"كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله ويسعون في الأرض فسادا"

تم نشره في الجمعة 8 كانون الأول / ديسمبر 2017. 12:00 صباحاً

د. محمد المجالي

لا ينبغي للمسلم أن يجامل على حساب الحقائق القرآنية، ولو كان الواقع –فيما يبدو- معاكسا لتوجهات القرآن، فالحق أحق أن يُتّبع، وأحق أن يصرف الانتباه والتركيز له، فالذي خاطبنا في القرآن هو الله العليم الحكيم، والذي يرشدنا إلى الصواب هو الهادي الرحيم، وهذا القرآن حق كله، أحكاما وعقائد وأخلاقا، دستور المسلم وسبيل سعادته دنيا وآخرة.
هذا النص وصف صريح لليهود بأنهم يوقدون الحروب ويسعون في الأرض فسادا، فلئن كان هذا وصفهم كما بينه الله تعالى، فالعجب كل العجب من أمة القرآن، تتلو كتاب الله وتؤمن به، ومع ذلك تثق بهؤلاء وتحسن بهم ظنا، وتريد منهم سلاما وحسن علاقة وثقة وأمنا!! هؤلاء الذين ينبئ تاريخهم عن واقعهم، مع أنبيائهم ابتداء، قتلا وتكذيبا: "أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم، ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون"، فما تظنون مع غيرهم! الذين يعتبرونهم أمميين حميرا، خلقهم الله لخدمة بني إسرائيل، فهم شعب الله المختار.
لا يختلف اثنان بأن معظم اضطرابات المنطقة هي بسبب وجود الكيان الصهيوني في قلب الأمة الإسلامية، مؤامرة حيكت لتبقى المنطقة متأزمة مضطربة متخلفة، ولتكون الوصاية على الشعوب التي تتطلع إلى الحرية الحقيقية لتقرر مصيرها وتنهض من كبوتها بعد استعمار دام عقودا، هؤلاء اليهود الذين ضرب الله عليهم الذلة أينما وجدوا لولا أن الله أمدهم بقوة: ابتلاء للمؤمنين، وأمدهم أولياؤهم بقوة أيضا: "ضُربت عليهم الذلة أينما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس وباؤوا بغضب من الله، وضُربت عليهم المسكنة، ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون الأنبياء بغير حق، ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون"، وهذه آية حشدت أيضا صفات الكفر والقتل والعدوان، ومع ذلك نحسن بهم الظن!!
هذا ديدن بني إسرائيل، إشعال نار الحروب ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا، والإفساد في الأرض بطرق خفية ومعلنة، بما يحتويه هذا الإفساد من كفر وعصيان وقتل وعدوان، ولكن الله لهم بالمرصاد فيطفئ نار الحروب إلا ما شاء منها، خاصة إنْ كانت عقوبة منه وتصويبا لمسار وتنبيها لغافلين، لعلهم يعتبرون.
والعجيب أن سورة –المائدة- احتوت على الآية الصريحة في أن أشد الناس عداوة للذين آمنوا هم اليهود والذين أشركوا: "لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا"، ولا أظن هناك صراحة أكثر من هذه، وهو كلام رب العالمين العليم الخبير، وهو كلام فصل ينبغي استحضاره في أية علاقة بيننا وبينهم، وكيف ننسى علاقتهم بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم، فقد عاهدهم وكتب وثيقة المدينة لحفظ الحقوق، ولكنهم نكثوا وغدروا، وفعلت كل قبيلة من قبائلهم ما سبب لهم العقوبة، فها هم بنو قينقاع يتآمرون على امرأة فيكشفوا عورتها ويتسبب هذا بمقتل مسلم، فيجليهم صلى الله عليه وسلم عن المدينة، وها هم بنو النضير يتآمرون على قتل النبي صلى الله عليه وسلم، وكذلك أجلاهم، أما بنو قريظة فقد تآمروا مع الأحزاب في همّهم استئصال المسلمين، فكانت عقوبتهم الأشد، حيث قتل رجالهم وسبى نساءهم وذراريهم، ويهود خيبر من بعد أيضا نكثوا عهدهم زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فكان مصيرهم الخروج من الجزيرة، وحقق عمر رضي الله عنه ما قاله عليه الصلاة والسلام: "لا يجتمع في جزيرة العرب دينان".
وإن استعراض تاريخهم بعد ذلك يؤكد ما أخبر الله عنهم من إفسادهم وعلوّهم في الأرض علوا كبيرا كما ذكرت آيات سورة الإسراء في مطلعها، وهم الذين ذاقوا من ويلات الازدراء والاحتقار، وهم الذين آواهم العرب المسلمون على وجه التحديد، ومع ذلك يطبّقون ما حصل لهم من ماض مؤلم على الفلسطينيين، فمنطق الأشياء أن من عانى من ألم ما لا يتمناه لغيره، ولكنهم فعلوا بالفلسطينيين ما فعله غيرهم بهم، فيا للعجب من غياب الإنسانية، وصدق الله فهم قتلة الأنبياء فكيف بمن هم دونهم!
لقد بلغ اليهود من الدهاء والمكر أن سيطروا على العالم وعلوا علوا كبيرا، وهو الوصف الذي ذكره الله تعالى في كتابه في صدر سورة الإسراء، وباتوا يتحكمون في القرارات العالمية من خلال اللوبي الصهيوني في أقوى دول العالم، وسيطروا على المال والإعلام، فحكموا فعليا ووجهوا سياساتهم الخبيثة، وهم ماضون في تحقيق أحلامهم، يساندهم تيار نشأ في بريطانيا سابقا وانتقل إلى أمريكا هو ما يسمى بالصهيونية المسيحية، حيث تقول الويكيبيديا "بأن الصهيونية المسيحية هو الاسم الذي يطلق عادة على معتقد جماعة من المسيحيين المنحدرين غالباً من الكنائس البروتستانتية الأصولية، والتي تؤمن بأن قيام دولة إسرائيل عام 1948 كان ضرورة حتمية، لأنها تتمم نبوءات الكتاب المقدس بعهديه القديم والجديد، وتشكل المقدمة لمجيء المسيح الثاني إلى الأرض كملكٍ منتصر. يعتقد الصهاينة المسيحيون أنه من واجبهم الدفاع عن الشعب اليهودي بشكل عام وعن الدولة العبرية بشكل خاص، ويعارضون أي نقد أو معارضة لإسرائيل خاصة في الولايات المتحدة الأميركية حيث يشكلون جزءاً من اللوبي المؤيد لإسرائيل".
 ولعل ما نشاهده الآن من الاعتراف بالقدس عاصمة أبدية لـ (إسرائيل) هو حقيقة ما يمكر به هؤلاء جميعا، وهي الدعوة أيضا ليهودية الدولة، وبناء الهيكل المزعوم على أنقاض المسجد الأقصى، وتهجير الفلسطينيين، وضرب القرارات الأممية بعرض الحائط.
لا يمكن للظلم أن يسود، ولا للباطل أن ينتفخ، وهذه الأمة بحاجة إلى ضربات على رأسها لتصحو وتعي الحقيقة بلا مجاملات ولا تزوير، ومن حق الشعوب أن تصنع مستقبلها بأيديها، وما أجمل التقاء الشعوب بقياداتها لتكون صفا واحدا متماسكا متفاهما، فقد اتضحت الأمور تماما، وما عاد لأحد أن يلتمس العذر ويلجأ لتأويل الأحداث.
إن الثقة والوعي والعمل الصحيح والوسائل الصحيحة كل ذلك مطلوب، وعلينا أن نفرق بين الحذر والجبن، وبين الشجاعة والتهور، فبينها حد بسيط، وبعد ذلك التوكل على الله تعالى، وهو حسبنا ونعم الوكيل، ليقضي أمرا كان مفعولا.

التعليق