نادر رنتيسي

"كائن صحي"

تم نشره في الأربعاء 29 تشرين الثاني / نوفمبر 2017. 12:00 صباحاً

كنتُ أعتقدُ أن قراءة الأخبار الصحيّة يمكن أنْ تطيل العمر، أقصد الالتزام الحرفيّ بوصاياها المتناقضة. اشتركتُ مبكراً بالصحيفة الرسميّة، واقتصصتُ أخباراً عديدة من الصفحات الأخيرة، وقرأتها مرّات كثيرة حتى حفظتها. ضبطتُ وقتي على مواعيد الفقرات الصحيّة على الإذاعات المحلية والقريبة، وصرتُ أتبجّح بكل ما أقرؤه أو أسمعه أثناء سير العمل في فترات الشاي وشطائر الجبن والزعتر، أو في زيارات الأعياد وولائم العزاء. اكتسبتُ صيتاً طيّباً بين الزملاء والأقارب بأنّي “صحيّ”، فقد كانت لي هيئة مستقيمة، وبطن مشدودة، وبشرة نقيّة، لا يُتعبني صعود الدرج، وأضحكُ بثقة، أفتح فمي ولا أخشى شيئاً: أسنان بيضاء، ولسان أحمر، ورائحة لا تعطي نكهة غير مستحبّة للكلام!
أدخل العمل، أو مضافة، فأبدو رجلاً شديد البياض، يرتدي مريولاً وحذاء أبيضين، ويوزّع الابتسامات الباردة، أنصحُ المدير باستبدال القهوة بشاي “البابونج”، وفي دقيقة أذكرُ عشرين فائدة “مدهشة” سمعتها في خمس دقائق إذاعيّة، وأهمس لمَنْ يجلس بقربي بأنّ ملعقة واحدة من السكّر تكفي، وأن كل ملعقة سكّر ثانية تنقص من عمره يوماً، فيشربُ الشاي مُرّاً. أخبرُ الزميلة العروس التي تقتطع صفحة وصفات الطبخ الدهنية من الجريدة، أنّ إرضاء المعدة يُسرّعُ أبغض الحلال، بل يجعل الحياة كلها بغيضة، فتقلبُ الصفحة. أنهرُ الطفل عن كيس رقائق البطاطس المقليّة، وأوضّحُ لأبيه في هلع أضرار الزيوت السوداء، وأعطي أمه وصفات تجهيز التسالي والحلويات في المنزل. يبكي الطفلُ؛ فأتحاشى نظراته الكارهة لهذا الكائن الصحيّ! 
ربما صرتُ منفّراً لابنتيّ، كنتُ أغلقُ النوافذ خشية الربو، وأمنع ملامسة الطعام لحبر الجريدة لتأجيل السرطان، امتنعتُ بوضع الكف فوق الصدر للاعتذار عن حبّات الشوكولاتة، وافتعلتُ السُّعال بذوق قليل أمام الزائر المدخّن، ثمّ قلتُ كلاماً غير دقيق من المحفوظات عن مخاطر التدخين السلبيّ. سمعتُ من الناس كلاماً عن عمري الذي سيطولُ دون أن أجري تخطيطاً واحداً للقلب، أو فحصاً احترازياً للمعدة، ولما تعرّضتُ قبل سنتين لإرهاق عام، ومكثتُ في الطوارئ ساعتين تحت المراقبة الزائدة، عدتُ إلى البيت، فوجدتُ زوجتي تنتظرني بأعواد البخور، لم يكن يكفي أنْ أبدّد قلقها بالتقرير الطبيّ الإيجابيّ، بل وعدتُها بأنْ لا أموت إلاّ في الثانية والتسعين، بعد صراع طويل مع الضجر!
قبل دخولي الخمسين، اكتسبتُ عادة غريبة، أذهب إلى بيوت العزاء، القريبة والبعيدة، وأسألُ هناك عن الحالة الصحيّة للمرحوم قبل الوفاة بشهرين، وأستفسر بفضول خارج اللباقة عن النظام الغذائي الذي كان يتبعه. كنتُ بالطبع أثير الريبة، وكأنّي باحث اسكتلنديّ جاء إلى سردق بحثاً عن اكتشاف طبيّ، تبثه وكالات الأنباء، وتنشره الصحف في موقع الصدر على الصفحات الأخيرة. أنا في الخمسين الآن يا زوجتي، أعرفُ أنّي بالغتُ في الوعد، وقد لا أعيش لأكثر من عامين، هذا ما خجل الطبيبُ أنْ يصارحني به. لقد أُصِبْتُ، ولم تنفعني كل الصفحات الأخيرة، ولا المعلومات الإذاعية العابرة.. نادمٌ لأنّي عشتُ حياة سليمة بلا أخطاء، وسأغادرها بإصابة خبيثة، قالت الصفحة الأخيرة إنّ الوقاية لا تمنعها، وإنّ سببها قد يعود للحظّ فقط.. ونادمٌ أيضاً على كلّ أكواب "البابونج"!

التعليق