الثورة الصناعية الرابعة، هل نحن مستعدّون؟

تم نشره في الأربعاء 15 تشرين الثاني / نوفمبر 2017. 12:00 صباحاً

مثنى غرايبة

رأيت قبل أيام فيديو من العام 1996 يتحدث فيه "خبير" عن مفهوم جديد في عالم التكنولوجيا اسمه "الإيميل". كل الفكرة كانت كأنها ضرب من الخيال، وكانت أسئلة المذيع مثيرة للضحك حتى للأطفال هذه الأيام، كان الضيوف غير مصدقين أن هذا الشيء الغريب المسمى إيميل سيسمح لهم بالتخلي عن الكثير من الورق.
اليوم ما ستستبدله التكنولوجيا ليس مقتصراً على الورق، فحسب العديد من الدراسات منها في أوكسفورد من المتوقع أن تُستبدل 47 % من الوظائف الموجودة حاليا بالآلات خلال العشرين عاماً القادمة، ما يشكل خطراً على أرزاق الكثير من الناس ويمثّل تحديا كبيراً أمامنا ونحن في وضعنا الحالي بالكاد قادرون على مواجهة تحدي البطالة. الجيد في الموضوع أننا لسنا الوحيدين غير المستعدين لذلك بعد، فحسب مجلة الإيكونوميست لا توجد حكومة في العالم مستعده لهذا التحدي حتى الآن، ما يحفزّنا لنحاول أن نتهيأ بسرعة لربّما نصبح مركزاً للخبرات في المنطقة قبل الآخرين.
يبدو الأمل بهذا ترفا ونحن نعاني من نسبة بطالة متزايدة تجاوزت ال 18 %، حيث يخلق الاقتصاد الأردني سنويا ما يقارب 85 ألف فرصة عمل حسب أرقام العام 2015، بينما يتقدم سنويا لامتحان الثانوية العامة أكثر من 125 ألف طالب، ما يعني أن هناك فجوة في التوظيف تقارب 40 ألف مواطن سنويا. مشكلة البطالة تحتاج للكثير من الأفعال التي تؤدي لنمو الاقتصاد بشكل كاف يؤدي لخلق فرص عمل اليوم، ولكن من الضروري أن نكون مستعدين على الأقل لأن لا يزداد معدّل البطالة ليصل 50 % خلال عشر سنوات.
وزير التربية والتعليم د. عمر الرزاز صرّح أكثر من مرة بضرورة أن نكون جاهزين لتحديات الثورة الصناعية الرابعة، وأننا سندفع غالياً إن تخلينا عن الاستثمار في مهارات القرن. ومع أن الوزارة بدأت برنامجاً مع مؤسسة ولي العهد وأكاديمية الملكة رانيا لتدريب المعلمين لتطبيق منهاج مؤسسة Hello World Kids  لتعليم البرمجة في 76 مدرسة حكومية من الصف الرابع للسادس، إلا أن الوزارة كما أكّد الرزّاز لم تنجح في التغلّب على هذا التحدّي بعد، لذلك يغدو من الضروري متابعة الموضوع ضمن خطة واضحة حتى لا نصل لنفس النتيجة التي وصلناها في قطاع الطاقة على سبيل المثال، حيث كنا منتبهين لأهمية الطاقة المتجددة وكان هناك قسم لها في الجمعية العلمية الملكية منذ بداية الثمانينيات، ولكننا ما نزال نعتمد على الوقود العضوي بما يقارب 96 %.
 اختفاء 47 % من الوظائف الموجودة اليوم لا يعني عدم خلق بدائل عنها، وبدلاً من الخوف والارتباك من المستقبل والتكنولوجيا علينا أن نكون أكثر حماسة لنكون أكثر استعداداً له، فالآلات ستأخذ الوظائف المملة المرهقة جسدياً وستترك لنا المجال والوقت للبحث في الوظائف التي تتطلب مهارات من نوع مختلف، فعلى سبيل المثال لن نحتاج للكثير من المهندسين المدنيين عندما تصبح البيوت تبنى بطابعات ثلاثية الأبعاد، ولكننا سنحتاج مهندسين لصناعة هذه الطابعات وصيانتها. حسب المنتدى الاقتصادي العالمي المهارات العشر الأبرز اللازمة في السنوات القادمة هي: 1) حل المشكلات المعقدة، 2)التفكير النقدي، 3)الابتكار، 4) إدارة البشر، 5)التنسيق مع الفريق، 6)الذكاء العاطفي، 7) القدرة على الحكم واتخاذ القرارات، 8)Service Orientation 
(9 )  التفاوض، 10) المرونة المعرفية. هذه المهارات من المفروض أن تؤهل الطلاب للأعمال الأكثر انتشاراً وأهميّة في السنوات القادمة وأغلبها معتمدة علىSTEM  (العلوم، التكنولوجيا، الهندسة والرياضيات)، وتقديمها لطلابنا يجب أن يكون أولوية وطنية.
كان تشكيل المجلس الوطني لتطوير المناهج خطوة مهمة لمعالجة القصور الحالي، كلي أمل بأن المركز سيقوم بدوره المهم وسيخرج لنا بمحتوى عصري عقلاني يحضّر طلبتنا للمستقبل ويضع التحديات والمهارات أعلاه ضمن أولوياته، بالإضافة للجانب الثقافي. ومن الضروري تجاوز الأخطاء التي حصلت في المرحلة السابقة التي اختزلت مشكلة المناهج بشكل سطحي ومذعور من وجود المحتوى الديني في الكتب المدرسية، بينما برأيي المشكلة ليست بوجود الدين في المناهج ولكن بغياب ما هو غيره علمياً وثقافياً وتدريس رواية واحدة للتاريخ غير قابلة للنقد والتساؤلات.
عبارة الإمام علي "ربّوا أبناءكم لزمان غير زمانكم" ما تزال معبرّة وصالحة حتى اليوم. لقد أضعنا الكثير من السنوات ونحن نربي أبناءنا ليضيعوا في صراعات الماضي بدلاً من جعلهم مستعدين لبناء المستقبل. الآن أمامنا فرصة علينا أن لا نضيّعها.

التعليق