أزمة إسبانيا فرصة لأوروبا

تم نشره في الثلاثاء 14 تشرين الثاني / نوفمبر 2017. 12:00 صباحاً

يانيس فاروفاكيس*

أثينا- ربما يكون الصراع البغيض بين حكومة كتالونيا الإقليمية والدولة الإسبانية هو على وجه التحديد ما أمر به الطبيب لإنعاش المشروع الأوروبي المريض. فالأزمة الدستورية الحالية في إحدى دول الاتحاد الأوروبي تخلق فرصة ذهبية لإعادة تشكيل الحكم الديمقراطي للمؤسسات الإقليمية والوطنية والأوروبية، وبالتالي صنع اتحاد أوروبي مستدام ويمكن الدفاع عنه.
كانت استجابة الاتحاد الأوروبي الرسمية لعنف الشرطة خلال استفتاء كتالونيا على الاستقلال بمثابة تقصير وإهمال في أداء الواجب. ومن قبيل النفاق الواضح أن نعتبر ما يجري هناك، كما فعل رئيس المفوضية الأوروبية، شأناً داخلياً يخص إسبانيا ولا يملك الاتحاد الأوروبي التدخل فيه.
بطبيعة الحال، كان النفاق لفترة طويلة في صميم سلوك الاتحاد الأوروبي. فلم يشعر مسؤولوه بأي وخز ضمير عندما تدخلوا في الشؤون الداخلية لواحدة أو أخرى من الدول الأعضاء -ولنقل للمطالبة بإزالة مسؤولين سياسيين منتخبين أو رفض خفض المعاشات التقاعدية لأفقر مواطنيها أو بيع أصولها العامة بأسعار مضحكة (وهو أمر واجهته شخصياً). ولكن، عندما تدين الحكومتان المجرية والبولندية صراحة المبادئ الأساسية للاتحاد الأوروبي، يُصبِح مبدأ عدم التدخل مقدساً فجأة.
تمتد جذور المسألة الكتالونية عميقاً في التاريخ، وهذا شأن القومية بشكل عام. ولكن، هل كانت لتندلع على النحو الذي حدث مؤخراً لو لم تسئ أوروبا معالجة أزمة منطقة اليورو منذ العام 2010، فتفرض الركود شبه الدائم على إسبانيا وبقية الدول الواقعة على أطراف أوروبا، في حين تمهد الساحة لكراهية الأجانب والهلع الأخلاقي عندما بدأ اللاجئون يعبرون حدود أوروبا الخارجية؟ هناك من الأمثلة ما يوضح هذا الارتباط.
برشلونة، عاصمة إقليم كتالونيا الرائعة، مدينة غنية تدير فائضاً في الميزانية. ومع ذلك، واجه العديد من مواطنيها مؤخراً الإخلاء من مساكنهم من قِبَل البنوك الإسبانية التي جرى إنقاذها بأموال الضرائب التي يدفعونها. وكانت النتيجة تشكيل حركة مدنية نجحت في حزيران (يونيو) 2015 في انتخاب إيدا كولاو لمنصب عمدة برشلونة.
وقد تعهدت كولاو لمواطني برشلونة، بين أمور أخرى، بخفض الضرائب المحلية المفروضة على الشركات الصغيرة والأسر، ومساعدة الفقراء، وإنشاء المساكن لنحو خمسة عشر ألف لاجئ -وهي حصة كبيرة من إجمالي العدد الذي كان المفترض أن تستوعبه إسبانيا من دول المواجهة، مثل اليونان وإيطاليا. وكان تحقيق كل هذه الوعود وارداً مع الحفاظ على دفاتر المدينة متوازنة في الوقت نفسه، من خلال تقليل الفائض في الميزانية البلدية ببساطة.
من المؤسف أن كولاو سرعان ما أدركت أنها تواجه عقبات لا يمكن التغلب عليها. فقد أصدرت الحكومة المركزية في إسبانيا، مستشهدة بالتزامات الدولة بموجب توجيهات التقشف الصادرة عن الاتحاد الأوروبي، تشريعاً يحظر فعلياً على أي بلدية خفض فائضها. وفي الوقت نفسه، منعت الحكومة المركزية دخول اللاجئين الخمسة عشر ألفاً الذين بنت لهم كولاو مرافق سكنية ممتازة.
حتى يومنا هذا، تظل الغَلَبة للفائض في الميزانية، ولم يتم الوفاء بالخدمات والتخفيضات الضريبية الموعودة، وما يزال إسكان اللاجئين الاجتماعي خاوياً. والطريق من هذه الحال المؤسفة إلى إعادة تنشيط النزعة الانفصالية في كتالونيا شديد الوضوح.
في أي أزمة جهازية شاملة، يخلق الجمع بين التقشف للغالبية، والاشتراكية للمصرفيين، وخنق الديمقراطية المحلية حالة من اليأس والسخط، وهي الأكسجين الذي تتغذى عليه النزعة القومية. ويجد التقدميون المناهضون للقومية، من أمثال كولاو، أنفسهم، محاصرين من الجانبين: مؤسسة الدولة السلطوية التي تستخدم توجيهات الاتحاد الأوروبي كغطاء لسلوكها من جانب، وعلى الجانب الآخر صعود التعصب الراديكالي، والعزلة، ومعاداة المهاجرين الرجعية. وكل من الأمرين يعكس الفشل في الوفاء بوعد الرخاء المشترك على مستوى الاتحاد الأوروبي.
تزودنا كاتالونيا بحالة دراسية ممتازة لمعضلة أوروبا الأعرض. فالاختيار بين دولة إسبانية استبدادية، والقومية التي تحمل شعار "جعل كتالونيا عظيمة مرة أخرى" يعادل الاختيار بين جيروين ديسلبلوم، رئيس المجموعة الأوروبية، بين وزراء مالية منطقة اليورو، ومارين لوبان زعيمة الجبهة الوطنية اليمينية المتطرفة في فرنسا: التقشف أو التفكك.
يتعين على الأوروبيين التقدميين أن يرفضوا الأمرين: المؤسسة العميقة على مستوى الاتحاد الأوروبي والقوميات المتنافسة التي تدمر التضامن والحس السليم في الدول الأعضاء مثل إسبانيا.
والبديل هو إضفاء الطابع الأوروبي على حل المشكلة الناجمة إلى حد كبير عن الأزمة الجهازية في أوروبا. وبدلاً من عرقلة الحكم الديمقراطي على المستويين المحلي والإقليمي، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يعمل على تعزيزه. ومن الممكن تعديل معاهدات الاتحاد الأوروبي لتكريس حق الحكومات الإقليمية ومجالس المدن، مثل كتالونيا وبرشلونة، في الحصول على الاستقلال المالي، بل وحتى إنشاء أموال ضريبية خاصة بها. ومن الممكن السماح لها أيضاً بتنفيذ سياساتها الخاصة بشأن اللاجئين والهجرة.
وإذا ظلت المطالبة بدولة مستقلة والانفصال عن الدولة المعترف بها دولياً قائمة، يستطيع الاتحاد الأوروبي أن يستحضر مدونة السلوك في حالات الانفصال. وعلى سبيل المثال، بوسع الاتحاد الأوروبي أن يقرر الموافقة على الاستقلال على الاستفتاء إذا كانت الحكومة الإقليمية التي تطالب به قد فازت بالفعل في انتخابات بأغلبية مطلقة استناداً إلى برنامج انتخابي شمل الوعد بعقد الاستفتاء. وعلاوة على ذلك، ينبغي أن يُعقَد الاستفتاء بعد عام واحد على الأقل من الانتخابات، للسماح بالمناقشة الرصينة الواجبة.
أما عن الدولة الجديدة، فيجب أن تلتزم بالحفاظ على نفس مستوى التحويلات المالية التي كانت موجودة من قبل على الأقل. فقد تنفصل منطقة فيميتو الغنية عن إيطاليا، على سبيل المثال، ما دامت تحافظ على تحويلاتها المالية إلى الجنوب. وعلاوة على ذلك، ينبغي منع الدولة الجديدة من إقامة حدود جديدة وإجبارها على ضمان حق سكانها في الحصول على جنسية ثلاثية (جنسية الدولة الجديدة، وجنسية الدولة القديمة، والجنسية الأوروبية).
تشكل أزمة كتالونيا إشارة قوية من التاريخ إلى أن أوروبا تحتاج إلى تطوير نوع جديد من السيادة، يعمل على تعزيز المدن والمناطق، وتذويب الذاتية الوطنية، ودعم المعايير الديمقراطية. وسوف تعود الفوائد المباشرة على أهل كتالونيا وأيرلندا الشمالية، وربما أهل اسكتلندا (الذين يحصلون بهذه الطريقة على الفرصة للخروج من بين فكي الخروج البريطاني). ولكن أوروبا ككل هي المستفيد الأكبر في الأمد الأبعد من هذا النوع الجديد من السيادة. والواقع أن تصور ديمقراطية تشمل أوروبا بالكامل يمثل شرطاً أساسياً لتصور أوروبا التي تستحق الإنقاذ.

*وزير مالية سابق لليونان، وأستاذ الاقتصاد في جامعة أثينا.
*خاص بـ"الغد"، بالتعاون مع "بروجيكت سنديكيت".

التعليق