تحت الاختبار

تم نشره في الجمعة 8 كانون الأول / ديسمبر 2017. 12:07 صباحاً

قرار ترامب بنقل السفارة الاميركية من تل ابيب الى القدس ليس مفاجئا لكنه شكل ومن غير أدنى شك أكبر تحد تواجهه الامة الاسلامية في معتقدها ووجودها وهويتها. فالأمة التي تحتفل في كل عام بذكرى الاسراء والمعراج ويقرأ اكثر من مليار ونصف المليار مسلم في صلواتهم "سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام الى المسجد الاقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا..." ويدرس أبناؤها تاريخ الحروب الصليبية وتستذكر رحلة عمر بن الخطاب الى القدس ويستذكرون عند كل لقاء او محنة من محن هذه الايام تفاصيل العهدة العمرية التي شكلت احدى اجمل صور التقبل والتعايش والاحترام للاديان. هذه الامة غير مستعدة اليوم للتخلي عن المكان والفضاء الذي شهد كتابة فصول من اجمل فصول تاريخهم الانساني والعقائدي والاخلاقي.
القدس التي شكلت قبابها وكنائسها وساحاتها واسوارها شاهدا على هويتها  وحضورها واهميتها في تاريخ العرب والمسلمين تتعرض اليوم لمحنة كبرى ليس بسبب احتلالها الذي زاد على نصف قرن ولا بسبب التوسع الاستيطاني وجهود التهويد الذي تقوم به سلطات الاحتلال بل لانضمام قوة عالمية كبرى الى هذه الحملة والاعلان عن تأييدها الرسمي لمساعي الاسرائيليين لاعتماد القدس عاصمة لدولة الاحتلال.
 خطورة القرار الاميركي لا تنحصر في انحيازها لاسرائيل ومطالبها على حساب قرارات الشرعية الدولية والإجماع العالمي على اعتبار القدس جزءا من الاراضي المحتلة التي يجري البتّ بمستقبلها من خلال عملية تفاوضية بين الاطراف على اساس القرارات الاممية الصادرة بشأنها بل من جرأة الرئيس الاميركي على مخالفة وتحدي القرارات الاممية متجاهلا حقوق ومشاعر العرب والمسلمين وغير مكترث للآثار المترتبة على فعلته.
الأمتان العربية والاسلامية تعانيان من مشكلات وتحديات متعددة ومعقدة هذه الايام، فمن ناحية شكلت وصمة الارهاب التي ألصقت بهما أحد أهم التهم التي تسعى الدول لدفعها والتنصل منها، ومن ناحية أخرى أسهمت الانقسامات الطائفية والقومية والعرقية والاقتصادية في تفتيت جهود الأمتين وتوسيع الفجوة بين مكوناتهما للدرجة التي جعلت بعضها يتخذ من الخلافات المذهبية اسبابا للعداء والاستقطاب والتحالف مع قوى أخرى تمهيدا لاعلان الحرب على شقيقاتها. ومن ناحية أخرى أدت الحروب الاهلية والتدخلات الاميركية والخارجية تحت شعارات الدمقرطة والتحرير والاصلاح الى تدمير البنى التحتية والانظمة القائمة والمؤسسات للعديد من الدول وإدخالها في حالة من الفوضى والإنهاك والصراعات التي لا تنتهي، الأمر الذي استنفد قواها وأخرجها من دائرة الفعل والتأثير.
الظروف والتحديات الجديدة التي تعاني منها الامة العربية والاسلامية أضافت الكثير لمعاناة الشعوب الناجمة عن الجهل والتخلف والفقر والحرمان من الحقوق والعدالة والتنمية وأدخل الكثير منهم في دائرة اليأس والاستعداد للثورة والتمرد.
إلى جانب كل ذلك أبدى العالم الغربي والنامي تعاطفا كبيرا مع الشعب الفلسطيني وحقوقه، وعبّر العديد من الساسة وصناع القرار في العالم عن رفضهم لقرار الرئيس ترامب وتحفظهم عليه كما أبدت جماهير وشعوب العالم الاسلامي والعربي رفضها للقرار وإصرارها وتمسكها بالقدس باعتبارها القبلة الاولى ومهوى الافئدة ورمز الوحدة والشاهد على تاريخ الامة ومجدها.
لكل هذه الاعتبارات فإن السؤال الأهم المطروح على قيادات الامتين وشعوبهما يتعلق بقدرة هذه القيادات على استثمار هذه اللحظة التاريخية باستصدار موقف عالمي مضاد يشكل مكسبا للقضية ومستقبلها مستفيدين من التعاطف الدولي والتأييد الشعبي والحالة النادرة التي تتوحد فيها مشاعر الامة واهتماماتها ومقاصدها.
الأيام والأسابيع القادمة ستكشف عن مدى قدرة الامة على الخروج من هذه الازمة ومواجهة هذا التحدي بعزيمة ورؤية وإرادة وتخطيط يخرجنا من دائرة الخطب والشعارات الى دائرة الفعل والانجاز. فهل يمكن ان ننجح في العمل معا بعيدا عن السباق والمنافسة على من هو صاحب الفضل وهل يمكن ان تنجح الدبلوماسية العربية والاسلامية في استصدار قرار أممي يعترف بالدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس.

التعليق