عيسى الشعيبي

ترامب.. "على من تطلق الرصاص"؟!

تم نشره في الجمعة 8 كانون الأول / ديسمبر 2017. 12:05 صباحاً

العنوان أعلاه مقتبس من اسم فيلم مصري قديم، مليء بالأفكار التقدمية، اخرجه كمال الشيخ عام 1975، كرد وطني على مجموعة افلام رجعية كانت تشمت بهزيمة مصر عام 1967، وهو من بطولة سعاد حسني ومحمود ياسين، وعدا ذلك فليس لهذا النص صلة بموضوع لا مناسبة لطرحه على النقاش العام، ولا يقع في دائرة الاهتمام الشخصي، لا سيما في هذه الآونة التي يتمركز في موقع القلب منها مسألة نقل السفارة الاميركية من تل ابيب الى القدس، واعتراف دونالد ترامب بالمدينة المقدسة عاصمة لإسرائيل.
فقد بدا لي ان الرجل البرتقالي اللون، في قراره الاحمق هذا، كقاطع طريق راح يطلق النار خبط عشواء، على جملة طويلة من الاهداف الواقعة في مجال رماية بندقية آلية حديثة، سريعة الطلقات، حيث أخذ يصوّب بعضها تجاه اليمين وبعضها الآخر يرمي به ذات الشمال، دون ان يلتفت الى كثير من الاهداف الماثلة امام ناظريه مباشرة، الامر الذي يدفع الى الاعتقاد ان سمسار العقارات، المولع بعقد الصفقات، لا يرى أبعد من انفه، ولا يحسب بدقة مآل ما هو بصدده من قرارات قد ترتد عليه ولو بعد حين.
وأحسب أن أول ضحايا رصاص ترامب، وربما اشدها اهمية على الاطلاق، الصفقة التي كان من المقدر لها ان تدخل سيد البيت الابيض من بوابة التاريخ الواسع، وان تطوبه كصانع سلام، وهي ما اسماها ذات مرة صفقة القرن، التي لن تجد بعد الآن من يشريها بأي ثمن، مهما غلفها البائع بأوراق السوليفان، اما ثاني الضحايا فهي عملية سلام تعيش في غرفة العناية الحثيثة منذ سنوات طوال، جراء سوء عناية الراعي الاميركي، وحدث ولا حرج عن ضحايا آخرين، مثل اثني عشر قرارا لمجلس الامن، والقانون الدولي والشرعية الدولية.
قد لا يرى الرجل، الذي لم يكمل عامه الاول في البيت الابيض، ضحايا اقل اهمية، من وزن مفهوم الاعتدال والمنطق والحكمة والتوازن والمصداقية، وغيرها من المثل والمبادئ والاحكام الناظمة للعلاقات بين الدول والشعوب، إلا أن من المعقول ان يرى الرئيس المتهور جيداً، ويتحسب كثيراً، لتداعيات قراره الارعن الاستفزازي هذا، على مستقبل الحلف الذي عقده في ايار(مايو) الماضي مع اكثر من خمسين دولة عربية واسلامية، جميعها مخاطبة اليوم بهذا التحدي الموضوع امامها حول الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل.
لا أحد يعلم كيف يدير دونالد ترامب حسبة القدس في رأسه، وهو يخطو خطوة مثيرة لأعمق الانفعالات الوطنية والدينية، والمحفوفة بأشد الأخطار المميتة، ولا هناك من يقدّر ما هي الرهانات التي يعول عليها الرجل الاهوج لتمرير قرار نقل سفارة بلاده الى بيت المقدس، أول قبلة للمسلمين، دون ان يستثير قراره الصادم أعمق مشاعر الاهانة والاستفزاز لدى ملايين العرب المخذولين أباً عن جد، من دهاقنة مسلسل التآمر والغدر والتواطؤ المتواصل، منذ وعد بلفور وعهد سايكس بيكو، قبل نحو مائة عام حافلة بالطعن في الظهر وتحت الحزام.
ربما ان ترامب مطمئن الى أن قراره هذا لن يمس بالمصالح الاميركية في الشرق الاوسط، بعد كل الصفقات الهائلة التي عقدها مع بعض زعماء المنطقة، وقد لا يلتفت الى التحذيرات التي اطلقها زعماء عرب وقادة في العالم، من مغبة استجرار ردود فعل عنيفة، ومظاهر غضب مؤكدة، على القرار الذي رجحت فيه كفة اسرائيل على التحالف العربي الاسلامي القائم على الاستراتيجية الاميركية الخاصة بمواجهة ايران، ولكن من سيطمئن ترامب الى ان الارهاب والتطرف لن يستثمر في هذا القرار افضل الاستثمار؟.
 بقراره هذا، حول ترامب صفقة القرن المزعومة الى صفعة مذلة على رؤوس الاشهاد، وانطوت قراراته على استصغار واستضعاف واستهانة بعالم عربي مثخن الجراح، ليس في وسعه، في الواقع، ما هو اكثر من الشجب والإدانة والاستنكار، إلا أنه قوّض الى اجل غير معلوم كل امكانية للحديث عن السلام، وفتح في حقيقة الامر النار على خطاب الاعتدال، وشرّع بوابة عريضة امام العنف والتطرف بعد ان ذوت جمراته المتقدة، وأمد ايران بما كانت تشتهيه ميليشياتها المذهبية من ذخيرة سياسية، لتبرير مشروعها التوسعي في المشرق العربي واليمن، والحبل على الجرار.

التعليق