عودة حذرة إلى الرقة

تم نشره في الخميس 23 تشرين الثاني / نوفمبر 2017. 01:00 صباحاً

ياسين الحاج صالح*

برلين- في منتصف تشرين الأول (أكتوبر)، نجحت قوات سورية الديمقراطية، الميليشيا ذات الأغلبية الكردية التي تدعمها الولايات المتحدة والتي تربطها علاقات بحزب العمال الكردستاني في تركيا، في "تحرير" مدينة الرِقة، مسقط رأسي، من قبضة مقاتلي تنظيم الدولة الإسلامية (داعش). ولم يقدم العرب الذين يشكلون غالبية سكان المنطقة أي مساهمة تُذكَر في طرد التنظيم. وفي المدينة حيث كان السكان المحليون لفترة طويلة يُلفَظون إلى مرتبة المواطنين من الدرجة الثانية، كان انتصار حزب الاتحاد الديمقراطي -الفرع السوري لحزب العمال الكردستاني- سبباً في تأجيج المخاوف من أن يكرر التاريخ نفسه.
كان الناشطون من الرقة يشيرون منذ فترة طويلة إلى مدينتنا الخربة المهدمة بوصفها "مستعمرة داخلية"، نظراً لتاريخها الطويل من التهميش الاقتصادي، والسياسي، والاجتماعي على يد الحكومات السورية. وفي أوائل سبعينيات القرن العشرين كانت مدينة الرِقة -الصغيرة والفقيرة آنذاك- تتحرك برغم ذلك إلى الأمام وتزدهر. وكانت المدارس تتكاثر مع تزايد أعداد الملتحقين بها. وكانت الخدمات العامة أخرى آخذة في التحسن أيضاً، وتصور الآباء أن أبناءهم سيعيشون حياة أكثر ازدهاراً من تلك التي عاشوها هم والأجيال التي سبقتهم.
كان هذا بكل تأكيد اعتقاد أبي وأمي اللذين ضحيا بالكثير لتربية أبنائهما التسعة. لم يشعرا بالسعادة عندما أصبح أبناؤهما الأكبر سناً في السبعينيات شيوعيين معارضين بقوة لنظام حافظ الأسد (والد بشار الأسد). ولكن هذا لم يكن تحولاً غير وارد في مدينة حيث كان الناس يَدَّعون لأنفسهم هويات جديدة -مثل الناصرية، أو البعثية، أو الإسلامية، أو الشيوعية- مستصغرين من شأن أصولهم الإقليمية والقَبَلية.
ولكن، عندما اعتُقِلت في العام 1980، كطالب جامعي في حلب، بدأ المستقبل الذي تصوره أبي وأمي يتبخر في الهواء. وبعد خمس سنوات، اعتُقِل ابن آخر لهما، ثم أعقبه ثالث بعد ستة أشهر. ثم توفيت أمي بمرض السرطان في حين كنا نحن الثلاثة في السجن، ولم تكن هذه الحال استثنائية للسوريين في ذلك الوقت. إذ كنا بين كثيرين من مختلف عناصر الطيف السياسي والإيديولوجي الذين اعتقلوا وعُذِّبوا لأنهم تجرأوا على معارضة نظام الأسد. وقد عانى السوريون من القمع الشديد، حيث أُنكِر على الناس حقهم في التجمع أو حتى مناقشة القضايا علناً، واختُزِلَت سورية في صحراء سياسية.
لم أخرج من السجن حتى العام 1996، عندما كنت في الخامسة والثلاثين من عمري. وعندما عدت إلى الرِقة آنذاك، بعد ستة عشر عاماً وراء القضبان، أذهلني ما فعله نظام الأسد -الذي كان عمره في السلطة 26 عاماً في ذلك الوقت، بمدينتي. لم أجد أي أثر للحياة السياسية أو الحوار العام، ولم أر شباباً يتحدثون عن الكتب التي يطالعونها أو الأفلام التي يشاهدونها. وقبل اعتقالي، كانت في الرقة ثلاث دور سينما. وعندما أطلق سراحي وجدت داراً واحدة، وكانت تستخدم في الأغلب لاستضافة حفلات الزفاف.
بحلول ذلك الوقت، كانت عبادة حافظ الأسد قد حلت محل إرادة السوريين الحرة. وكانت صور الأسد الأكبر منتشرة في كل مكان؛ وبين أول المعالم التي استقبلتني عند إطلاق سراحي، كان تمثال ضخم للرئيس. وكانت الجدران مغطاة باقتباسات مبتذلة تافهة من الخطب الجوفاء التي كان يلقيها "سيد الأمة".
كانت مدينة الرِقة تشهد انحداراً سريعاً في ذلك الوقت، وعلى مدار العقد التالي، تفاقم اليأس وتعمق في المدينة. وبحلول العام 2007، وصف عبد الله الدردري، نائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية وكبير مهندسي الإصلاحات الاقتصادية (التي قاطعتها الحرب الأهلية في العام 2011)، مدينة الرِقة بأنها المدينة التي طواها النسيان لفترة طويلة. ثم عمل وصول "داعش" على التعجيل باستعمار حاضرتي العابرة.
من المؤسف والمحزن أن يظل شعور الحصار باقياً حتى بعد رحيل "داعش". فالآن تسيطر على الرِقة قوات غربية ووكيلتها، ميليشيا حزب الاتحاد الديمقراطي، التي تدين بالولاء لقادتها في تركيا. وكان من أوائل الأشياء التي فعلها محررونا/محتلونا الجدد من حزب الاتحاد الديمقراطي بعد إعلان النصر، هو استعراض هويتهم الأجنبية بوضع صورة ضخمة لزعيم حزب العمال الكردستاني السجين، عبد الله أوجلان. ولم يُعرَض أي رمز سوري إلى جانبه. والأسوأ من ذلك أنه بعد عملية عسكرية دمرت 90 % من المدينة وقتلت نحو 1800 من سكانها، لم يبدأ حكام المدينة الجدد حتى في إزالة الجثث المدفونة تحت الركام والأنقاض. وبدلاً من ذلك، مُنِع أولئك الذين أقاموا في المدينة لفترة طويلة من العودة إلى ديارهم.
من منظور أولئك الذين يحملون ذكريات بعيدة مثلنا، من المستحيل أن لا نعقد مقارنات مع الحكام السابقين -نظام الأسد و"داعش". (المنظمة الفاشية التي تسميها وسائل الإعلام الغربية ISIS -الاسم الذي يُضفي عليها صبغة إسلامية، ويُطلَق عليها في العالَم الإسلامي اسم "داعش"، وهو الاسم الذي صاغه أخي خالد عندما كان في السجن معي في الثمانينيات).
الأمر المختلف هذه المرة هو المسيرة الحتمية نحو الصِراع العرقي. إذ إن ضحايا المدينة السابقين هم أحدث ضحاياها الآن أيضاً. فالآن، يعيش سكان المدينة المستغلون، المفقرون، الممثلون تمثيلاً ناقصاً، والمجردون من حقوقهم الإنسانية، تحت ظروف أشد سوءاً، وأكثر تهميشاً من أي وقت مضى. ويجري التعامل مع السكان المحليين كقبائل، وفقاً للنموذج الاستعماري الحديث.
لم يكن "تحرير" الرِقة لنا. فقد أصبح سكانها أشد عُرضة للإقصاء والإبعاد من أي وقت مضى. وصارت نضالاتنا في الماضي من أجل الحرية والعدالة موضع تجاهل. وما يزال السكان المحليون الذين قاتلوا ضد "داعش"، والذين اختفوا على أيدي ذلك التنظيم (بما في ذلك أخي فِراس، الذي اختُطِف في تموز (يوليو) 2013)، مفقودين. وكان تنظيم "داعش" بمثابة الوحش المثالي لكثير من المحتلين المستعمرين الحريصين على الظهور في هيئة أقل حقارة وخِسة من حقيقتهم.

*ناشط سوري، يكتب لموقع الجمهورية، وهي مجلة للشؤون السياسية برعاية المنحة الأوروبية للديمقراطية.
*خاص بـ"الغد"، بالتعاون مع "بروجيكت سنديكيت".

التعليق