في دولة إسرائيل يتشكل شعب يهودي جديد

تم نشره في الثلاثاء 14 تشرين الثاني / نوفمبر 2017. 12:00 صباحاً
  • متطرفون يهود يرقصون في شارع الشهداء قرب الحرم الابراهيمي في مدينة الخليل الجمعة الماضي -(ا ف ب)

هآرتس

آفي ساغي   12/11/2017

دولة إسرائيل تم تأسيسها على أيدي جزء من الشعب اليهودي الذي أراد تحقيق وجود يهودي سيادي. حسب هذه المقولة، الشعب اليهودي يسبق تاريخيا وتحليليا الدولة: تاريخيا – الدولة أسست من قبل الشعب اليهودي. تحليليا – دولة إسرائيل هي تجسيد لحق الشعب اليهودي في تقرير مصيره السياسي. هذا الحق تم الاعتراف به من قبل المؤسسات الدولية التي منحته الشرعية.
لهذه الأولوية أيضا جانب سياسي. المجتمع المدني الذي يعيش في إسرائيل يتنازل عن مصالح مختلفة لمكوناته، من اجل زيادة تحقيق المصالح المهمة المشتركة. ولكن المواطنين في إسرائيل لم يتنازلوا في أي مرة عن حقوقهم الانسانية كبشر ويهود. إسرائيل ليست فقط دولة ديمقراطية، بل هي أيضا علمانية وليبرالية. هي تقوم على سيادة الانسان وليس على سيادة الخالق أو الشريعة. الانسان يمكنه الايمان بأن دولة إسرائيل تجسد وعدا آلهيا، ويمكنه نفي هذا الايمان. ويمكنه الحفاظ على فرائض الشريعة أو التحفظ منها. وبهذا الشكل أو ذاك فإن إسرائيل هي دولة علمانية.
اضافة إلى ذلك، إسرائيل قامت بتأسيس نفسها كدولة ليبرالية تضمن معظم الحريات للبشر. الليبرالية لا تعني سلب طابعها كدولة يهودية، بل العكس، هي تضمن أن لا تقوم إسرائيل بسلب البشر هويتهم وقيمهم اليهودية المختلفة. الضمانة الوحيدة لتحقيق الوجود اليهودي المتعدد هي مظلة الليبرالية، التي يتمتع بها الحريديم والصهاينة المتدينون، لكن في الوقت الحالي هم يطلبون من اليهود الآخرين التنازل عن هويتهم اليهودية والاعتراف بأنهم فقط يحملون راية "اليهودية". باسمها هم يطالبون بأن يسلبوا من الآخرين هويتهم اليهودية. للأسف، السلطة تسمح لهم بذلك.
حقوق البشر والشعوب لإنشاء هويتهم وتشكيلها كما يريدون، هو شأنهم وليس شأن الخالق. إن التمييز الأساسي بين الهوية والتشخيص يوضح ذلك: التشخيص هو عملية يقوم بها فرد أو جسم اجتماعي نحو غيره، الهدف منه خلق تصنيف لأهداف مختلفة. ليس كل تشخيص هو شرعي. في احيان كثيرة تشخيص "يهودي"، "امرأة"، "أسود"، "عربي" أو "مثلي"، يتم من اجل الاقصاء لخلق تراتبية والاضرار. الدولة يمكنها القيام بعمليات تشخيص محددة، شريطة أن تكون مخصصة لاهداف جديرة، تستجيب لقواعد العدالة والاخلاق. ولكن دولة ديمقراطية ليبرالية غير مسموح لها أن تنشئ هوية مواطنيها. هذا الحق يحفظ لبني البشر أنفسهم. هم فقط الذين يمكنهم تشكيل عالمهم بصورة شخصية. وفقا لذلك، فإن دولة إسرائيل ليس من حقها انشاء الوجود اليهودي الحقيقي أو القومية اليهودية. طبيعة القومية اليهودية هي شأن اليهود وليس شأن الجسم السيادي. بالعكس، على إسرائيل بصفتها دولة للشعب اليهودي أن تضمن تعظيم تجسيد خصائص الوجود اليهودي.
هذه الافتراضات الأساسية الواضحة يتم سحقها في هذه الايام. الدولة تخرق بصورة دائمة ليس فقط واجبها تجاه مواطني إسرائيل اليهود، بل أيضا واجبها تجاه الشعب اليهودي. في إسرائيل لا يوجد للمواطن حرية اعتقاد، وهو يخضع لما تقوله الشريعة كما تتم صياغتها من قبل تيار الحريديم. هذا اضرار كبير بالميثاق الأساسي بين الدولة ومواطنيها اليهود وبين الشعب اليهودي.
يضاف إلى ذلك حقيقة أنه في إسرائيل التشخيص اليهودي، بما في ذلك التهود، يقوم على معايير شرعية متشددة، وهذا يشكل إعلان واضح للدولة بأنه يحق لها انشاء الشعب اليهودي وهويته. وهي تقوم بذلك رغم أن هذا لم يتم الاتفاق عليه مع الشعب اليهودي ولم يصادق عليه مواطنو الدولة. الدولة تستخدم نظام التشخيص من اجل خلق هوية يهودية موحدة، تمس بكرامة الإنسان. التيار الارثوذكسي هو تيار شرعي، لكنه لا يتشابه مع الشعب اليهودي، وليس له حق في انشاء الهوية اليهودية والقومية اليهودية.
تأخذ دولة إسرائيل بعملية متواصلة ومستمرة الحق في انشاء جوهر الهوية اليهودية ومعنى الانتماء للشعب اليهودي. لذلك هي تمس بالأسس الثلاثة التي تشكل أساس وجودها. الأول، أولوية الجسم المدني على الدولة. بأعمالها هي تخرق الميثاق بينها وبين المواطنين وتمس بالحق الأساسي لكرامة الإنسان وحريته. الثاني، الشرعية التي منحتها إياها شعوب العالم، الذين اعترفوا بحق تقرير المصير. هذا الحق أعطي للشعب اليهودي على مختلف اشكاله، والدولة تستخدم هذه الشرعية من اجل انشاء شعب يهودي جديد، يختلف عن الشعب اليهودي الحقيقي. أخيرا، رغم واجبها التاريخي والأساسي نحو الشعب اليهودي، فإن إسرائيل آخذة في الانفصال عنه.
يقولون لنا إن التوراة فقط هي التي حافظت على الشعب اليهودي، لذلك فإن سيطرة الشريعة تتم من خلال الاهتمام بالشعب اليهودي ومن اجل منع ذوبانه بين الشعوب. هذا ادعاء مدحوض. ليس بالامكان تأسيس خرق للحقوق والمس بالهوية اليهودية والقومية اليهودية على ادعاء وقائع، يمكن أن تكون كاذبة أو صادقة. ويمكن الافتراض أنه ليس الشريعة هي التي حافظت على اليهودي، بل رغبته في الاستمرار بكونه اليهودي الديني وفي نفس الوقت تميزه وعزلته. اجل، عند فتح ابواب الغيتو، الشعب اليهودي الذي انكشف أمام امكانيات بديلة للوجود، ذهب وانصهر في داخل الشعوب الاخرى.
ولولا وقوف الصهيونية في وجه ذلك، لكان من الصعب تقدير ماذا كان سيبقى من الشعب اليهودي. التوراة لم تكبح هذه العملية، فقط ارادة الفرد الحر استطاعت أن تكبح عمليات تاريخية. ثانيا، ادعاء وقائعي عن وضع الأمور في العالم لا يمنح الدولة أو أي جسم تابع لها، الحق في نفي الهويات اليهودية المختلفة. هذا الحق محفوظ للشعب اليهودي وكل فرد يعيش فيه. في الجملة الافتتاحية لوثيقة استقلال دولة إسرائيل المتشكلة سيكتب: في دولة إسرائيل قام شعب يهودي جديد، انفصل عن الشعب اليهودي في الشتات وفي إسرائيل، وهي ستشكل هيئته الروحية على ضوء قيم جديدة التي بواسطتها سيتم نبذ القيم الأساسية لدولة إسرائيل القديمة.

التعليق