"والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه، والذي خبث لا يخرج إلا نكدا"

تم نشره في الجمعة 24 تشرين الثاني / نوفمبر 2017. 12:00 صباحاً
  • مسجد في أندونيسيا في شهر رمضان الماضي - (أرشيفية)

د. محمد المجالي

اشتهرت سورة الأعراف بأنها عرضت قضايا العقيدة من خلال القصص، فهي حافلة بذكر مجموعة من قصص الأنبياء عليهم السلام، بينما عرضت سورة الأنعام قبلها قضايا العقيدة من خلال عرض آيات الله تعالى في النفس والكون، ولكن الشائع في القرآن أنه لا يأتي على صورة محددة منتظمة، فللسياق متطلباته، وللمعاني التي يريد الله تعالى أن يؤسسها في النفس والعقل مستلزماتها، ومن هنا نجد في سورة الأنعام قصة إبراهيم عليه السلام في شأن عبادة قومه للكواكب والنجوم في سياق الحديث عن العقيدة، وكذلك نجد في سورة الأعراف ما له علاقة ببعض آيات الله المبثوثة في النفس والكون، ولكن الغالب متعلق بالقصص، وهكذا.
ومن الآيات التي وردت في سورة الأعراف وتتحدث عن آيات الله المبثوثة هذه الآية: "والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه، والذي خبث لا يخرج إلا نكدا، كذلك نصرف الآيات لقوم يشكرون"، جاءت بعد الحديث عن قصة آدم وإبليس، والحديث عن طبائع البشر بعد شرح كيد الشيطان وما يمكره ضد الإنسان، ثم جاء الحديث عن أصناف أهل الموقف يوم القيامة، أصحاب الجنة وأصحاب النار وأهل الأعراف، والحديث عن حقيقة القيامة، وبعدها جاءت آيات متحدثة عن خلق السماوات والأرض وتسخير الشمس والقمر والنجوم، فله الخلق والأمر سبحانه، والإرشاد إلى دعائه تعالى، والنهي عن الفساد في الأرض، وأنه تعالى يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته، فتقل سحابا ثقالا يسوقه الله تعالى إلى حيث يشاء، فيخرج به أصناف الثمرات، وهنا يأتي قوله تعالى: "والبلد الطيب.."، وبعدها يبدأ مسلسل القصص ابتداء بنوح عليه السلام.
هو القرآن يبين قدرة الخالق سبحانه، إذ لا يعجزه شيء سبحانه، ويبين حكمته تعالى ويرشد إلى ما فيه النجاة والفوز العظيم في الآخرة، فهذا التسلسل في الآيات ينبئ بلا شك عن ضرورة التجاء الإنسان إلى الله، فكلنا فقراء إليه سبحانه، يحب من عبده أن يدعوه ويلجأ إليه ويتذلل له، خوفا وطمعا، فملكوت السماوات والأرض بيده، وهو مسير السحاب ومنزل الماء، وهو القادر على كل شيء سبحانه.
نفهم من الآية أنها تشبيه لحال الناس مع هذا الوحي، وتصديق ذلك ما قاله ابن عباس في الآية: هذا مثل ضربه اللّه للمؤمن والكافر، وقال البخاري عن أبي موسى الأشعري قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: "مثل ما بعثني اللّه به من العلم والهدى كمثل الغيث الكثير أصاب أرضاً، فكانت منه نقية قبلت الماء فأنبت الكلأ والعشب الكثير، وكانت منها أجادب أمسكت الماء فنفع اللّه بها الناس فشربوا وسقوا وزرعوا، وأصاب منها طائفة أخرى، إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ، فذلك مثل من فقه في دين اللّه ونفعه ما بعثني اللّه به فعلم وعلم، ومثل من لم يرفع بذلك رأساً ولم يقبل هدى اللّه الذي أرسلت به".
ينبغي على العاقل أن يركز على وصفيْ الطيب والخبث، وينطلق في حياته لتأكيد معاني الطيب وتجنب معاني الخبث، ولا يحكم ابتداء على أن الله خلقني هكذا، فالفطرة السليمة قد خلقنا جميعا عليها: "كل مولود يولد على الفطرة"، ولكن التقلبات والمؤثرات هي التي جعلت بعضنا طيبا وبعضنا خبيثا، فليغير الإنسان من نفسه نحو الأصلح والأفضل والأقوم.
ونلحظ في الآية مسألة الشكر، فالله يصرف مثل هذه الآيات ويجعلها ماثلة للعيان كي يدرك الناس حكمته تعالى وقدرته، ويشكروه على نعمه سبحانه، والشكر عمل، وإن التزمه العبد زاده الله في العطاء: "لئن شكرتم لأزيدنكم"، ولذلك لا نغفل بأي حال ما جاء في الآية قبل هذه من تصريف الله تعالى الأمور وحكمته في تسييرها وتصييرها حسب علمه تعالى بالبشر، فنكون أيضا من المتقين العابدين الشاكرين كي تنالنا رحماته سبحانه، ونتجنب أن نكون من الخبثاء الذين يحرمهم الله تعالى فضله.
مطلوب من الأمة أن تعتبر وتنيب إلى خالقها سبحانه، وأن تدرك فضله وأنه يمهل ولا يهمل، وأنه يملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته، وأنه تعالى يستدرج العبد، وربما يعطيه ويعطيه حتى يظن أنه قادر على نفع نفسه، ولكنه في لحظة ما يأخذ منه كل ما أعطاه، ومن العجيب أن هذه المعاني جاءت في السورة نفسها بعد أن قص الله بعض القصص، وقبيل التفصيل في قصة موسى عليه اسلام قال الله تعالى: "وما أرسلنا في قرية من نبي إلا أخذنا أهلها بالبأساء والضراء لعلهم يضّرّعون، ثم بدلنا مكان السيئة الحسنة، حتى عفوا وقالوا قد مس آباءنا الضراء والسراء، فأخذناهم بغتة وهم لا يشعرون. ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون...".
الخير كله بيد الله، يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب، ولكنه لا يعطي الآخرة إلا لمن يحب، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرا منها شربة ماء"، وعلينا أن نهيئ قلوبنا للفهم فننتفع بالوحي، وعلينا في الوقت نفسه أن نهيئها للطاعة والتقوى، كي تكون عناية الله ورعايته ومدده سبحانه، فالأمة في حالة من الانتكاس والشك والتردد ربما لم يمر عليها من قبل، لا تلقي لله تعالى ولا لشرعه بالا، وكأنه غير خالق ولا قادر، ولهذا ينتشر بين الناس بعضٌ من فكر الإلحاد أو على الأقل غياب القدرة الإلهية عن تصريف الأمور، وكأن الأمور بيد القوى العظمى ولا حول لنا ولا قوة أبدا، فمثل هذه المفاهيم إن انتشرت ضل الناس واستحقوا عقوبة أعظم، والحال أن مصائبنا من صنع أيدينا، ولا يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.
لنصطلح مع الله تعالى تصورا وعملا، حتى نكون أهلا لرحماته وعطائه ونصره، وما ذلك على الله بعزيز.

التعليق