مسرحية "المغتربان" الفلسطينية تطرح سؤال "الوطن ام المال"

تم نشره في الثلاثاء 21 تشرين الثاني / نوفمبر 2017. 12:00 صباحاً

عمان - طرحت المسرحية الفلسطينية "المغتربان" من اخراج ايهاب زاهدة والمأخوذة عن نص "المهاجران" للكاتب البولندي سلافومير ميروجيك، سؤالا ضمنيا حول "الوطن ام المال" في العرض الذي قدم مساء أول من أمس على مسرح محمود أبو غريب بالمركز الثقافي الملكي ضمن فعاليات مهرجان الأردن المسرحي في دورته الــ24.
وتناول العرض المسرحي الذي نهض على تميز الاداء التمثيلي للفنانين محمد الطيطي ورائد الشيوخي، قصة شخصيتين من ذات البلد إلا انهما تنتميان لعالمين مختلفين، يعيشان في أميركا بعيدا عن وطنهم، ويتقاسمان غرفة في قبو عمارة تحيط بها انابيب المصارف الصحية، وتسعى إحدى الشخصيتين لجني المال من خلال عمل شاق على أمل العودة إلى الوطن، فيما الثانية التي تمثل رجلا مثقفا وناشطا سياسيا اختار المنفى على ما عايشه من فساد في وطنه، تبحث عن الوطن الذي لا يستطيع العودة إليه من خلال الشخصية الأولى التي تناقضها تماما وقبل بمشاركتها مسكنه وانفاقها عليه.
وفي القبو البائس الذي يمثل عالما سفليا لهما تعلوه شقق تمثل العالم الفوقي ليعكس العرض والديالوجات الهوة بين العالمين، لاسيما أن الحدث الدرامي يدور ليلة رأس السنة، لتعميق الهوة بين العالم الفوقي الذي يعيش في رغد، مبتهجا ومنتشيا، وهو يستقبل عاما جديدا، والعالم السفلي الذي يجتر معاناته وبؤسه، ويتخبط في أحلامه وأوهامه.
وتتجلى في العرض شخصية المثقف الجادة، الذي رغم إجادته اللغة الانجليزية، ومعرفته بطريقة تفكير الأميركيين وأسلوب حياتهم، لم يستطع الاندماج في مجتمعهم، ربما لأنه يعرف في قرارة نفسه أنه منبوذ منه تماما مثل شريكه العامل وهو ما عبرت عنه حوارات العرض بين الشخصيتين، وفي الوقت الذي تبدو فيه أزمة الشخصية الأولى التي تعمل في حفريات وتمديد قنوات التصريف الصحي، مادية، معتقدا أنه إذا جمع المال الوفير وعاد إلى وطنه يستطيع أن يفرض احترامه على الآخرين، ولذا يستمر في العمل رغم اشواقه لاسرته، مقترا على نفسه في كل شيء.
وفي سياقات العرض تبدو مشكلة المثقف أكبر، فهي تتعلق بالنظام الاستبدادي الحاكم في بلده، حيث يصعب عليه العودة إلى مكان لا يستطيع أن يمارس فيه حرية التفكير والتعبير، وقد خيرته السلطة بين البقاء في الوطن صامتا أو المغادرة والنفي الاختياري، وهو يعمل في منفاه على تأليف كتاب يريد أن يوظف شخصية زميله في المسكن فيه نموذجا ليثبت أن العبودية غريزة في مجتمعه، فهو يعتبره عبدا للمال وللشهوة والوهم وللنظام الحاكم، ونموذجا للمواطن المقموع، ولذا يمارس عليه بحثه التنظيري، ويشهر عليه مشرطه النقدي الحاد، معرّيا حياته وعاداته وشهواته شيئا فشيئا.
وفي ظل تصاعد الحوار بين الشخصيتين الذي يأخذ طابعا متوترا، يفاجئه الاخر البسيط المادي، ويطيح بنظرياته حين يمزق ما جمعه من مال في حالة انفعال نتيجة ضغط المثقف المتزايد عليه، ليعلن تحرره مما يعتقده المثقف نوعا من العبودية الملازمة لشخصيته، في الوقت الذي يستغرب المثقف تصرفه، وينعته بالجنون، وعند لحظة التحول الدرامية هذه تختل موازين الأمور في ذهن المثقف من جديد فيمزق ما كتبه، ليصعد في الشهد الختامي المنضدة التي تتوسط الخشبة التي تعلوها ربطة عنق متدلية في دلالة عن شنق نفسه. - (بترا)

التعليق