استيراد من أميركا النوايا كانت طيبة

تم نشره في الأربعاء 22 تشرين الثاني / نوفمبر 2017. 12:00 صباحاً

يديعوت أحرونوت

ناحوم بارنيع  21/11/2017

نعيش في عصر تغييرات سريعة في المعايير الاجتماعية. ومن السابق لأوانه أن نقرر اذا كان ما نراه هو فجر يوم جديد أم مصابيح قطار نزل عن الخطوط. المؤكد هو أن المسيرة مشوقة. ففي الولايات المتحدة تحدى انتصار ترامب سلسلة من البقرات الليبرالية المقدسة، كل بقرة وقدسيتها. وثمة من يعلق الذنب على سياسة الهذيان، التي قدست كل أقلية وأقلية فرعية، كل لون عرقي باستثناء اللون الابيض، وكل جنس باستثناء الرجال مستقيمي النزعة الجنسية؛ ثمة من يعلق الذنب على نزعة السلامة السياسية، التي أملت على الناس ما هو مسموح لهم قوله وما هو محظور، بخلاف طبيعتهم؛ هيلاري كلينتون مثلت في نظر ملايين الأميركيين نخبة متعالية، منقطعة عن الواقع، تفرض عليهم قيما غريبة على روحهم. أما ترامب فقد يكون مهرجا يقفز في المقدمة، ولكن التمرد على النخبة الليبرالية أصيل تماما.
من يقول، سرنا شوطا أبعد مما ينبغي. فقدنا الشعب: نحن ملزمون بأن نجد الطريق مرة أخرى. وثمة من يقول، العكس هو الصحيح، بدلا من الخوف من الثورة لنركب عليها، هذا هو أحد التفسيرات للنجاح الساحق لمشروع "أنا أيضا" - #Me too، المشروع الذي في إطاره تتهم النساء الرجال ذوي المواقع المتنفذة بالتحرش بهن.
كما هو متوقع، تصل هذه الصراعات إلينا. احيانا شيء ما يحصل لها وهي في الطريق، مثلما في حالة رئيس حزب العمل. آفي غباي يتبنى سياسة الهويات، شريطة أنها تتركز في هوية واحدة. ففي مقابلة منحها الاسبوع الماضي قال إن هذا هو الطريق لاحتلال مصوتين تقليديين. "أنا الهوية"، قال وفصل لماذا: أنا من أصل مغربي، ابن لعائلة عمال، تربى في معبر، يعرف كيف تبدو وجبة السبت، نجح في الحياة.
مسألة مشحونة اخرى هي حرية التعبير – قيمة مقدسة في أميركا. حتى صعود ترامب كانت في قدس اقداس اليسار الليبرالي. أما اليوم فهي تسكن في اليمين. مل الناس السلامة السياسية، ملوا كم الأفواه، يقول ترامب. فالناس الطيبون موجودون حتى بين النازيين الجدد. من حقهم أن يجروا المسيرات، من حقهم أن يقولوا رأيهم.
لقد دارت رحى الصراع في الجامعات أساسا. سيغال ريدي بن فورات هي إسرائيلية تعمل استاذة في التعليم في جامعة بنسلفانيا. وهي تترأس لجنة حرية التعبير – لجنة مهمتها السماح للطلاب بالتعبير عن آرائهم دون المخاطرة أو المس برفاقهم. كتاب نشرته مؤخرا ("Free Speach on Campus") يروي عن المواجهة مع العصر الجديد. فجماعات راديكالية من اليمين ومن اليسار تتقاتل في سبيل حقها في التحريض ضد جماعات اخرى، وبالتوازي تطالب الجامعة بكم أفواه الجماعات الخصمة وأفواه المحاضرين. أما ريدي بن فورات فتعرض سلسلة من السبل لحفظ حرية التعبير دون اقصاء الخصم.
هذا ينجح احيانا، واحيانا لا. وتشهد حالة نائبة وزير الخارجية، تسيبي حوطوبيلي، التي دفعها طلاب يهود من اليسار إلى إلغاء كلمتها في جامعة برنستون. وقد عادت من هناك مع شعور بالاهانة، مع استنتاجات بعيدة المدى، صبيانية، عن الجالية اليهودية في أميركا. حوطوبيلي نسيت ماذا يعني أن نكون يهودا.
إن الدرع الاكبر الذي يحمي حرية التعبير في البلاد هو المحكمة العليا. لقد اتهم اليمين محكمة العدل العليا بالنزعة اليسارية، ولكنه عرف كيف يستغل تسامحها حتى النهاية، بما في ذلك في اشهر التحريض التي سبقت اغتيال رابين. وفي الكنيست الحالية سار اليمين خطوة اخرى: مشاريع القوانين التي يطرحها إعضاؤه تستهدف منع النقد عن جمعيات اليسار، عن الصحفيين، عن محققي الشرطة وحتى عن مراقب الدولة، ولكنها تحمي حرية التعبير للكهانيين الجدد. هذا ما تعلموه من ترامب.
تقبع القيم الليبرالية هي الاخرى في اساس حملة #Me too. فالنساء اللواتي تضررن بالتحرشات الجنسية يسعين إلى فرض ثقافة اخرى، متساوية، في العلاقات بين الجنسين. الهدف مقدس؛ أما الوسيلة فأقل. قد يحصل للحملة ما حصل للحملات الاخرى التي خاضها اليسار الأميركي. بدلا من أن تحسن الوضع فإنها تبعث ردود فعل مضادة: مصداقية النساء ستكون موضع شك، وفي النهاية ستفقد تأثيرها. سيحصل لها ما حصل، كما يبدو، لمنظمة "نحطم الصمت".
في نهاية الاسبوع اجريت مقابلة صحفية مع الصحافية القديمة هداس شتايف، من زعيمات الحملة. وروت أنها تعرضت للتحرش الجنسي من اربعين رجلا، ليس أقل. آمل أنه مسجل في دفترها 40 اسم، مراجعة ومثبتة، وإلا فإنها تكون قد أضرت بنفسها وبالحملة. لقد ذكرني هذا بكتاب جميل للاطفال كتبه افرايم سيدون. في الكتاب يروي الجد القصص لاحفاده. أما الحفيد الشكاك فيعقب قائلا: "هذا لا يحتمل أن يكون. يا جدي. أنت تقول هراء".

التعليق