هكذا تقوم إسرائيل بـ"تهويد" القدس: كيف يتم إخراج قرية فلسطينية وسكانها من حدود المدينة

تم نشره في الثلاثاء 19 كانون الأول / ديسمبر 2017. 01:00 صباحاً
  • جانب من قرية الولجة - (أرشيفية)

جوناثان كوك – (واشنطن ريبورت) 13/12/2017

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

سوف تغلق إسرائيل في القريب كل منافد الوصول إلى قرية فلسطينية كان مزارعوها قد واصلوا تقليداً بعمر آلاف السنين من العناية بالمدرجات الجبلية لزراعة المحاصيل في المرتفعات الخصبة خارج مدينة القدس.
أصبح هؤلاء المزارعون من بين أحدث ضحايا الجهود الإسرائيلية الرامية إلى وضع آخر القطع في مخطط "القدس اليهودية الكبرى"، الذي يتطلب تنفيذه "التطهير العرقي" لعشرات الآلاف من الفلسطينيين بإخراجهم من مدينة عاشت فيها عائلاتهم وعملت لأجيال طويلة، كما تحذر جماعات حقوق الإنسان.
في تشرين الثاني (نوفمبر) وجهت السلطات الإسرائيلية تحذيراً إلى قرويي الولجة، الذين يحمل الكثيرون منهم وثائق إسرائيلية كـ"مقيمين" في القدس، بأنهم سيُمنعون من التواجد فيما وراء نقطة تفتيش عسكرية و"حاجز الفصل" الإسرائيلي المبني بالخرسانة والحديد. وستكون المدرجات الزراعية المدعومة بالسناسل الحجرية التي زرعوها لأجيال، ونبع الماء التاريخي الذي يسقون منه مواشيهم، خارج نطاق الحدود المسموحة. وستصبح المدرجات والنبع بدلاً من ذلك مناطق جذب سياحي للإسرائيليين ضمن مشروع متنزه القدس الكبرى الموسع.
يصف كتيب دعائي صادر عن سلطة الطبيعة والمتنزهات الإسرائيلية هذه المدرجات الزراعية حول القدس بأنها "سمة بارزة... زينت تلال يهودا لأكثر من 5.000 سنة، منذ شرع الإنسان في زراعة الأرض". وفي جهد يرمي إلى إنكار الروابط التاريخية بين الولجة والأرض، يضيف المنشور أنه "تم الحفاظ على زراعة المدرجات الزراعية في القرى العربية (الفلسطينية) حتى حرب الاستقلال في العام (1948)".
تدعيم التطهير العرقي "بالإسمنت"
تسارعت وتيرة التغيرات المادية والديموغرافية في القدس وحولها بشكل كبير منذ بدأت إسرائيل في بناء جدار من الحديد والإسمنت عبر الأحياء الفلسطينية في المدينة منذ أكثر من عقد من الزمان، وفقاً لمجموعات الحقوق والباحثين الفلسطينيين.
وتستعد إسرائيل لتدعيم هذه التغييرات بتكريسها في القانون، كما يلاحظون. ويشير مشروعا قانونين في البرلمان، واللذَين يحظيان بتأييد واسع النطاق من وزراء الحكومة، إلى الخطوط العريضة لملامح مستقبل القدس حسب التصورات الإسرائيلية.
ويدعو أحد مشروعي القانونين إلى ضم نحو 150 ألف يهودي يعيشون في مستوطنات الضفة الغربية غير الشرعية المحيطة بالمدينة. وبالإضافة إلى تعزيز السكان اليهود في المدينة، فإن هذه الخطوة سوف تمنح هؤلاء المستوطنين الإضافيين حق التصويت في الانتخابات البلدية في القدس، مما يدفعها أكثر من الناحية السياسية إلى اليمين.
وهناك مشروع قانون آخر يحرم أكثر من 100 ألف فلسطيني –الموجودين على الجانب "الخطأ" من الجدار- من حقوقهم في المدينة. وسوف يتم إسناد العناية بشؤونهم إلى مجلس محلي مستقل للفلسطينيين فقط، فيما يخشى المراقبون أن يكون تمهيداً لتجريدهم من حق الإقامة ومنعهم من دخول القدس.
يقدم هذا المخطط، كما يقول خبراء التخطيط، فائدة مزدوجة لحكومة بنيامين نتنياهو اليمينية المتطرفة. فهو يعكس بشكل حاسم وجهة النمو الديموغرافي القوي للمواطنين الفلسطينيين في المدينة، بطريقة تساعد على هندسة تكوين أغلبية يهودية قوية في المدينة من أجل "تهويد" القدس. كما يسمح لاسرائيل بضم كتل المستوطنات الكبيرة في الموجودة في الضفة الغربية بالقرب من القدس.
الضغط على الفلسطينيين للرحيل
في الأثناء، تعمل شبكة من السياسات الإسرائيلية القاسية، بما فيها الاعتقالات في وقت متأخر من الليل، والنقص في الأرض اللازمة للبناء، وهدم المنازل والحرمان من الخدمات الأساسية –تعمل كلها على زيادة الضغط على الفلسطينيين الذين يعيشون داخل الجدار لإجبارهم على الرحيل.
وتهدف هذه الإجراءات إلى استباق أي جهود سلام مستقبلية وإفراغها من محتواها سلفاً، وهي تجهض فعلياً أي طموحات فلسطينية إلى إقامة دولة تكون القدس الشرقية عاصمتها، كما يقول إيفار تاتارسكي، الباحث الميداني في "أراميم"، المجموعة الإسرائيلية التي تدعو إلى معاملة عادلة للفلسطينيين في القدس.
ويضيف تاتارسكي: "إن ما يجري الآن هو عملية تطهير عرقي، من دون بنادق. وتأمل إسرائيل بالتخلص من ثلث سكان القدس الفلسطينيين من خلال التحركات التشريعية وحدها".
وجهت إعادة إسرائيل تشكيل حدود القدس ضربة قوية إلى قرية الولجة الفلسطينية، لأن نصفها يقع خارج منطقة الاختصاص القضائي للبلدية ويقع نصفها الآخر في داخلها. وقد وجد القرويون أنفسهم عالقين في المنطقة الأسوأ من كلا العالمَين.
أصدرت سلطات القدس عشرات أوامر هدم المنازل، والكثير منها خلال السنة الماضية، بينما تقوم بفرض لوائحها التخطيطية بقوة على "جانب القدس" من قرية الولجة، حيث تعيش نحو 100 عائلة فلسطينية. وقد وقعت مواجهة كبيرة في الفترة الأخيرة بين سكان القرية وبين طواقم الهدم التابعة للبلدية في آب (أغسطس) الماضي.
ويقول أهل البلدة أن إسرائيل تسعى إلى إجبارهم على الخروج من القرية عن طريق تجريم منازلهم باعتبارها غير قانونية.
لكن السلطات الإسرائيلية قامت في الوقت نفسه بإخراج كل منازل الولجة من القدس بعد بناء الأجزاء الأخيرة من الجدار الفاصل الذي يشق طريقه عبر المدينة. كما تستعد إسرائيل أيضاً لنقل نقطة تفتيش عسكرية لتصبح أقرب بنحو كيلومترين من الولجة، من أجل قطع السكان عن مدرجاتهم الزراعية التي يفلحها القرويون منذ أجيال.
وفي أعقاب هذه التغييرات، سوف تُعامل مدرجات القرية التاريخية على أنها داخل حدود القدس، بينما سيكون قد تم عملياً قذف سكان الولجة إلى خارج حدود المدينة.
نمط من التشريد
تتكرر محنة الولجة لتصيب عشرات الآلاف من الفلسطينيين عبر منطقة القدس الشرقية، الذين يجري قطعهم بالتدريج عن المدينة.
تعود مخاوف إسرائيل الديمغرافية في القدس إلى العام 1967، عندما احتلت القدس الشرقية وضمتها، بحيث جمعت الشريحة الكبيرة من السكان الفلسطينيين مع سكان القدس الغربية اليهود. كما قامت أيضاً بتوسيع الحدود البلدية للمدينة كطريقة لضم أراضي الضفة الغربية بطريقة لا تثير الانتباه.
كما وضعت إسرائيل في البداية حداً أعلى يبلغ 30 في المائة للسكان الفلسطينيين في مقابل 70 في المائة من السكان اليهود فيما تصفها بأنها "العاصمة الموحدة والأبدية"، لكنها واصلت خسارة معركة الحفاظ على هذه التقسيمة منذ ذلك الحين. وتعنى معدلات الولادة الأعلى بين الفلسطينيين أن هناك اليوم أكثر من 315.000 فلسطيني يعيشون في القدس الشرقية، والذين يشكلون نحو 40 في المائة من مجموع سكان المدينة. وتشير التوقعات إلى أن الفلسطينيين يمكن أن يشكلوا أغلبية في المدينة في غضون عقد من الزمان.

*نشر هذا التقرير تحت عنوان: Here’s how Israel is ‘Judaizing’ Jerusalem

التعليق