عن إهانة الإنسان وتحطيم روحه

تم نشره في الجمعة 8 كانون الأول / ديسمبر 2017. 12:00 صباحاً

معاذ بني عامر

أكبر عقوبة يمكن أن يتعرّض لها الإنسان في حياته، هي عقوبة الحرمان من التأويل؛ كلّ ما عداها من عقوبات –ابتداء من استباحة الأجساد، وليس انتهاء بالانطفاء الحضاري- ناتجٌ عنها ضرورةً. إذ يكون الجانب الذي أصّل لوجود الإنسان في هذا العالَم، أعني مَلكاته العقلية، ومَنَحَهُ القدرة على الاضطلاع بدورٍ رئيسي في الفعل بمادة هذا العالم، عبر عمليات الوعي، واستنباط واستقراء ما هو مهم وضروري لإقامة المعمار الحضاري. يكون هذا الجانب قد أهين إهانة كبرى، وذلك بنقل وجود الإنسان من وجودٍ أصيل إلى وجود بالمعيـة. فثمة من يُنمّط له حياته، ابتداءً من لحظة ما قبل الميلاد، وذلك بتوريثه كروموسوماً جمعياً، يتشارك فيه الأبّ والأمّ في إيمان مشترك، يعي خطورة كسر النواميس والقبول بها بصفتها ليس خلاصة جمعية فحسب، بل خلاصاً فردياً أيضاً. ونقل –من ثمَّ- هذا الجين لوليدهما لحظة الولادة، والبقاء معه ليس إلى لحظة الموت –إذا ما قرّ على ما هو عليه، واعتبر أن ليس من حقّه أن يكون فاعلاً في العالم.
ولكي تكون صورة هذا الحرمان أكثر وضوحاً، لا بدّ لي من التأشير ليس على السجّان –فقط- الذي يقوم على تنفيذ حيثيات هذا الحرمان، وتحويله إلى عقوبة دائمة، بل –أيضاً- على مَن يقف خلف هذا السجّان. ولكي أتقدم خطوة ناحية الأمام، سأشير إلى نقطة جدّ مهمة في هذا المقام، متعلقة بالتأويل بصفته منزعاً إنسانياً عظيماً للتعامل مع النصوص، فالكابح الأول للعملية التأويلية هو السعي لتنميط الذهن الإنساني وفقاً لرؤى وتصورات يرى أنها الأقرب إلى الحالة الصوابية التي انبنى عليها معماره الأنطولوجي في هذا العالم، أو بالأحرى التي يُريد أو يطمح لمعماره الأنطولوجي أن ينبني في هذا العالم. فالسجّان الأكبر، الذي يمارس قهراً تأويلياً بحقّ الإنسان، ويسعى إلى تنميطه ابتداءً، وحرمانه من استخدام مكينزماته العقلية في تفكيك هذه النصوص، ليس (حارس النصوص) البَعْدي فحسب،. بل أيضا النصّ –وهو مدار التأويل أساساً- نظراً للخطورة التي قد تنطوي عليها العملية التأويلية في تحرير الإنسان من تبعات نصوص بعينها، لطالما حثّت على استخدام أداة العقل في تفكيك أنساقها.
إذاً، ثمة توارٍ لسجّان آخر، سجّان باطني، غير ذلك السجّان الظاهر للعيان؛ يعمل ابتداءً على التأسيس لعقوبة الحرمان من التأويل، والمتمثل بـ (حارس النصوص) بما يجعل من الإنسان رهنا لقوتين جبّارتين، واحدة تُعاقبه معنوياً وثانية تُعاقبه جسدياً، إن تجرّأ وانتهك النواميس وسعى إلى الخلاص من الرؤى المُؤسِّسة التي أرادت له أن يكون هكذا، وذلك بتجاوز البنى التي تقوم عليها هذه الرؤى، من خلال إعمال ميكانيزمات عقله فيها، وفقاً –أولاً- لمقتضيات شرطه العقلي الآني، وبعيداً –ثانياً- عن أيّ نبرة تخويفية تضطلع بها النصوص من قبل حارسها.
بالتقادم –إذا ما رضي الإنسان بآليات التنميط المبدئي- فإنه يكون قد 1 - (عاقب) نفسه أو 2 - (عُوقب) بالحرمان من التأويل.
1 -   عاقب نفسه طوعاً، إذا ما رضي بالكروموسوم الجمعي الذي وصل إليه بالتوريث، واعتبره خلاصاُ فردياً، سيفقد معناه إذا ما اجترأ عليه وطاوله بالتأويل. فهو يكون قد وضع حداً طوعياً لخياراته في الحياة، لا يمكن لها أن تخرج عن الخطّ المستقيم الذي قرّ في ذهنه كخطٍّ ثابت أبداً.
2 -   عُوقِبَ كرهاً، إذا ما أراد أن يجترح لنفسه نسقاً بعيداً عن الضغوطات النصية التي عزّزها (حارس النصوص). فهو إذ يخرج، تطاله اليد القوية لحارس النصوص، فما يلبث أن يعود إلى قواعده، راغباً عن مهمة التأويل، وراغباً في العودة إلى ما كان عليه قبل أن يُقدم على خطوة التمرد.
لكن، تبقى مأثرة كبرى للإنسان أن يخطّ طريقه خارج الرقابة المُشدّدة وذلك بإعمال عقله –عبر عملية تأويلية طويلة تحترم الشرط المعرفي في مواضعاته الآنية- في النصّ، بعيداً عن فكرة الخوف على: 1 - الكينونة. 2 - المستقبل. فهو إذ يقدم على هذه الخطوة، فإنه يُؤسّس للإنسان الحُرّ في هذا العالَم، ويدفع باتجاه التأكيد على الكينونة الحقيقية للإنسان، والمُتمثلة بـ تأويل الوجود ضمن شرطٍ معرفي إنساني، لغاية إعادة إنتاجه من جديد، وهكذا دواليك، بحيث لا تنتهي مهمة التأويل وتحريك العقل وإعمال مبضعه في الأنساق النصوصية، فالحراك دائب ودائم، اقتضاء لواقع الشرط المعرفي الإنساني، بحيث لا يعود ثمة لباس قدسي أو يقيني، يمكن أن يتلبس المرء ساعة مبادرته للفعل الوجودي، فهو كائن أصيل في هذا العالَم، لا كائن بالمعية، ومن حقّه أن يكون له قرار مستقل.

التعليق