الإرهاب في سيناء

تم نشره في السبت 2 كانون الأول / ديسمبر 2017. 01:00 صباحاً
  • جندي مصري أمام إحدى الكنائس التي تعرضت لاعتداءات إرهابية في مصر-(ا ف ب)

y net
يورام شفايتسر واوفير فينتر
1/12/2017

لقد كان الهجوم الارهابي الذي نفذ في مسجد الروضة في بلدة بئر العبد في شمال شبه جزيرة سيناء في 24 تشرين الثاني، من نشطاء لواء سيناء فرع الدولة الاسلامية داعش في مصر وتسبب بموت اكثر من 300 مواطن واصابة اكثر من 100، هو الهجوم الاكثر فتكا الذي تشهده مصر في تاريخها. ففضلا عن حجم القتل الاستثنائي، كان استثنائيا أيضا في هدفه: نشطاء سنة سلفيون جهاديون ذبحوا مصلين سنة، ينتمون إلى المسجد الصوفي. الصدمة والهزة واضحان في مصر منذ العملية ويطرحان السؤال هل ستحدث هذه نقطة انعطاف في السياسة المصرية العامة ضد الارهاب، أم ربما النظام المصري الذي يميل لان يرى سيناء كساحة خلفية في الدولة، سيكتفي برد عسكري عادي، أي قصف من الجو، تعزيز رمزي للقوات واثقال اليد على السكان المحليين المشبوهين بالتعاون مع نشطاء لواء سيناء.
من زاوية نظر التنظيم، يفترض بالعملية القاسية ان تخدم سلسلة أهداف عملياتية وفكرية: أولا، استعراض قوة الدولة الاسلامية لفترة تتراجع فيها في العراق وفي سوريا وتتحداها جماعات ارهابية منافسة (بالتوازي مع لواء سيناء المتماثلة مع الدولة الاسلامية تعمل في مصر وفي سيناء جماعات تتماثل مع القاعدة والإخوان المسلمين).
ثانيا، احراج النظام المصري من خلال اظهاره كعديم الوسيلة امام الرأي العام الداخلي والدولي، وتوجيه ضربة اخرى لمساعيه لانعاش الاقتصاد والسياحة في مصر.
ثالثا، تصفية حسابات بين لواء سيناء والسكان المحليين، الذين يتعاونون مع النظام في مكافحته للارهاب في شمال سيناء، وردع السكان المحليين الاخرين من التعاون مع القاهرة.
رابعا، عرقلة التفاهمات التي تحققت في اثناء السنة الاخيرة بين النظام المصري وحماس حول تشديد الرقابة على حدود غزة – سيناء وفتح معبر رفح.
وأخيرا، المس بالمؤمنين بالتيار الصوفي، الذي يعتبره جزء من منظمات الارهاب السلفية الجهادية ككفار خرجوا عن التفسير الطاهر والصحيح للاسلام السني والذين حكمهم الموت.
في أعقاب الإطاحة بالرئيس حسني مبارك، وبقوة اكبر بعد خلع رجل الاخوان المسلمين محمد مرسي عن الرئاسة، اصبحت شبه جزيرة سيناء مركزا للنشاط الارهابي الذي تقوم به جماعات سلفية جهادية، وعلى رأسها انصار بيت المقدس، التي بعد التحاقها بالدولة الاسلامية غيرت اسمها لتصبح "لواء سيناء" وعملت بتنسيق مع الدولة الاسلامية وبرعايتها. وأجبر تعاظم العمليات في سيناء النظام المصري على الانطلاق في سلسلة من الحملات العسكرية ضد الإرهاب السلفي الجهادي.
ولكن رغم الجهود العسكرية، تواصلت في شبه الجزيرة العديد من العمليات الارهابية التي أوقعت خسائر فادحة، ولا سيما بين قوات الشرطة والجيش. وتمت معظم العمليات في شمال سيناء حيث وجهت اليها وإلى معقل الإرهاب في منطقة جبل الحلال جل جهود القوات العسكرية المصرية. وفي الوقت الذي نجحت فيه المعركة المصرية المتعاظمة ضد الارهاب في سيناء في ان تضرب في اثناء العام 2017 العديد من الارهابيين وكبار زعمائهم، وقلصت أيضا عدد العمليات، فإن الهجمات التي اخرجت إلى حيز التنفيذ اصبحت مركزة واكثر فتكا. وبين العمليات التي بلغت عنها السلطات المصرية في السنة الاخيرة كان قتل 9 افراد من الشرطة في كانون الثاني في العريش و 26 جندي و 7 مواطنين في منطقة رفح في تموز، واضافة إلى الهجمة في ايلول غربي العريش، التي تسببت بموت 18 شخصا، بينهم ضباط كبار.
وبالتوازي، نفذت في مصر نفسها هجمات ارهابية عديدة الإصابات في داخل المدن: ففي نيسان نفذت الدولة الاسلامية عمليتين انتحاريتين في كنيستين في طنطا وفي الاسكندرية، تسببتا بموت 49 مسيحيا قبطيا واصابة اكثر من 100 شخص؛ في ايار قتل 29 مسيحيا قبطيا واصيب 20 آخرين في هجمة للدولة الاسلامية على باص كان في طريقه إلى الصلاة في الكنيسة غربي مينيا، وفي تشرين الاول قتل في كمين ينسب إلى محافل الارهاب الاسلامي على طريق الواحات في الطريق إلى الجيزة 16 شرطيا وفقا لتقارير السلطات ونحو 50 وفقا للتقارير من جهات اخرى.
والان، بعد أن اضيف نحو 300 قتيل لإحصاء المصابين بالارهاب يبدو أن على مصر ان تنفذ نفضا للاجهزة عامة في مكافحة الارهاب بشكل عام، وفي سيناء بشكل خاص. ثمة حاجة عاجلة إلى اعادة التنظيم لأجهزة الأمن المصرية، توثيق التنسيق وتعظيم التعاون بين الاستخبارات العسكرية، المسؤولة عن الاعمال في سيناء وبين باقي محافل الامن المصرية، اضافة إلى فرز قوات متفوقة خاصة لجبهة سيناء.
المعركة ضد الارهاب مثلما تعلمت على جلدتها بالطريقة الصعبة الولايات المتحدة في اعقاب هجمة 11 ايلول 2010، فرنسا في أعقاب هجمة عديدة المصابين نفذت في باريس في تشرين الثاني 2015، وحتى إسرائيل، في اعقاب هجمات الانتحاريين في إبان الانتفاضة الثانية في اعوام 2001 – 2005، تستوجب التنسيق، التعاون الاقصى وازالة الحواجز البيروقراطية، بين كل اجهزة الامن. هذا شرط لازب. والعنصر الجوهري الثاني في تحسين النجاعة هو الحصول على معلومات استخبارية نوعية ودقيقة.
مثل هذه المعلومات تسمح بالضرب المركز للجهات المخططة، المساعدة والمنفذة للارهاب، وخلق فصل بين الارهابيين وعموم السكان. هذا الفصل حيوي من أجل تقليص الدافع للتعاون بين المحيط المدني وبين الارهابيين وتشجيع السكان المحليين على المساعدة بشكل فاعل للسلطات في الحرب ضد الإرهاب. وبالفعل، فإن مشاركة القبائل في سيناء في المعركة، والتي بدأت في الميدان منذ الان، يجب أن تتسع، إذ انها كفيلة بان تحسن حجم ونوع المعلومات الاستخبارية. اما العملية الاخيرة، التي كان معظم ضحاياها من بين ابناء عشيرة السواركة فتشكل فرصة لربط ابناء هذه العشيرة بقوة اكبر في المعركة ضد لواء سيناء، إلى جانب باقي العشائر.
ان التصدي للإرهاب الذي يهاجم المواطنين المصريين جدير بأن يشكل مهمة وطنية مصرية من الدرجة الاولى. ولكن، مثلما صرح الرئيس السيسي في خطاب خاص القاه بعد العملية، فإن المعركة ضد الارهاب في سيناء ليست مشكلة مصر وحدها. فقسم كبير من الارهابيين، ولا سيما في شمال سيناء، يرون أنفسهم ينتمون إلى الدولة الاسلامية التي تشكل تهديدا دوليا. منطقة شمال سيناء هي اليوم واحدة من الجبهات الاكثر اشتعالا في الصراع العالمي ضد الدولة الإسلامية، ولا سيما بعد هزيمتها العسكرية في العراق وفي سورية.
واضح أن الدولة الإسلامية ومؤيديها يتطلعون إلى مواصلة المعركة في اماكن اخرى في العالم، بما فيها في مصر أيضا. وعليه، فمن الحيوي أن تحظى مصر بمساعدة متعاظمة من جانب الشركاء في الكفاح العالمي ضد الارهاب السلفي الجهادي. لن يكون كافيا الدعم الأميركي الذي يتلخص بتغريدات الرئيس ترامب على التويتر، بل مطلوب انخراط أميركي لمنح مساعدة جوهرية، ضمن امور اخرى من خلال توريد وسائل قتالية ومعلومات استخبارية ومنح مشورة تنفيذية واستخبارية، تستند إلى تجربة الولايات المتحدة في القتال ضد الدولة الإسلامية في ساحات اخرى.
مصر الفخورة، عليها أيضا ان تبدي انفتاحا على تلقي مثل هذه المساعدة. اما إسرائيل، الشريكة مع دول عديدة في المساهمة الاستخبارية وغيرها في الحرب ضد الارهاب، فكفيلة هي أيضا ان تساعد مصر حتى أكثر من مساعداتها اليوم في الصراع ضد العدو المشترك للدولتين. ان هزيمة فرع الدولة الاسلامية في سيناء حيوي الآن بقدر لا يقل عن ما كان في زمن الدولة الاسلامية في ذروة قوتها إذ أن نيتها المعلنة لاعادة التمترس في الشرق الاوسط تستند إلى شركاء محليين مثل لواء سيناء.
فضلا عن ذلك، على مصر واصدقائها في الاسرة الدولية ان ترافق الجهد العسكري والاستخباري في الحرب ضد الارهاب في سيناء وذلك من خلال الاستثمار الاستراتيجي، الجذري وبعيد المدى في تنمية الاقتصاد والبنى التحتية المدنية في سيناء. فهذا الاستثمار كفيل بان يشكل حافزا للسكان المحليين الذين اهملوا على مدى السنين، كي يقفوا إلى جانب الدولة والنظام. على المعركة الاقتصادية في شمال سيناء ان تترافق مع معركة قضائية، تعليمية وفكرية مكثفة وشجاعة ضد التفسير الاسلامي المتطرف. ونجاح النظام في تجنيد التعاون من جانب السكان المحليين ضد شبكة الارهاب في سيناء سيقرر نجاح مصر في حسم المعركة ضد الدولة الاسلامية وشركائها.
ويجب على هذا الاستعداد أن يعطي جوابا مشابها للاغتراب القائم تجاه النظام المركزي في اجزاء اخرى من مصر أيضا. فالشجب من الحائط إلى الحائط للعملية – بدء بجماعة جند الاسلام المتماثلة مع القاعدة، عبر الإخوان المسلمين والحركات المقربة منهم من ناحية ايديولوجية مثل "حسم" وحماس وانتهاء بالدول المؤيدة للإسلام السياسي وعلى رأسها قطر وتركيا – يدل على انه يعتبر اجتيازا للخط الاحمر. لقد سعى خصوم النظام المصري إلى التنكر امام الجمهور المصري والأسرة الدولية من كل تماثل مع المس بالمدنيين الابرياء، فما بالك المصلين السنة المسلمين. ان ساعة الانكسار بالتالي تمنح النظام المصري شرعية داخلية وخارجية – لم يسبق أن كانت له في الماضي – لإجراء الشد المناسب للمنظومة.
لمصر تقاليد طويلة السنين وقدرات ثابتة في مجال مكافحة الارهاب. فقد سبق أن نجحت في التغلب في اواخر التسعينيات على تهديدات خطيرة من جانب منظمات اسلامية متطرفة والقضاء عليها. ورغم التحدي المركب الذي تقف امامه اليوم، وكذا أيضا امام دول اخرى في الشرق الاوسط، يجدر بها أن تتمكن منه، ما ان تقرر بان هذه مهمة ذات اولوية وطنية، فتجند لها المقدرات اللازمة وتنفذ التكيفات التنظيمية الحيوية وتفرز الوحدات المناسب، وتتخذ الاجراءات الاقتصادية – الاجتماعية اللازمة وتنفتح على المساعدات الضرورية. يجدر بهذه المأساة الانسانية والوطنية لمصر أن تشكل دعوة للصحوة لمصر واصدقائها في المنطقة وفي العالم، قبل أن تتعرض لهجمات ارهابية اخرى لا بد ستصل اذا لم تصد وهي ما تزال في مهدها.

التعليق