الجانب المظلم لممارسي التعليقات السلبية عبر ‘‘فيسبوك‘‘

تم نشره في الاثنين 18 كانون الأول / ديسمبر 2017. 12:00 صباحاً
  • من يعاني من اعتلال عقلي عبر مواقع التواصل الاجتماعي يسعون لإضعاف من يرونه ناجحا-(أرشيفية)

إسراء الردايدة

عمان- في فضاء "فيسبوك" الأزرق، ومع ارتفاع نسبة مستخدميه التي تبلغ 2.072 مليار شخص حول العالم، فإننا نتعرض يوميا لكم كبير من تلك التعليقات التي ترافق المنشورات المرئية وحتى المكتوبة، وربما حتى تعرضنا لأحدها، لا سيما تلك التي تحمل قدرا كبيرا من السلبية.
ومن هنا تأتي إعدادت الخصوصية لتلعب دورا مهما في حماية نفسك وأصدقائك لتقضي وقتا ممتعا في التواصل واكتشاف آخر المستجدات، في دائرتك الشخصية وحتى التعرف على أصدقاء جدد، وبين كل تلك الأمور أن تدخل في نقاش من خلال تعليقات شاركها أحدهم لتتحول لمعركة، وكلام بغيض ما يتركك في حيرة وشك من هذه التصرفات حول كيف يمكن أن يفكر هؤلاء وما الذي كان يدور في خلدهم في تلك اللحظة.
في دراسة حديثة تناولت تلك التفاصيل المتعلقة بالجانب المظلم لتعليقات "فيسبوك" والمضطربين عقليا الذين يقومون بها، بحسب "سيكولوجي توداي"؛ تبين أنه في منصات التواصل الاجتماعي هناك من يتصيد للآخر ويختبئ في صفحات معينة يراقب أخرى، ويمنح ثالثة إعجابا أو ينضم لمجموعة ليتمكن من المشاركة.
وتلك الأخيرة حيث لا يعرف الناس بعضهم بعضا، ولكن تجمعهم مصالح مماثلة، وهنا استخدم علماء النفس الذين يدرسون السمات كفرصة للتحقيق ما إذا كان للمتصيدون الميول نفسها، وبخاصة أنهم يجلسون بانتظار إسقاط ضحاياهم ويملكون ملامحهم نفسها، تماما كما يحصل في أرض الواقع في حركات البلطجة والسادية، بحسب باربرا لوبيز من جامعة كويمبرا في البرتغال التي انضمت لجامعة دي مونفورت في ليستر بالمملكة المتحدة، بغية دراسة الاعتلال النفسي لمن يفترس مستخدمي "فيسبوك" الأكثر شعبية ونجاحا.
والنظرية من وراء دراسة هذه الشخصيات التي تتصيد الآخرين في الانترنت، وتحديدا عبر مواقع التواصل الاجتماعي بتعليقاتهم المتهكمة والسلبية الجارحة، هو ارتفاع بنسبة الاعتلال العقلي لديهم؛ أي اعتقادهم بأنه من المقبول أن يتم التلاعب بالآخرين لصالحهم وبسادية كامنة تسبب ضررا، ويرى ذوو الشعبية أهدافا مرغوبة بغية استغلالها من أجل مكاسبهم واتصالاتهم ومصالحهم، ويملؤون رغبتهم السادية خلال الاستفزاز والضرر الذي يصيب الأفراد البارزين والجذابين.
ومن ناحية أخرى، عند مواجهتهم لأشخاص أو ملفات أقل وضعا من الذين يستهدفون، يتحول اعتلاء نرجسيتهم ويمارسون عملهم بشكل علني أكبر، بحيث يكون من أجل المتعة وحتى نوعا من التحدي بغية إسقاط من يحاول أن يتصدى لهم وإسقاط غروره.
والعنصر الثاني للجانب المظلم لثالوث الاعتلال النفسي هو النرجسية والميكافيلية؛ حيث تتصل النرجسية أيضا بسلوكيات "فيسبوك"، وفقا للوبيز، فأولئك الذين يملكون نرجسية عالية يحملون شعورا زائفا بالتفوق والذي يبرز بشكل أكبر كنوع من التحدي حين يواجهون شخصية شعبية وناجحة اجتماعيا وعلى الصعيد الفردي.
على الأقل، كما يكشتف عبر "فيسبوك"، وفي الجانب الآخر لمساعدتهم على التقدم في نظر الآخرين، فإنهم يحاولون مصادقة الشخص الذي يمكن أن يكسبهم شعبية، وهنا تحضر الميكافيلية التي تسوغ استخدام أي طريق لبلوغ الغاية والهدف لهم، التي تنطوي على ميلهم للتلاعب واستغلال الناس، وهنا خلص مؤلفو الدراسة إلى أن أصحاب هذه الشخصيات والتصرفات يقومون برصد الناجحين وأصحاب الشعبية عبر "فيسبوك" في ظل شروط لصالحهم وظروف قد تشكل تهديدا لتقديرهم لذاتهم وحتى تعيق تقدمهم الذاتي.
وخلال الاختبارات الحاسمة للدراسة، التي سعت لتحديد ما إذا كان الأفراد المختلفون في ثالوث الجانب المظلم لهذه المواقع يستجيبون بشكل مختلف أمام الناس ذوي الشعبية وحتى العاديين منهم، من خلال عينات واسعة ودراسة الكترونية، تمت مراجعة ملفات المشاركين عبر منصات "فيسبوك" لتظهر النتائج أن شعبية الناس على "فيسبوك" مرتبطة بعدد الأصدقاء ونوعيتهم، وبالمقابل أولئك أصحاب الملفات الأدنى؛ أي العادية وغير الشعبية، تنخفض نسبة اعتدادهم بنفسهم، وأظهرت أدلة على أن الإفراط في ممارسة ألعاب الانترنت، ومنشوراتهم تسعى لطمأنة الآخرين، وطلب من المشاركين أيضا مقارنة ملفاتهم الشخصية بمن هم أفضل منهم لتحفيز المقارنة الاجتماعية.
فمعظم الناس يميلون إلى التفاخر على موقع "فيسبوك"، لذلك فهم يصورون أنفسهم دائما في أفضل الأحوال، ولا يعرضون سوى الجوانب الجيدة فقط في حياتهم، محاولين إخفاء السيئة، ومع ذلك فنحن لا ندرك أن هذا يحدث، ونحن نحاول دائما أن نقارن أنفسنا بالآخرين، بما حققوه وبما وصلوا إليه، وسنشعر لاإراديا بأننا لا نعيش الحياة الطيبة نفسها التي يتمتع بها أصدقاؤنا.
وهؤلاء حينما يقارنون أوضاعهم الاجتماعية دائما مع غيرهم، يؤدي ذلك إلى زيادة خطر الإصابة بالاكتئاب المزمن، وأن عدم إعجاب الأصدقاء بالمحتويات التي ينشرها البعض يولّد نوعا من مشاعر الحزن.
ولكن الشعور بالاكتئاب إلى جانب المقارنات الاجتماعية متوقع لمواقع التواصل الاجتماعي عموما، و"فيسبوك" خصوصا لما يحمله من حياة افتراضية، خصوصا على صعيد المشاعر؛ حيث يعيش الإنسان كينونته الاجتماعية بطريقة غير حقيقية، وهذا من شأنه أن يقلل من الإنتاجية الحقيقية على حساب الإنتاجية الافتراضية الوهمية.
لأن التواصل الافتراضي كمي وليس نوعيا، والمقارنات عبره تفتقر الى الشفافية، لأن الشخص يبحث عن طريقة يظهر من خلالها امتلاءه بنفسه، أما على أرض الواقع فالأمر مختلف.
وهؤلاء المتصيدون من مستخدمي "فيسبوك" في كثير من الأحيان، يحكمون على أنفسهم من خلال المقارنة مع أصدقائهم، ووجد أنهم يعانون من حالات نفسية سيئة.
وعلى وجه التحديد، وجدوا أن معظمهم يعاني من مشاعر الحزن، وعدم وجود أمل في المستقبل، ويغضبون بسهولة. ويصل بهم الأمر أحيانا إلى أنهم يمكن أيضا أن يقارنوا أنفسهم بالأقل حظا منهم، إلا أن الاستخدام المنتظم لـ"فيسبوك" يهبط بمزاجهم العام، مما يولد حالة من تدني الاحترام للذات، ومع الوقت يشعرون بالأسوأ.
ومن خلال المقارنة والبحث عن الشعبية عبر "فيسبوك" أو مواقع افتراضية تظهر أن فاعلها يعاني من عدم قدرته على العيش بواقعه، فالأصل أن تكون العلاقات في الحياة اليومية، وتحقيق الإنجازات فيها، أما الانتقال للفضاء الافتراضي وقياس المشاعر عبره، فذلك أمر بعيد عن المنطقية والدقة والعمق؛ حيث إن العلاقات الإنسانية فيها ضعيفة وغير مكتملة الأركان وخالية من المشاعر المتدفقة، وجافة.
فالعالم الافتراضي يختلف عن الحقيقة، وهو مجرد أداة للتواصل. فصديق "فيسبوك" ليس حقيقيا وأي علاقة وتواصل عبره ليس إلا "تواصل سطحي والصديق ليس سوى افتراضي ولا تتوفر معان للصداقة الحقيقية؛ حيث إن التواصل لا يعني كلمات ومراسلات رقمية أو ردود فعل وتعليقات تكتب على صفحات الانترنت". ووجدت الدراسة أن هؤلاء؛ أي من يعانون من اعتلال عقلي عبر تلك المواقع، يسعون لإضعاف من يرونه ناجحا، وتفكيرهم كلاسيكي من خلال ممارساتهم السادية التي تتحول في الغالب لعنف لفظي وإساءات، بغية تعزيز شعورهم بالتفوق والرضا.
لذا إن كنت من الناجحين وذوي الشعبية عبر "فيسبوك"، لا تدع من يمارس تلك الأفعال ينجح بخطته، وإن أزعجك تعليق أحدهم الجأ لحظره وحتى تجاهله، والأفضل أن تكون لطيفا نحوهم فهو بمثابة ضربة لهم لم يتوقعوها.
والأفضل، بحسب لوبيرز وفريقها، أن تكون لطيفا، كي تشعرهم بالتواصل، ما يدمر نرجسيتهم لاحقا لعدم قدرتهم على توقع ما هو آت، فاللطف الإنساني يملك قوة مؤثرة كبيرة، لا سيما مع مثل تلك الشخصيات المعتلة.

التعليق