بالفلسطينية الدارجة!

تم نشره في السبت 16 كانون الأول / ديسمبر 2017. 12:00 صباحاً

من يخسر في الحب، لن يكسب في الحرب.
.. وأنتِ، بشكلٍ ما، ضروريةٌ كي أحب بلادي!
أن تلوّحي بشعرك كطفلة المدرسة الابتدائية لأكتب: إن “القدس” ضفيرة السماء في مرآة منزلنا!
فالحبّ مفردةٌ وطنيةٌ قديمةٌ، ومن متعلّقات اللاجئين التي لم ينسوها حين تسللوا كالأغنيات إلى الجبال.
الحب حملناه من البلاد، ولم يوزّعوه علينا مع الطحين في طوابير”غوث الوكالة” ومعونات الدول الشقراء!
وهكذا لمّا تهبُّ ريحٌ على “القدس” تهتزّ أواني النحاس في مطبخك، ولهجتكِ القديمة وتاريخُ ميلادك، وأنتِ تسكنين أقصى جنّات البلاد السعيدة، ويمتلئ وجهك بدمعٍ صافٍ، رائق اللون، شفيفاً وأنت تتهجئين أعداد القتلى: شهيدٌ.. شهيدان.. عشرون شجرة لوز.. ورفٌّ من الأولاد!
والمذيع يخفي “القدس” خلف جاكيته الفاخر، فيطلُّ طرفُ مئذنةٍ على الشاشة، ونلمحُ من تحت إبطه ساحة المسجد، هنا يلتقط طفلٌ صورته وهو يفتح ذراعيه لاحتضانك، وهنا يشمّ السوّاح تاريخنا طازجاً، وهنا مرّ أبي قبل ستين عاماً يبحث عن فتيلة لفانوس الكاز، فاستراح ساعتين وصلّى العصر وعاد أصغر سنّاً!
هنا يتجرّحُ صوتُ المئذنة صاعداً إلى الله، تترجّاه أن لا تنكسر!
* * *
هنا على مصاطبه الجليلة غبارٌ أصيلٌ له اسم عائلةٍ، وحمامٌ يهدل بالفلسطينية الدارجة، وماءٌ تجيء به الملائكة كل فجرٍ على أكتافها!
هنا في الساحة كي يُلقّط النملُ قمحه يزاحم أكتاف الجنود، وهنا يستريحُ عاشقان على طرف الدرج، وينعسُ طفلٌ لم يبلغ بعدُ سنّ الوضوء، وهنا تعتذر أمّ في آخر صلاتها، لبلادها؛ لأنها لم تقدم في الحرب سوى شهيدين وثلاثة أسرى!
* * *
و”هناك” أنا وأنتِ نجلسُ مثل غيمةٍ وظلّها، أنت أيتها الجميلة بين نساء “يبوس” تحملين أسماءنا في دمك، وتقولين: سنذهبُ يوماً إلى “هنا” لنعيد الأسماء لأصحابها!
أقول لكِ: ولم لا نعيدُ الأصحابَ إلى أسمائها؟
كان ضرورياً إذاً أن أحبك، لنعود إلى “الساهرة” على فرسٍ واحدة!
* * *
من هنا مرّ جدّي “كنعان” وهو يؤسس لدمي، وهذه الأشجار، هي مثلي حفيدة تلك الأشجار التي أخذ رأيها، وهنا القِبلةَ الأولى.
من الضروري إذاً أن نذهب يوماً إلى “هنا”، نتعقبُ “أثر الفراشة”، ونسمع موسيقى صافيةً عُصرت للتو من شجرٍ فتيّ، ونرتكب خطأ ما صغيراً لندخل المسجد مستغفرين!
هناك، ونحن الذين لم يكن لنا قطّ يوماً “هنا”، سنفردُ سجّادة عمرنا المنسول على ركبة المسجد، ونسألُ كم ركعةً صلاة الولد الذي اهتدى لحليب أمه!
* * *
وأنتِ، كما قلتُ لكِ مرةً: حين تصير لنا دولةً سأقترحُ ضحكتك نشيداً وطنياً لبلادي!
وأنت ضروريةٌ لي بشكلٍ ما..
ربما كي يكون لديّ مبرر لأسأل في زقاق العطّارين عن حنّاء العرائس، وعن خيطانٍ لتطريز ثوبٍ بالقصب، وبفضول العائدين نُقلّب عيوننا في الشوارع التي كنا نسمع وصفها في الأغاني “بهية المساكن”، ونروح نركضُ نسأل أهل المدينة: خذونا “لأروقة المعابد”!
سيكون ضرورياً أن أستند الى كتفك حين أقف أول مرةٍ أمام “القدس”!!
* * *
“هنا” يصوغ الفتية الـيبوسيون شكل الشجر، وشكل الحكاية، ويرتبون الحجارة الصغيرة كما أوصاهم الملك ايلياء، منذ مطلع الفجر، ..وهنا للطفل حين يقصُّ أظافره رائحة دم الغزال!

التعليق