دور الشركات في تثبيط محادثات المناخ

تم نشره في الأربعاء 15 تشرين الثاني / نوفمبر 2017. 12:00 صباحاً

أحمد زيد أبوحمور

تشارك عدة منظمات تجارية وصناعية في المفاوضات الدولية للمناخ ساعيةً إلى تحويل مجرى المفاوضات لما يلائم مصالحها، الأمر الذي يثبط الوصول إلى حلول للتغير المناخي. تقدمت مجموعة من الدول النامية بمقترح لمنع ممثلي المنظمات التي تخدم مصالح كبار الشركات الملوثة من الحضور إلى طاولة الحوار لكن لم تثمر جهودهم إلى الآن. فإلى أي مدى يصل تأثير تلك الجهات على المفاوضات؟
سنوياً، تتجه الأنظار إلى قمة المناخ العالمية (أو ما يعرف بمؤتمر الأطراف COP) بتأهب وأمل على أن تتفق الأمم على حل لمشكلة التغير المناخي. في COP21 في 2015، حصل تقدم تاريخي ونتج عن المؤتمر معاهدة باريس التي وضعت هدفا بإيقاف الاحترار العالمي عند حد 2 س وحظيت بتصديق دولي. حُددت مهلة حتى 2018 للاتفاق على استراتيجية تطبيق ذلك. أذنت معاهدة باريس بقرب الحل أخيراً بعد 23 عاما من توقيع اتفاقية الأمم المتحدة الاطارية للتغير المناخي UNFCCC. على الجانب الآخر، لطالما كانت تلك المفاوضات مصدر قلق لبعض رؤوس الأموال.
تدرك كبرى شركات الإنتاج النفطي والصناعي الأضرار المباشرة عليها من هكذا مفاوضات. من المؤكد أن التحول للطاقة النظيفة سيضرهم وهم شركات قائمة بشكل رئيس على الاستثمار في النفط والغاز. لذا تحرص على التواجد دائماً في المفاوضات والتأثير على الرأي العام وتحويل الأمور إلى الأنسب لها. كيف تفعل ذلك؟ الإجابة سهلة، يسمح لها رأس المال الضخم بالتدخل على عدة مستويات.
على مستوى قمم المناخ، -وما يثير السخرية- تقوم بعض الشركات بتمويل مؤتمر الأطراف بذاته لجعلها تبدو كجزء من الحل ولتسوق نفسها على أنها فاعلة في مكافحة التغير المناخي والحلول الخضراء. تشير الأرقام إلى أن بعض الشركات الممولة لمؤتمر الأطراف أنفقت من المال على الدعاية الإعلامية لنفسها كممول للمؤتمر أكثر مما أنفقت كدعم مباشر للمؤتمر، في سلوك يعرف بالصبغ الأخضر (Greenwashing).
أشار مسح لمؤتمر الأطراف COP21 في باريس أن غالبية الممولين لم يضعوا فعلياً أي خطة لتقليل انبعاثاتهم، وأن تحركهم المناخي لا يتجاوز دعم مؤتمر الأطراف. على سبيل المثال كان أحد الممولين هو شركة إنجي Engie للطاقة التي تستثمر أكثر من 70 % من رأس مالها في الغاز والفحم الحجري.
عندما سُئلت فرنسا عن سبب قبولها للدعم من شركات كهذه أكدت أن هذه المصادر كانت الخيار العملي الوحيد لتمويل المؤتمر الذي كلف التجهيز له 170 مليون يورو. لمواجهة هذه المشكلة يقترح بعض الباحثين أن تُجبر الدول المشاركة بمؤتمر الأطراف على تمويله كل حسب مقدار الانبعاثات الناتجة عنه.
ما يزيد الطين بلة هو أن عديداً من المنظمات التجارية والصناعية غير الحكومية تحضر مؤتمر الأطراف مع أنها تحت نفوذ عال من الشركات الأكثر تسبباً بالتغير المناخي، وبعضها يعد ممثلاً صريحاً لتلك الشركات مثل منظمة اتحاد الفحم الحجري العالمية. تحضر هذه المنظمات قمة المناخ مدعية أنه يجب إشراكها بالحل وتستغل ذلك للتأثير على عملية صنع القرار، واقتراح حلول تناسب اهتماماتهم والدفع بالحلول المناخية الأنجع بعيداً خارج طاولة الحوار، عدا عن جمع معلومات قيمة تمكنهم من وضع خطط للضغط على الحكومات وتوجهاتها. كمثال آخر، تحضر غرفة التجارة الأميركية المؤتمر وهي التي تتلقى ملايين الدولارات من اكسون موبيل ExxonMobil وتشيفرون Chevron وبيبودي انيرجي Peabody Energy؛ جميعها شركات عملاقة من أكبر ملوثات الكوكب. تروج غرفة التجارة الأميركية أجندات تلك الشركات ولها أثر معروف في تثبيط التقدم المناخي في أمريكا والعالم ومع ذلك تمكنت من الحضور في مؤتمر الأطراف. ان دعوة تلك الشركات والمنظمات إلى قمم المناخ هي أشبه بدعوة مجموعة من اللصوص إلى لجنة لوضع قوانين ضد السرقة!
في السابق تمكنت منظمة الصحة العالمية من اقصاء تأثير شركات التبغ للمحافظة على الصحة العامة وربما هذا ما يجدر على UNFCCC أن تفعله مع تلك المنظمات. في ضوء ذلك، اقترحت مجموعة من الدول النامية ممثلةً لـ70 % من سكان العالم انشاء سياسة "تضارب المصالح" (Conflict of Interests Policy) والتي تجبر كل الأطراف المدعوة على التعبير عن مصالحها وبالتالي منع المنظمات التي تخدم مصالح متعارضة مع الـUNFCCC من الحضور. لم يلق المقترح ترحيب عديد من الدول الصناعية (أو ما يصطلح عليه بدول الشمال) التي هي موطن شركات كبرى ذات نفوذ عالي.
تؤثر تلك الشركات على مستوى السياسة أيضاً. لا شك أن أبرز مثال على ذلك هو حكومة ترامب التي يتشكل معظمها من رافضي التغير المناخي أو موظفين بارزين سابقين في كبرى شركات النفط العالمية. على سبيل المثال، شغل ريكس تيليرسون (وزير الخارجية) منصب رئيس تنفيذي لشركة إكسون موبيل ExxonMobil. يتجذر التأثير أيضاً إلى مستويات أعمق، في 2014 وعندما طُرح سؤال التغير المناخي على الحزب الجمهوري المحافظ (حزب ترامب الحاكم)، 8 فقط قالوا إن التغير المناخي مثبت علميا بينما نفاه 278. يعكس هذا التأثير الفعال لعشرات الملايين من الدولارات التي "يتبرع" بها لوبي الفحم الحجري وغيره للسياسيين الأميركيين، بهدف التلاعب بصنع القرار، والتي يذهب 85 % منها للجمهوريين. مع تلك المعطيات، ليس بالغريب انسحاب الولايات المتحدة من معاهدة باريس سابقاً هذا العام مما يضيف نقطة سوداء جديدة إلى سجل الولايات المتحدة طويل الأمد بتثبيط محادثات المناخ.
على المستوى الأكاديمي، وصل تأثير شركات النفط إلى البحث العلمي فقد أثار تقرير نشرته Los Angeles Times وInside Climate News العلم المسبق لبعض كبرى الشركات الملوثة مثل اكسون موبيل بمشكلة التغير المناخي قبل عقود من اشهارها عالمياً وإنفاقها الملايين لدعم البحث العلمي والدعاية التي تنفي التغير المناخي. إن لم تكتم تلك الشركات علمها فلربما كنا تمكنا من تدارك وتخفيف مشكلة التغير المناخي إلى حد كبير خلال الأربع عقود الماضية.
هكذا تتلاعب كبرى الشركات بمستقبل الكوكب للمحافظة على مصالح مادية لثلة قليلة بينما يعاني الملايين في الدول النامية من الآثار القاتلة للتغير المناخي. يجب تجميد تأثير الشركات في محادثات المناخ.

التعليق