هل حقاً نخطط للاعتماد على الذات؟

تم نشره في الأربعاء 13 كانون الأول / ديسمبر 2017. 12:00 صباحاً

مثنى غرايبة

كنت محظوظاً في أيار الماضي بحضور دورة في جامعة هارفارد حول التنمية الاقتصادية وما يجب فعله لينمو الاقتصاد ضمن المتغيرات العالمية. من ضمن البرنامج كان هناك لقاء مع لورنس سمرز الذي كان رئيساً لجامعة هارفارد ووزيرا للخزانة في عهد بيل كلنتون حيث شهد الاقتصاد الأميركي في عهده نموّاً كبيراً وخلق أكبر عدد من الوظائف عبر تاريخ الولايات المتحدّة الأميركية، عمل سمرز أيضاً ككبير الاقتصاديين في إدارة أوباما بعد الأزمة الاقتصادية في 2008 وكان له دور مهم في الخروج منها وعودة الاقتصاد لخلق الوظائف بعد أن خسر ما يقارب 1.9 مليون وظيفة في الأشهر الأربعة الأخيرة في ذلك العام.
ما قاله سمرز في اللقاء يصبح أكثر ضرورة ومعنىً وأنا أقرأ تفاصيل مشروع الموازنة العامة وورقة السياسات التي أصدرها مركز الاستراتيجيات الأردني في أيلول عن تحديّات الاقتصاد الأردني أصبحت الصورة أكثر وضوحاً.
الملخص البسيط لما قاله سمرز يومها وما تقوله ورقة السياسات أنه كي ينمو الاقتصاد علينا اتباع سياسة مالية مواجهة للدورة الاقتصادية، حيث نزيد الإنفاق الرأسمالي عندما ينخفض النمو الاقتصادي عبر مشاريع البنية التحتية مما يحسن حياة الناس ويحفز الاقتصاد على النمو، فهل قامت الحكومة بذلك وهي تضع مشروع قانون الموازنة 2018؟ بالنظر للجداول الرئيسية المنشورة على موقع دائرة الموازنة العامة نجد أن الإنفاق الرأسمالي تراجع من 1,21686  مليار دينار في العام 2017 إلى 1,152871 مليار دينار في العام 2018 بينما زادت النفقات الجارية من  7,595675 مليار دينار إلى 7,886472 مليار دينار!! فهل يعد من المنطقي التوسع في النفقات الجارية وتقليل النفقات الرأسمالية ونحن نحاول أن نعتمد على ذاتنا!؟ ارتفاع كهذا في النفقات الجارية لا يجب أن يأتي هكذا دون توضيح وتفسير وخصوصاً أن بند الرواتب والأجور والعلاوات انخفض بمقدار 85 مليون دينار!! وليس من المنطقي خفض الإنفاق الرأسمالي مع التباطؤ في الاقتصاد والزيادة غير الطبيعية في عدد السكان!
عندما نتحدّث عن الاعتماد على الذات يعني أن علينا أن نستغل مواردنا المحدودة بأفضل شكل ممكن لنزيد من إنتاجيتنا وحجم اقتصادنا مما يؤدي لاقتصاد أكبر وبالتالي دخل أكبر للخزينة ولا يمكن أن نتوقع أن تزداد إيرادات الخزينة بما يقارب ال 20 % بينما ينمو الاقتصاد بنسبة 2.5 % فقط! وقد كان واضحاً انخفاض التحصيل الضريبي بنسبة 2.6 % في النصف الأول من العام 2017 مع أنه تم إلغاء بعض الحوافز وفرض ضرائب جديدة في هذا العام. ولا يمكن أن نعتبر التوسع في النفقات الجارية مقبولاً بأي شكل من الأشكال اعتمادا على افتراض أن الحكومة ستكون قادرة على تحصيل 921 مليون دينار من المواطنين، فحتى صندوق النقد الدولي الذي نلومه لفشل حكوماتنا في التخطيط يقول إن "القدرة الضريبية تعتمد، ليس فقط على القانون الضريبي وكيفية تنفيذه، بل أيضاً على الامتثال الضريبي، فكلما زادت فعالية الحكومة ومصداقيتها، زادت شرعيتها وازدادت أيضاً درجة الامتثال الضريبي ومن دون الامتثال إلى رقابة مفرطة أو إجراءات عقابية". فهل يثق المواطنون بفعالية حكومتهم ومصداقيتها وهم يرونها تتعامل بسياسة إطفاء الحرائق وملاحقتهم على قروش دعم الخبز بينما تتوسع في نفقاتها الجارية!؟
الخروج من نمط دولة الريع والتحول للإنتاج لا يحصل بدون التخطيط بوضوح وشفافية واتباع الممارسات الفضلى لمواجهة التحدي الأكبر وهو نمو الاقتصاد المتراجع. ومع أننا كلنا أمل أن نرى الضوء آخر النفق خلال 9 أشهر كما وعد رئيس الوزراء، ولكن الأرقام التي طرحت في الموازنة توحي بعكس ذلك تماما. عدم الرضى العام عن الموازنة واضح، وما تزال الفرصة متاحة لإعادة دراسة أولويات الإنفاق العام بما يسمح بالاعتماد فعليا على النفس.

التعليق