ماجد توبة

في التشويش السياسي القادم من واشنطن!

تم نشره في الاثنين 13 تشرين الثاني / نوفمبر 2017. 12:06 صباحاً

مرة أخرى، تؤكد تصريحات وزير الخارجية الأميركي ريكس تيلرسون الأخيرة حول لبنان، وما فهم منها من تناقض واضح مع تصريحات سابقة للرئيس الأميركي دونالد ترامب، حجم الارتباك والخلافات داخل المؤسسة السياسية الأميركية في واشنطن، خصوصا بين البيت الأبيض وبين مفاصل القرار في الخارجية والدفاع، وهي خلافات وارتباكات تترك تشويشا واضحا في غير ساحة وقضية على المستوى العالمي.
تيلرسون كان صرح أول من أمس محذرا من "استخدام لبنان كساحة للحرب بالوكالة"، وذلك على خلفية تزايد التوتر بين السعودية وإيران إثر إعلان رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري، استقالته المفاجئة من الرياض، وهو توتر انعكس في رواج تحليلات وتوقعات بانزلاق لبنان والمنطقة إلى حرب جديدة، وبصفحة تصعيد جديدة بين السعودية وإيران.. فيما لا تبدو إسرائيل بعيدة عن اقتناص فرص التصعيد والانفجارات.
وبعيدا أو قريبا من أزمة لبنان المشتعلة على المستوى السياسي اليوم، فإن استعراض المواقف الأميركية في غير أزمة وقضية على مدى الأشهر الماضية، يظهر حجم التباينات، التي تصل أحيانا حد التناقضات، في تلك المواقف والتعبيرات السياسية عنها بين مؤسسة البيت الأبيض الذي يقوده ترامب وبين مؤسستي الخارجية والدفاع، المحكومتين بتقاليد وجدول مصالح وسياسات واضحة ومرسومة، تختلف أحيانا مع مواقف وفلسفة رئيس قادم من خارج النخبة السياسية بتقاليدها وحساباتها الراسخة.
قبل أزمة لبنان الحالية كان هناك أزمة التلويح الأميركي بنسف الاتفاق النووي مع إيران، وهو شعار حمله ترامب معه منذ حملته الانتخابية الشعبوية التي قادته بصورة مفاجئة إلى البيت الأبيض، فقد أغرق ترامب الاتفاق الدولي مع إيران، الذي وقعته ادارة سلفه باراك اوباما، بالنقد والتشنيع عبر دبلوماسية "التغريدات" على موقع "تويتر". مواقف وزارتي الخارجية والدفاع الأميركيتين تجاه الاتفاق مع إيران لم تذهب إلى الحدة التي ذهبها ترامب، وكانت الوزارتان ووزيراهما مقتصدين إلى حد التقتير في التعرض للاتفاق، حيث انسجما بموقفيهما مع موقف حلفاء الولايات المتحدة الأوروبيين ممن ما يزالون داعمين للاتفاق مع ايران، بل ويحذرون من التراجع عنه او نقضه.
كما يمكن استخلاص ذات النتيجة من وجود تباين بين موقف ترامب ومواقف الخارجية والدفاع من قضية الأزمة الخليجية مع قطر.
يحاجج محللون ومراقبون بأن السياسة الأميركية الخارجية لا يصنعها رئيس بعيدا عن المؤسسات الفاعلة في واشنطن، وهي مقولة دقيقة إلى حد ما، لكن ذلك لا ينفي أهمية دور الرئيس في النظام السياسي الأميركي وقدرته على المناورة وفرض اتجاهات ما في هذه السياسة.
ويمكن استعراض العديد من الشواهد البعيدة والقريبة على أهمية دور الرئيس وإدارته في تغيير سياسة ما أو انتهاج سياسة جديدة، وقد يكون الرئيس السابق أوباما خير دليل على ذلك، من خلال عدم القدرة على تجاهل رؤيته السياسية واصراره الشخصي على الوصول إلى حل عبر الحوار للأزمة مع إيران وتوقيع الاتفاق معها، وأيضا في استدارته الجوهرية باعادة العلاقات مع كوبا بعد قطيعة استمرت عقودا، ناهيك عن اصراره الواعي والحاسم بعدم التورط مباشرة بالحرب في سورية رغم ضغوط المخابرات الأميركية وبعض اللوبيات. 
أما لماذا لا ينسحب وضع أوباما على ترامب، الذي بات يجد من يفرمل سياساته ومواقفه بالسياسة الخارجية، ويكاد يغرد كثيرا خارج سرب الخارجية والدفاع، فهو كما أعتقد أن ترامب الغارق بأزمة قانونية وسياسية داخلية (الاتهامات لروسيا بالتدخل في الانتخابات الرئاسية) قد تطيح به، لا يتردد في الهرب إلى افتعال أزمات بعيدا عن حسابات المؤسسة الأميركية المعقدة. كما أن الرجل يعمل وفق نظرية رجل الأعمال، الذي يحرص على عقد الصفقات في الأماكن المعتمة قبل الزج بها للإعلام والضوء، ودون أن يعود –كما يبدو- لاستشارة المؤسسة التي تدير عملية صناعة القرار.
يبدو أن على العالم الاعتياد لسنوات قليلة أخرى على التشويش القادم من واشنطن في ملفات السياسة الخارجية!!

التعليق