الاعتراف بالقدس لا يغير واقع القدس بين النشوى واليأس

تم نشره في الجمعة 8 كانون الأول / ديسمبر 2017. 12:00 صباحاً

هآرتس

نير حسون

7/12/2017

بعد أقل من ساعة من الإعلان الدراماتيكي للرئيس ترامب أمس حدث أمران في البلدة القديمة في القدس: البلدية اضاءت كشافات واضاءت أعلام الولايات المتحدة وإسرائيل على سور المدينة، والكشافات التي تضيء بصورة دائمة قبة الصخرة انطفأت. في البداية كان هنالك من ظن أن هذه عملية مقصودة ولكن بعد وقت قصير قيل أن الامر يتعلق بانقطاع التيار الكهربائي. كما يبدو ليس هنالك علاقة بين الكشافات التي اضاءت الاسوار وبين تلك التي انطفأت على الحرم، ولكنها عبّرت جيدا عن المشاعر أمس في القدس. نشوى في جانب ويأس وإهانة في الجانب الاخر. في الدقائق التي اعقبت الإعلان كانت مجموعات الواتس اب في شرق القدس ما زالت صامتة. ولكن سرعان ما تجمعت في سلوان مجموعة من النشطاء من أجل القيام باحتجاج ما لم تحدد طبيعته بعد، وبعد ساعة من الخطاب تم نشر بيان عن اضراب شامل اليوم في المدينة، وهو صيغة تقريبا مؤكدة للمصادمات العنيفة مع الشرطة. بعد تسعين دقيقة من الخطاب ابتدأت إشاعات عن وجود مجموعات من الفلسطينيين يتوجهون نحو الحرم. معظم النشطاء الفلسطينيين الذين تحدثوا مع "هآرتس" قدروا ان الشارع الفلسطيني في القدس سيرد، ربما خلال اليوم وربما اليوم وربما بعد الصلوات في يوم الجمعة. ولكن حسب اقوالهم هذا الرد يبدو انه سيكون محدودا في حجمه.
إذا كان بالامكان ان نحكم من خلال المحادثات، يبدو أن توقعات الفلسطينيين في المدينة من المجتمع الدولي والعالم العربي ومن السلطة الفلسطينية منخفضة إلى درجة أنها من الصعب أن تزعزعهم. مع ذلك، وكما أشارت الاضواء المطفأة في الأقصى، فإن هنالك خوفا من ان الإهانة السياسية ستترجم إلى إهانة دينية – الأمر الذي من الممكن ان يشعل نارا كبيرة. ان اقوال ترامب بما يخص بالحاجة إلى الحفاظ على الوضع الراهن في الأماكن المقدسة لن تهدئ من السنة اللهب.
في الجانب الإسرائيلي من المدينة على الاقل في اوساط متخذي القرارات والنشطاء الجماهيريين، كان هنالك شعور من النشوى. صحيح أن الحدث الاحتفالي الذي نظم في ميدان سفرا الغي بسبب الأحوال الجوية ولكن رئيس البلدية نير بركات أعلن "لقد عشنا وشهدنا هذا الزمن". آساف فاريد المتحدث باسم هيئة منظمات الهيكل قال إن "اعتراف أمم العالم بسلطة إسرائيل في القدس هو خطوة تاريخية يقرّب بناء الهيكل في القدس".
ساحة باب العمود في القدس هي "محنيه يهودا" لشرق القدس. إلى هنا يصل الصحفيون من كل العالم من أجل سماع صوت الشارع الفلسطيني. أمس تجمع هناك العشرات من الصحفيين الذين انتظروا توقف المطر من أجل اجراء مقابلات مع السكان حول تصريح رئيس الولايات المتحدة. ولكن صوت الشارع في شرق المدينة كما في غربها دائما مضلل. خلافا للموقف المصمم للقيادة الفلسطينية والعربية فإن الشارع في شرق القدس يتحدث بعدة أصوات "لم يتغير شيء، الناس لا يهمهم ذلك، هم يريدون ان يعيشوا. لماذا يقوم الناس بعمل فوضى، لماذا نقوم بانتفاضة هل من أجل ان يموت اولادنا؟"، قال زياد فوزي ابن الستين عاما وهو تاجر من البلدة القديمة. "ما الفرق بين أن يقيم السفارة هنا أو في تل أبيب أو في الخليل؟" بالمقابل قال علي جدة وهو نشيط فلسطيني معروف في البلدة القديمة وفي السابق كان من نشطاء الجبهة الشعبية: "الانفجار قريب جدا. اذا لم يكن اليوم فسيكون غدا وان لم يكن غدا سيكون بعد غد، تصريح ترامب لا يقف وحيدا. هنالك تراكم لأمور عديدة، تصرفات الجنود، الاهانات، في النهاية سيكون هنالك انفجار. ورأس الحربة ستكون القدس".
ان تصريح ترامب اعتبر من قبل الكثيرين كأمر ليس له علاقة بحياتهم. من ناحية الفلسطينيين في القدس فإن التصريح لم يسبب لهم خسارة كبيرة حيث لا يوجد لديهم ما يخسرونه اساسا. ليس أنه إلى ما قبل تصريح ترامب كان هنالك سيناريو معقول لانشاء دولة فلسطينية عاصمتها القدس. كما أن اليأس من العملية السياسية والعالم العربي ومن السلطة الفلسطينية ومن المجتمع الدولي هو جزء اساسي في تصورهم هذا منذ سنوات عديدة. من هذه الناحية فإن تصريح ترامب بالرغم من رمزيته لا يقدم ولا يؤخر. المشكلة مع اليأس الذي يمكن أن يوجد في كلا الاتجاهين، كما يقول عدنان غيث، أحد نشطاء فتح المركزيين في المدينة، "إن هذا لن يمر بهدوء لان الشعب الفلسطيني انتظر فترة طويلة للسلام، يوجد هنا اليوم جيل كامل انتظر فترة طويلة من الزمن والآن دمروا له الأمل وليس للناس ما يخسرونه. الاحتلال تواصل، الاستيطان يتواصل، هدم البيوت متواصل، ممَ سيخاف الناس اليوم؟". "لقد أعطى هدية كبيرة لكل العالم الراديكالي"، أضاف جواد صيام، وهو نشيط اجتماعي وسياسي من سلوان. "هو شخص غريب ومن الغريب أن إسرائيل تحتفل الآن". من أجل فهم خلفية التصريح يجب أن نفهم أن المكانة الدولية للقدس هي "حي متحجر"، آخر بقايا خطة التقسيم سنة 1947. القدس هي المكان الوحيد الذي لا يعترف به المجتمع الدولي لا بضم حزيران 1967 ولا بضم حرب الاستقلال 1948. حسب خريطة التقسيم القدس عليها أن تكون تحت ادارة دولية وإسرائيل والأردن خرقتا الخطة عندما احتلتا كلا شطري المدينة في 1948. العالم يرفض حتى اليوم الاعتراف بهذا الاحتلال، وليس هنالك شك أن القرار الإسرائيلي بضم الجزء الشرقي في 1967 ساهم في الموقف العالمي بعدم الاعتراف حتى بغرب القدس.
بالرغم من ذلك، فإن اعتراف رئيس الولايات المتحدة بالقدس كعاصمة لإسرائيل هو رمزي بالاساس. القدس تقوم فعليا بدور العاصمة السياسية منذ 1949. أيضا السفراء والزعماء الاجانب الذين امتنعوا في السنوات الأولى من الوصول اليها لاجراء لقاءات رسمية تخلو منذ زمن عن هذه المقاطعة ويحرصون فقط على ان تجرى تلك اللقاءات في القسم الغربي منه. ولكن عنصرا مهما آخر في السياسة الدولية تجاه القدس هو التبادلية والذي بمقتضاه اعتراف بغرب المدينة كعاصمة لإسرائيل يقتضي الاعتراف بالقدس الشرقية كعاصمة لفلسطين. فعليا التيار المركزي في السياسة الفلسطينية ذلك الذي يقف على رأس السلطة الفلسطينية يستند إلى هذا الفهم. "لا يمكن لعباس أن يبيع شعبه دولة فلسطينية بدون عاصمة في القدس"، قال محلل منظمة "مجموعة الازمة الدولية"، عوفر زلتسبرغ.
من شأن هذا التصريح ان يكون له تداعيات جوهرية على اليأس الفلسطيني من الدولة العتيدة. هذا الشعور من الممكن أن يقود إلى مسارين كما يبدو متناقضين: من الجانب الأول لتقوية المناداة بحرب مقدسة لانقاذ الأقصى وللقيام بأعمال عنف.

التعليق