وأصبح للسعادة علم مثبت (فيديو)

تم نشره في الجمعة 8 كانون الأول / ديسمبر 2017. 12:00 صباحاً - آخر تعديل في الجمعة 8 كانون الأول / ديسمبر 2017. 10:27 صباحاً
  • السعادة تولد وتصنع بالطقوس وتطوير سمات نفسية-(أرشيفية)

عمان- يعيش الإنسان حياته، محاولا تحقيق غايات، والوصول إلى ظروف، وتحقيق إنجازات، وجل ما يقوم به في الحقيقة يتمحور حول السعادة، رغبته بأن يصل إلى حالة السعادة، وكأنه يبحث عن السعادة في كل السبل الممكنة.
عبر العصور وظروفها، وحول ثقافات العالم المتنوعة وخصوصيتها، حاول الإنسان أن يصل إلى وصفة السعادة، وكتب في ذلك الفلاسفة والأدباء والمفكرون، كل طرح من منظور حياتية الشخصية، وخبراته الخاصة جدا حسب ما مر به من تجارب وظروف، وبما اطلع عليه من تجارب الآخرين. كل المحاولين، قدموا السعادة عن طريق حكم أو روايات أو فكر وأمثال، لكن تلك المحاولات لم تصل إلى مستوى البحث العلمي المستند على منهجيات ومعايير تتم خلالها دراسة المعطيات وتحليلها ونقدها، قبل أن تقدم إلى المتلقي الباحث عن السعادة، على شكل حقائق مدروسة تؤدي إلى أثر إيجابي على سعادة الإنسان. بل إن هناك مما طرحه المحاولون والمنظرون له أثر عكسي على السعادة، ويؤدي إلى تشكيل معتقدات وممارسات تدخل الإنسان في نفق معاناة نفسية ومظلم.
في الثمانينيات، تنبه رواد علم النفس حول العالم إلى أهمية دراسة أسباب السعادة، فبعد أن ركزوا عقودا على علاج الأمراض والاضطرابات النفسية، وجدوا بأنه لم يتم التركيز على السعادة من ناحية بحثية منهجية، فبدأ فرع من علم النفس بالتطور، وهو علم النفس الإيجابي أو علم السعادة "Positive psychology".
لكن ما هي السعادة في الواقع؟ كيف نلمس السعادة عمليا؟ وكيف عرفها علم السعادة؟
يقول علم السعادة، إن السعادة يصنعها الإنسان ويشعر بأثرها عن طريق ثلاثة محاور:
- الشعور العام بالسلام والطمأنينة، التي تتأتى من الرضا والامتنان والتقبل وعيش الحياة أولا بأول.
- مشاعر إيجابية مريحة تبعث الحيوية مثل الفرح والشغف والمتعة، ويصنعها الإنسان عن طريق نشاطات وطقوس تعلم بالتجربة أنه يندمج فيها وتصنع له سعادة مريحة وشعورا بالانسياب.
- اختبار مشاعر سلبية (أو ضاغطة) أقل حدة ولمدة أقصر نسبيا عندما يتعرض لصعوبات وظروف لا مثالية.
وهذا يعني أن الإنسان ينمي قدرته على التعافي من النكسات بصورة أفضل ليعود لصحته النفسية، وهو ما يسمى المرونة أو المناعة النفسية. وهذا لا يعني كبت المشاعر وإنكارها، ولكن يعني قدرته على التعامل معها بفعالية مبنية على وعي ذاتي.
السعادة لا تعني أبدا ظروفا مثالية، بل إن السعادة تعني، أن يتبنى الإنسان العيش برضا وامتنان وممارسة طقوس تجلب له المتعة، أثناء تعامله مع ما يصادفه من صعوبات أثناء الحياة ليتعافى نفسيا من أثرها. أي أن جوهر السعادة يعني تقبل أن الحياة السعيدة أيضا تكتنفها الصعوبات والتحديات، أن ذلك الخليط من الشدة والرخاء في الحياة طبيعي نحتاج لأن نتقبله وندير حياتنا بوجوده، بمعنى، أن لا نؤجل السعادة ظنا منا أن الحياة يوما ما ستغدو مثالية كما نتوقعها تماما، بل أن نستمر بالسعادة مع وجود ذلك الخليط من الظروف.
ركز علم النفس الإيجابي (علم السعادة) على إجابة أسئلة لطالما كانت موضوع جدال مستمرا في المجتمعات الإنسانية، مثلا:
- هل السعادة من الظروف الخارجية أم من نمط حياة الإنسان وسماته النفسية وطقوسه وروتينه وطريقة تفكيره؟ وكانت الإجابة أن السعادة تولد وتصنع بالطقوس وتطوير سمات نفسية، وبنسبة تفوق كثيرا الظروف الخارجية.
- هل فطرة الإنسان (أي تصميمه الطبيعي) أقرب إلى السعادة أم للمعاناة النفسية؟ وخلصت أن فطرة الإنسان هي السعادة وأن المعاناة استثناء، وأن الإنسان بطبيعته رائق مبدع ومعطاء، حسب تصميم دماغه، وذلك نقض ما كتب به كثير من الفلاسفة والمنظرين أن الإنسان بطبعه أناني وعدواني.
- هل يرتبط مستوى السعادة بالمال؟ هل الأغنياء أكثر سعادة من ذوي الدخل المتوسط، أو الدخل المحدود؟ وكانت المفاجأة أن الإنسان إذا ما وصل إلى دخل متوسط، فإن للثراء أثرا بسيطا فقط على سعادته، لأن الأمر يتعلق بسماته وطقوسه وطريقة تفسيره للأحداث.
- هل الشهرة أو المنصب تعني أو تضمن السعادة؟ فوجدوا أن تضخم الأنا الاجتماعي يسبب الاضطراب والنرجسية وقد يكون سببا في التوتر والقلق والانتكاسات النفسية ما بعد زوال هالة المنصب أو تراجعها.
- هل يحظى المتزوجون بمستوى سعادة أكثر من العازبين؟ عندما أرتبط بذلك الشخص هل سأضمن السعادة مدى الحياة؟ فخلصوا إلى أنه لا يمكن لأحد أن يصنع سعادة لك، إذا لم تصنع أنت سعادتك، لكنه إذا ما كنت أنت وشريكك حريصين على قيم وصناعة طقوس السعادة، فإنه قد يكون دعما لك، وإنك إن لم تتصالح مع ذاتك وتتقبلها وتندمج معها في داخلك، فقد يصعب عليك أن تستمتع بحب الآخرين لك.
- ما هي الممارسات التي تولد السعادة؟ ما سر سعادة ذلك الشخص؟ والسر أن السعادة حصيلة الأمور الصغيرة البسيطة اليومية التي يندمج بها الإنسان، وليس فقط مبادرات كبيرة بين الفينة والأخرى.
- هل الجينات تحدد مصير سعادتنا في الحياة؟ ليثبت العلم أن الجينات لا تحدد مستوى مزاج أحد، بل العوامل الجينية يمكن أن تتثبط أو تنشط من خلال نمط حياة الإنسان وسلوكه، وأن الجينات لا تحدد مصير سعادة أحد.
- ما أثر مواد مخدرة للعقل مثل الكحول وغيرها على مستوى السعادة؟ جميعها، تؤدي إلى خفض مستويات المزاج وتؤثر سلبا على خفض كيمياء السعادة في الدماغ، ومع الوقت، عداك عن الإدمان عليها نفسيا أو فسيولوجيا.
- هل يؤثر النظام الغذائي للفرد على مستوى سعادته؟ بالتأكيد، مثلا، يسبب تناول السكر بكثرة إلى التوتر والاكتئاب وتقلبات المزاج، وأن من يفطر مبكرا يتحسن مزاجه وتركيزه ومن لا يفطر صباحا يشعر بتوتر عام.
- ما هو أثر الممارسات الروحانية والطقوس الدينية على السعادة؟ فوجد أن من يمارس الطقوس باندماج ويستشعر حب الله، تتحسن مستويات سعادته.
- هل هناك أثر للمكان على السعادة؟ هل يضمن انتقالك لبد آخر مستوى سعادة أفضل؟ هل سكان البحر أكثر سعادة من سكان الجبل؟ فوجد العلم أن الدماغ يعتاد على المحيط بعد مدة من الإنتقال إليه، و يعود إلى مستويات السعادة ما قبل تغير الظرف، أي ألى سماته و طريقة فهمه للحياة وطقوسه.
- هل السعادة تتولد ما بعد تحقيق الأهداف في المستقبل؟ وجدت الأبحاث أن السعادة هي متعة عيش اللحظة، أولا بأول، والاندماج خطوة خطوة في الطريق، وأن تأجيل السعادة يولد الجفاف، وأنه إشراط لا داعي له، فالسعادة حالة يمكنك اختبارها الآن. التفاؤل الواقعي من خلال أهداف يستمتع الإنسان بالقيام بها جميل، على أن لا تصبح أسبابا للقبول المشروط؛ أي أن تتقبل ذاتك فقط بعد أن تصل للهدف، لأن ذلك يولد التوتر والإحباط.
جل السعادة صناعة داخلية؛ أي أنها ناتج طقوس الإنسان في نمط حياته، ومعتقداته، وتوقعاته، وطريقة تفسيره للأحداث، وأن للظروف الخارجية مثلا من ثراء ومنصب وشهرة وحالة اجتماعية، أثرا محدودا ومؤقتا على مستوى السعادة، وأن السعادة شأنها أن اللياقة البدنية تحتاج إلى ممارسة وتنمية مع الزمن، وأن السعادة حالة كيميائية في الدماغ تتأثر بالممارسات الفسيولوجية والاجتماعية والنفسية، وأن الإنسان بحاجة إلى أن يجعل من نشاطات السعادة نمطا يعيشه أولا بأول، هنا والآن، بدون أن يؤجل سعادته للمستقبل.

امن التل
استشاري السعادة والذكاء العاطفي والاجتماعي

التعليق