"اللاقط الهوائي": الظلم في وسائل الإعلام بالأبيض والأسود

تم نشره في الاثنين 18 كانون الأول / ديسمبر 2017. 01:00 صباحاً
  • ملصق فيلم " الأنتين"- ارشيفية

عمان- الغد- يعود المخرج الأرجنتيني، استيبان سابير، في فيلمه "اللاقط الهوائي" (الانتين)، الذي يعرض غدا في مؤسسة عبد الحميد شومان- لجنة السينما، ليفتتح بحركة سريعة على لقطات لحروف آلة كاتبة وأصابع يدين تطبعان، الى زمن السينما الصامتة، زمن سينما الصورة الخالصة، ليقدم حكاية عن مدينة فقد الناس أصواتهم فيها، والصوت الوحيد الذي يسمع فيها هو الصوت الذي تبثه محطة التلفزيون الوحيدة، وهو صوت امرأة يعمل على تخدير الناس وتنويمهم. وهو اختيار ذكي ليعبر به عن فكرة الفيلم الرئيسية، المتمثلة بالهيمنة على عقل الناس واستلاب الوعي، وتغييبهم عن واقعهم، والتي يعبّر عنها من خلال شخصية صاحب المحطة التلفزيونية "مستر تي في" (السيد تلفزيون)، وهو تاجر جشع، يريد تمرير وتسويق البضاعة التي ينتجها بأقصى ما يستطيع، ولن يقدر على ذلك الا في التحالف ما بين رأس المال، وسلطة الإعلام.
والد الطفلة "آنا" الذي يعمل فنيا لتصليح البث التلفزيوني، ومطلقته الممرضة، وابنتهما الطفلة "آنا" يقررون الدخول بمغامرة إعادة الأصوات للمدينة، بمساعدة الجد، خاصة بعد أن فوجئت "آنا" بوصول طرد بريدي لها عن طريق الخطأ، مرسل الى الطفل الأعمى "توماس" والذي هو ابن السيدة "فويس" التي تعمل بالمحطة لتخدير الجمهور، بعد أن عقدت صفقة مع "مستر تي في" بحيث يعيد البصر الى ابنها" توماس"، والذي هو جار "آنا"، فتقرر أن يعيد له الطرد البريدي، وحينها تكتشف أنه ما يزال يحتفظ بصوته.
تبدأ مغامرة الوصول الى "اللاقط الهوائي" المهجور والقديم، الموجود في الجبال؛ حيث ينظم "توماس" إليهم، وذلك حتى ينطلق صوته من محطة البث ويوقظ المدينة، في الوقت الذي تبث فيه محطة "مستر تي في" مباراة للملاكمة، وعندما يعرف أن هناك من يحاول استخدام اللاقط الهوائي، يقوم بإرسال سائقه، ومنفذ العمليات القذرة لديه الملقب "الرجل الجرذ"، وأثناء العراك مع والد "آنا"، تخرج رصاصة تصيب الفتاة التي تشرف على إنتاج الأغذية المخدرة، وأثناء موتها تتحول الى امرأة عجوز، ويتوقف خط إنتاج الأغذية.
وينطلق صوت "توماس" من المحطة، وتتعالى الأصوات، فقد عادت للمدينة أصواتها.
فيلم "اللاقط الهوائي" مغامرة فنية مدهشة، باستخدام أسلوب يعود الى بدايات السينما الصامتة، حيث الصورة تحكي، مع الاعتماد على الترجمة بالحد الأدنى، مع توظيف للموسيقى التي تضع المتلقي في أجواء السينما الصامتة، وببراعة يستطيع المخرج "ستيبان" أن يقدم فيلما فيه مرجعيات الفيلم الكلاسيكي الصامت، مع التقنيات المعاصرة، ويقدم حكايته التي تبدو بسيطة من حيث مضمون الصراع بين الخير والشر، لكنها في العمق رثاء للإنسان المعاصر، الذي لم يعد ممتلكا لأدوات خصوصيته، وأصبح جزءا من اللعبة، حيث وسائل الاتصال الحديثة التي أخضعتهم لإرادتها، وأصبحوا مجرد دمى بأيدي من يسيطر على هذه التقنيات.
ويقدم الفيلم ذلك التواطؤ ما بين رأس المال الجشع، وما بين وسائل الإعلام؛ حيث كل منهما يغذي الآخر للهيمنة بالقوة على الإنسان، وتغييب الصوت، وسرقة الكلمة، فإن "اللاقط الهوائي" هو رمز للفاشية وتحالفها مع الاحتكارات الرأسمالية، وهناك الكثير من الرموز في الفيلم، لكنها ليست لغايات خارج إطار فكرة الفيلم، إنما ضمن الدلالات التي تعبّر عن توحش هيمنة الإعلام ورأس المال، في فيلم يمثل إبداعا بصريا مدهشا، يبدو كأنه نوع من التحدي للسائد من السينما التي تطورت واستفادت من كل التقنيات والفنون المعاصرة، فيعيدنا المخرج بفيلم "اللاقط الهوائي"، الى السينما الخالصة.

التعليق