتجنب ان تكون فندقا كبيرا للمدن المجاورة.
• التوجه لأن تكون المدينة، نواة تخلق ثقافة مجتمعية جديدة، مبنية على الانتماء والمواطنة والمحافظة على الحقوق والممتلكات العامة، واحترام الآخر، لتنشر هذه الثقافة في المدن الاخرى مستقبلا.
• الجودة العمرانية، وتطبيق الكودات حسب الاصول، لضمان سلامة ومنعة المدينة من المخاطر الطبيعية التي قد تواجهها.
• التخطيط العمراني السليم والشمولي، بحيث يضم جميع مراحل نموها ولعدة عقود، آخذين بالاعتبار التأثر من والتأثير على المدن المجاورة، وتوجه الحكومات المتعاقبة لتوجيه التنمية في مدينة عمان للمناطق الشرقية، واختيار هذه المدينة في هذا الموقع يسهم بتحقيق هذه التوجهات.
• الشفافية في اعمال التخطيط والتنفيذ والمشاركة الواسعة في فئات المجتمع الاردني، والخبراء في التخطيط العمراني، عبر التواصل المجتمع وعقد حلقات نقاشية من خبراء ودارسين محليين ودوليين.
• توفير الفراغات العامة المناسبة ومراكز الشباب ومراكز الخدمة المجتمعية، والمناطق الخضراء آخذين بالاعتبار قلة كميات الامطار في موقع المدينة التي تقدر بـ100-200 ملم سنويا، ونسبة التبخر العالية.
• بالإضافة الى ما ذكر في الاعلان، بخصوص توفير مصادر الطاقة البديلة وكفاءة الطاقة ومعالجة المياه العادمة، وتخفيف الآثار التحتية للمشروع يجب توفير شبكة مياه معالجة رديفة لشبكة المياه البلدية، للاستفادة منها في سقاية المناطق الخضراء العامة والخاصة، والتي ستحتاجها المدينة للتخفيف من وطأة الطبيعة في المنطقة.
• دراسة معمقة للاتصال مع المدن القائمة، والتركيز على وجود خيارات وبدائل للطرق في المراحل الاولى، وبدائل في وسائل النقل وربطها مع شبكات الطرق والنقل في هذه المدن.
ويجب ألا يغيب عن ذهننا، الاستمرار في تطوير وتنمية مدينة عمان والمدن المجاورة الاخرى، وإعداد الخطط والاستراتيجيات التي من شأنها ايجاد حلول لما تواجهه من تحديات، وخدمة سكانها بأفضل الاساليب. ويجب هنا ان نشير الى أن مدينة عمان، قادرة على استيعاب اعداد كبيرة من السكان، فالكثافة السكانية الحالية لا تتجاوز 5 اشخاص/ دونم، في حين تصل حسب افضل الممارسات الدولية إلى 15 شخصا/ دونم، اي ان عمان ما تزال قادرة على استيعاب اعداد اخرى من السكان، مع ايجاد حلول للتحديات والضغوطات الرئيسة التي تواجهها وأهمها النقل العام.

*مدير مدينة عمان السابق؛ ممثل منظمة مدن المنعة في الأردن

التعليق