الصحة العقلية والجهاد، هل الإرهابيون الإسلامويون مجانين؟

تم نشره في الخميس 16 تشرين الثاني / نوفمبر 2017. 12:00 صباحاً
  • أبو زكريا البريطاني من "داعش" يبتسم قبل دقائق من تفجير نفسه في هجوم إرهابي - (أرشيفية)

روجر-بول درويت - (وورلد كرنتش) 20/10/2017

ترجمة: عبد الرحمن الحسيني

يذكرنا فولتير بأن التشدد الإسلاموي الحاضر اليوم هو نوع من الأمراض المتعلقة بالإيمان
باريس - إذن، من كان ستيفان بادوك؟ هل كان قاتل لاس فيغاس "شخصاً مريضاً جداً جداً" كما وصفه دونالد ترامب؟ أم أنه كان مقاتلاً جهادياً اعتنق الإسلام مؤخراً، كما يصر "داعش"؟ أم كلا الأمرين- أم لا هذا ولا ذاك؟ حتى كتابة هذه السطور، لا يوجد جواب واضح عن هذه الأسئلة. لكن نوعاً مماثلاً من الحيرة يعود مرة بعد المرة مع انتشار أعمال العنف حول العالم. في فرنسا وفي أوروبا وفي الولايات المتحدة، من الهجمات بالسكاكين إلى مجازر الشاحنات، ومن إطلاق النار إلى الهجمات، يعود نفس السؤال ليطفو على السطح: هل نتعامل مع إرهابي "حقيقي" أم مع شخص مريض عقلياً؟ مع متشدد أم مع شخص غير مستقر؟ أعتقد أنه بينما يظل هذا التساؤل مشروعاً، فإنه يظل محدوداً للغاية. والأسوأ من ذلك أنه يعرض خطر جعلنا عمياناً أمام تحليل فلسفي أكثر أساسية، والذي تمس الحاجة إليه.
يرتبط المدى العملي لهذا السؤال بالشرطة، أولاً وفي المقام الأول. فالتحقيق يكون مختلفاً بشكل كبير بالنسبة للشرطة والأجهزة المختصة إذا كان القاتل مريضا نفسانياً ألقي القبض عليه وهو تحت تأثير نوبة جنون، أو إذا كان جهادياً مدرباً يعمل وفقاً لأوامر صدرت إليه كجزء من شبكة تسيطر عليها منظمة ما. وعلى الرغم من كل هذا، فإن الحدود بين الاثنين ليست بالضرورة سهلة التعقب بسبب ميل عوامل متعددة إلى التغطية على بعضها بعضا.
من الممكن أن يكون التشخيص النفسي محدوداً، خاصة إذا تم إجراؤه بعد الحادثة، من دون وجود ملفات عن متابعة مستشفى، والتي تكون مستندة إلى حزمة من الأدلة والمعلومات لما بعد الوفاة. ومن جهته، يستطيع "داعش" في ذروة فترة صعبة يمر بها، الاستفادة من الزعم بامتلاك "امتياز" عمليات قتل ارتكبها أشخاص غير أسوياء، مستغلاً السيناريو الذي تعرضه الأحداث الراهنة لهذا الغرض. وفي النهاية، ولأسباب عديدة، جيدة أو سيئة –وهذا موضوع آخر- يستطيع الإعلام والقوى السياسية البقاء متوجسين، وأحياناً بشكل مفرط.
لكن عين الفيلسوف لا تحدُّها هذه المخاوف. وما يهمنا في المقام الأول هو التعريفات الخاصة بما نتحدث عنه، والمفاهيم المتضمنة فيه. ولكن، سيكون من الصعب جداً إيجاد تعريف يكون واضحاً ومنفصلاً بحق، على هذا المقياس، بين المتعصب والشخص غير السوي. فالإرهابي شخص يتمتع بعقل سليم، لكنه تحول إلى التطرف من دون أن يكون مجنوناً. ويجنح هذا الشخص إلى قتل الغرباء والتضحية بحياتهم في مجزرة، في تجسيد للدعاية الجهادية أو التطرف وليس للجنون. وعلى النقيض من ذلك، يتأثر "الشخص غير السوي" بالذهان الذي يشوش حكمه ويدفعه إلى الهلوسة والمساعي الخيالية والممارسات القهرية.
لا يحتاج المرء لأن يكون عالماً كبيراً لكي يلاحظ أن هناك شيئاً غير سليم في هذه المقاربة. ألا يتشوش حكم المتعصبين أيضاً؟ أليست رؤيتهم للعالم مصبوغة بالهلوسة، والفنتازيا والهذيان؟ من أجل التقيد بتلك الدعاية على الوجه الأكمل، ومن أجل شن هجوم انتحاري، ألا يجب أن يكون الإرهابي غير مستقر ذهنياً؟ أم أنه يتم تدميره وجعله مجنوناً ومشوشاً ذهنياً بفعل التدريب البربري الذي يخضعه له الجهاديون؟
ولفهم المدى الذي نصنع فيه تصنيفات خاطئة بينما نكافح بكل ما أوتينا من قوة لنضع شخص المقاتل في مقابل الشخص المريض، سوف يكفي أن نعيد قراءة فولتير. ما الذي يسميه "التعصب"؟ "جنون ديني وحشي ظلامي"، " ومرض العقل". بالنسبة إليه، لم يكن هناك تمييز بين التشدد المتعصب والمرض النفسي. "عندما يكون التعصب قد أفسد الدماغ، يصبح المريض غير قابل للشفاء تقريباً". وكيف يعمل ذلك؟ "إنه تأثير الضمير الزائف الذي يجعل الدين عبداً لتقلبات الخيال ولتشوش العواطف" كما كتب الفيلسوف الفرنسي في مقدمته عن التعصب في عمله "المعجم الفلسفي" في العام 1764.
على الرغم من أن هذه المفردة أصبحت قديمة، فإن الأفكار التي تقف وراءها تظل حية. إن التعصب مرض نفسي بالإيمان الديني. والمعيار الأكيد الوحيد الذي يفرق بين مؤمن "عادي" وبين متعصب -الذي يبدو غير مستقر بالتعريف- هو فرض الحقيقة بواسطة العنف. ويريد المتعصب فرض ما يعتبره صحيحاً على كل الآخرين؛ على المجتمع، وعلى العالم وعلى التاريخ -وبأي وسيلة، بما فيها أكثر الوسائل بعداً عن الإنسانية. ويجد المتعصبون أعمالهم مبررة في عيون أنفسهم، بالحقيقة الوحيدة التي يؤيدونها. فالتعصب هو الرفض المطلق للتعددية. وبهذا المعنى، فإنه يكون جنوناً على الدوام.

*نشر هذا المقال تحت عنوان:
Mental Health And Jihad, Are Islamic Terrorists Insane?

abdrahaman.alhuseini@alghad.jo

التعليق