الانشغال بالتكنولوجيا قد يلتهم الإنتاجية

تم نشره في الخميس 14 كانون الأول / ديسمبر 2017. 12:00 صباحاً

ترجمة: ينال أبو زينة

عمان - بالنسبة للعديدين، فالأمر انعكاس لا واعٍ كالتنفس تماماً، فعندما تتعثر خلال أدائك مهمة من طابع ما (لنقل مثلاً كتابة مقالة) سوف تمتد يداك إلى هاتفك النقال وتفتح لنفسك خيارات واسعة من الشبكات الاجتماعية.
وعندما يمر قسط جيد من الوقت، تضيع نصف ساعة إلى ساعة أو أكثر من الجهود المثمرة.
وسرعان ما نفقد الشعور على يد رغبتنا العارمة بأن نعرف ما حدث على "تويتر" في الثواني الـ15 الماضية، وأحياناً بعد وقت تقديم التقرير النهائي، يسأل المحرر متى بالتحديد يمكنه أن يتوقع النسخة الموعودة.
إن مواطن الالتهاء ثابتة هذه الأيام، والإمدادات هي نموذج الأعمال المتبع في أكثر شركات العالم قوة ونفوذاً وبينما يسعى الباحثون خلف تفسيرات لتراجع الإنتاجية، يستاءل البعض إذا ما كان العجز عن التركيز لمدة تزيد على الدقيقة هو السبب الرئيسي.
لقد تطلب انقضاض التكنولوجيا على حياة الناس وقتاً طويلاً، ولا شك أن الرؤساء وجدوا نقر صبي التلغراف أو طقطقة آلات التسجيل أمراً يقطع أوصال الأفكار مزعجاً وبغيضاً.
ومرت الهواتف المكتبية الثابتة بأياهم كاقتحام من نوع ما، قبل أن تقاطع الهواتف النقالة الأعمال بشكل عام لكن الإنترنت شيء مختلف، بدورة أخباره التي لا تنتهي، وشبكاته الاجتماعية التي تطن بالمحادثات في كل وقت، وخوارزميات تغذية الأخبار المتبعة لإبقاء المستخدمين يمرون عليها ويشاركونها.
وكلما علت ضجة هذه المواقع الاجتماعية، زاد الإلتهاء، وزادت أيضاً صعوبة تخفيف تفقدها خوفاً من فقدان معلومات مهمة.
ويؤثر الالتهاء بوضوح على الأداء في العمل؛ ففي مقالته الأخيرة، أشار دان نيكسون من بنك إنجلترا إلى كتلة من الأدلة الدامغة والتي تقول إن الالتهاء قد يلتهم نمو الإنتاجية بواقع الحال.
وبحسب الدراسة التي تختارها، ستجد أن مستخدمي الهواتف الذكية يلمسون هواتفهم الخلفية ما بين مرتين في الدقيقة ومرة كل سبع دقائق.
ويخفض أداء الوظيفة مع تلقي الرسائل الإلكترونية والمكالمات معدل ذكاء الموظف بقرابة 10 نقاط عن معدل عمله في بيئة أكثر هدوءاً.
وهذا يعادل خسارة نوم ليلة، وتبعاً لأحد التقييمات، يستغرق الأمر قرابة نصف ساعة لاستعادة التركيز وصبه على المهمة الواقعة بين اليدين عقب الالتهاء عنها بأمر ما.
وتعود الانقطاعات المستمرة، بحسب نيكسون، الموظفين على الالتهاء، فيغدون أكثر تشتتاً فيما يصبحون يبحثون أيضاً عن الأشياء التي تلهيهم.
وهل يمكن لهذا أن يفسر تباطؤ الإنتاجية في العالم الثري؟ في ورقة بحثية نشرت في العام 2007، حلل سنان آرال وإيريك بارينجولفسون، من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، ومارشال فان ألستين، من جامعة بوسطن، الشركات، مستخدمين تكنولوجيا المعلومات وتأثيرها على إنتاجية العمال ونمو الأرباح.
وقد وجدوا نمطاً معكوساً يتخذ شكل الحرف "U" يرتبط بتعدد المهام والإنتاجية وتبدو الزيادة الأولية لتعدد المهام من الاستخدام المتزايد لتكنولوجيا المعلومات وأنها ترفع الإنتاجية.
ولكن، في وقت لاحق، فإن تراكم الاستخدام يخفض الأداء ويزيد احتمالية وقوع الأخطاء.
وتساعد تكنولوجيا المعلومات العمال حقيقةً بكل السبل الممكنة، فهي تزيد التواصل وتسمح بتبادل الوثائق عن بعد، ويجعل الإنترنت من إيجاد المعلومات أسهل وأسرع بكثير مما كان عليه الأمر في عالم الأرشيفات الورقية.
وقد زادت الإنتاجية في أواخر تسعينيات القرن الماضي وبدايات الألفية مع انتشار خدمة الرسال الالكترونية وقواعد البيانات الرقمية، إلى جانب استخدام الإنترنت نفسه.
وبدت الفوائد التي جلبتها التكنولوجيا معها في ذلك الوقت وأنها تفوقت على ثمن الإلهاءات.
مع ذلك، منذ منتصف الألفية الحديثة، بدأ نمو الإنتاجية يتراجع، ربما لأن عبء الالتهاء تجاوز حداً حرجاً.
ولكن هذه بالتأكيد ليست القصة بأكملها؛ فليس الأداء عبر الصناعات يتناسب تماماً مع فكرة أن مواطن الالتهاء هي السبب الرئيس خلف الإنتاجية الضعيفة.
وعلى مدى العقد الماضي، كان نمو الإنتاجية العمالية في كل من قطاعي الإنشاءات والتصنيع مخيباً للآمال بشكل خاص -وبالكاد ارتبطت المشكلة إلى الانسلال بعيداً عن المكاتب بغية تفقد الهواتف.
ويعد ضعف الإنتاجية أيضاً نتيجة لإعادة توزيع العمال من الصناعات ذات معدلات النمو المرتفعة إلى الأكثر ركوداً منها. وفي أميركا، تمثل الرعاية الصحية والتعليم، حيث تواصل إنتاجية العاملين انخفاضها، أكثر من نصف نمو التوظيف الإجمالي منذ العام 2000.
فكيف يمكن إذن التوفيق بين الأدلة على الفساد الذي تعيثه التكنولوجيا الحديثة مع صعوبة الكشف عن التكلفة الإنتاجية؟ يكمن أحد الاحتمالات في أن الشركات لم تكن نشيطة بالقدر المتوقع في تعظيم الإنتاج لكل عامل.
ولا يتراجع التوظيف كثيراً في استجابته لارتفاعات الحد الأدنى من الأجور لأن إنتاج كل عامل يرتفع.
ويعود هذا جزئياً إلى أن العمال يجتهدون أكثر، وفي جزء آخر إلى أن الشركات -التي تواجهها تكاليف جديدة- تركز أكثر على تتبع أداء الموظفين.
وبالمثال تقريباً، حققت الإنتاجية قفزة كبيرة في أعقاب الأزمة المالية العالمية مباشرةً، ولم يكن السبب أن الشركات تخلت عن عمالها الأقل إنتاجيةً.
وإنما يبدو أن العمال رفعوا مجهوداتهم لإقناع رؤسائهم بعدم التخلي عنه.
وبعد عقد من الأجور المنخفضة والأرباح المرتفعة، ربما أصبحت الشركات تشعر بنوع من الرضا، وهذا إلى جانب ما يترتب عليه من الفشل في الاستثمار، ربما يفسر ضعف الإنتاجة بشكل أفضل من تشتت انتباه العمال.
عالم "تويتر" وأحلامه مصنوعة من هذا الواقع
سواء أكانت العقول الراضخة للانقطاعات والالتهاءات المستمرة تبطئ النمو أم لا، فلا شك أن طوفان التكنولوجيا يعيث فساداً فادحاً.
ويقول السيد نيكسون إن العمال مشتتي الانتباه يصبحون أقل شفقة، وهو عرض جانبي خطير في الاقتصاد حيث الاتصالات البشرية بالعملاء تشاهد على أنها أحد الدفاعات ضد الأتمتة.
ويظهر تشتت الانتباه وأنه يخفض السعادة، وربما يكون التأثير عظيماً إذا ما عنى أن المهام التي يتم إتمامها تدنو مستوى الرضا عند العمال.
إذن، فهذا أيضاً سبب آخر للتوق إلى سوق عمل ضيقة بشكل حقيقي: فعندما لا تستطيع الشركات تجنب لحظات الخمول ربما تتخذ خطوة جدية تجاه خفض الإنتاجية -سحب أسباب تشتت الانتباه من بيئة العمل، لمصلحة الجميع.

"الإيكونوميست"

التعليق