حلم التمكين الاقتصادي ‘‘طوق نجاة‘‘ لنساء يعشن حياة زوجية غير مستقرة

تم نشره في الثلاثاء 9 كانون الثاني / يناير 2018. 01:00 صباحاً
  • الاستقلال المادي يمكن المرأة من التفكير بخياراتها بشكل أفضل - (ارشيفية)

ديما محبوبة

عمان- سنوات طويلة ورحاب (40 عاما) الأم لطفلين، تتحمل الإهانة والمعاملة السيئة من زوجها، كانت تصبر دائما على أمل أن يتغير مع الوقت ويشعر معها أكثر، لكن طبعه بقي كما هو، بل زاد بقسوته وتعمده إهانتها وضربها أحيانا أمام أطفالها والمحيطين.
رحاب قررت في يوم أن تأخذ الطفلين وتذهب للمكوث بمنزل عائلتها، ولكن سرعان ما تذمر والدها لأنه لا يملك القدرة المالية بالإنفاق على حفيديه، في حين أن والدهما موجود وهو المسؤول عنهما، لدرجة أنها شعرت وكأنها عالة على والديها.
وبعد جدال طويل أقنعها بالرجوع لزوجها، حتى وإن اضطرت لتحمل إهاناته وأسلوبه، لأنه لا مكان آخر لديها، شارحا لها أن أغلب البيوت لديها مشاكل وعلى الزوجة أن تتحمل من أجل الأطفال، وألا تفكر بالطلاق مهما وصل الأمر.
تقول رحاب “أنهيت دراستي الجامعية بتفوق وكنت قد أخذت دورات عديدة لكنني لم أبحث عن وظيفة بسبب رفض زوجي أن أعمل.. وعشت أتعس أيامي معه، لكن لم يكن هنالك مفرّ من تحمل هذه الحياة مع شخص لا يحترمني، لأنه لا ملجأ آخر لدي”.
ومع مرور الوقت، بدأت رحاب تفكر بأن عليها ألا تسمح لأحد بأن يسلب أجمل أيامها، فقررت أن تقدم لشركات عدة، وبالفعل وافقت إحدى المؤسسات الكبيرة أن تعمل لديها، وبراتب جيد، وبعد جدال طويل وافق زوجها، واستمرت بالعمل حتى تكتسب خبرات جديدة، وانتقلت بعدها لوظيفة أفضل. زوجها لم يتغير، كما تقول، إنما استمر بمعاملته السيئة، لذلك قررت في أحد الأيام أن تطلب الطلاق منه، ورغم رفضه حصلت عليه عن طريق المحكمة. واستطاعت أن تستأجر بيتا بجانب أهلها، وتعيش برفقة طفليها حياة كريمة بدون إهانات رغم محاولات طليقها المستمرة تعكير صفو حياتهم، وهي الآن تشعر أنها استعادت كرامتها التي كان يتفنن بإهانتها مرارا وتكرارا.
أريج أحمد، وهو اسم مستعار، استيقظت لتجد نفسها تنام في زاوية غرفة النوم، آثار الضرب بليلتها الماضية بادية على وجهها. هي تعرضت لهذا الضرب لأنها لم تسمع نداءه من المرة الأولى، في ظل انشغالها بأطفالها، ودراستهم، وهي الحالة التي تتكرر منذ بداية الزواج، كما تقول؛ حيث يقوم بفعلته ثم يعتذر.
أريج مثال للمرأة التي لا تستطيع طلب الطلاق والاستقلال عن زوجها، نظرا لعدم قدرتها المالية التي تؤهلها لتتمكن من إعالة ثلاثة أطفال وتأمينهم ببيت وحياة مناسبة؛ إذ تقول “دائما كنت أسمع عن التمكين الاقتصادي وأهميته بالنسبة للمرأة، وأن تكون مستقلة ماديا تحسبا لتقلبات الحياة”.
ضرب زوجها، ليس مشكلته الوحيدة، فهو “بخيل”، بحسب وصفها، فهي تنتظر راتبها نهاية الشهر على أحر من الجمر، لتدفع به مجموعة التزامات، ويتبقى منه أقل من 50 دينارا، يفترض أن تكفيها هي وأولادها، بعد ما رفع زوجها يده عن المصروف، بحجة ثقل الالتزامات وحصولها على راتب.
أريج، رغم أنها تعمل موظفة إدارية في إحدى المؤسسات، إلا أنها تعيش حياة مختلفة داخل البيت، وتحتمل مزاجية و”خيانة” زوجها، لعدم قدرتها على تحمل نفقات الحياة وحدها، بعدما ذهب جزء كبير من راتبها لسداد الالتزامات الشهرية التي أجبرها عليها زوجها.
وتشير إلى أنها تؤجل السير بإجراءات الطلاق حتى تتمكن اقتصاديا من واجباتها والتزاماتها، خصوصا أن الحياة معه باتت “مستحيلة”.
اختصاصي علم النفس، د. موسى مطارنة، يشير إلى أن التعنيف داخل الأسر، وخصوصا الواقع على الزوجة، يعد من أكثر السلوكيات المحبطة للأبناء، فمنهم من يعتقد أن قوة الأب بضرب الأم، فيما تقبل الأم هذه الإهانة لأنها ضعيفة، وينتج عن تلك العائلة عائلات أخرى شبيهة تتعرض للشيء ذاته.
ويبين أن هناك نموذجا آخر، يظهر بلوم الأم على ضعفها وسكوتها، ومشاعر الحقد على الوالد الظالم، وفي هذه الحالة، يكون لسعي الأم لإبقاء أولادها في ظل والدهم أثر سلبي ومدمر لجميع الأطراف.
ويؤكد مطارنة، أن الزوجة المعنفة حين تريد الانفصال القطعي يعني أنها عانت كثيرا، وتحملت كثيرا، ولا مجال للإصلاح من هذا الزوج، فلذلك تنوي الرحيل عن هذه الحياة، ومنهن لا يفكرن بما ينتظرهن من حياة أخرى؛ إذ إن أثر التعرض للإهانة على الأطفال ليس بسيطا، ولذا قد يكون الطلاق أقل ضررا عليهم.
وتذهب دكتورة الفسلفة المتخصصة بشؤون المرأة، د. لينا جزراوي، الى أن الحل بيد المرأة وعليها الاختيار وأن تعلم تماما نتيجة خيارها. وتلفت إلى أن هذا القرار لا يؤخذ بتعجل وعصبية، فلا يوجد حل سحري لهذا الوضع، ناصحة المرأة التي تفكر بالطلاق، أن تفكر بطريقة ذكية وإيجاد حل يجعل خسارتها أقل ما يمكن، لأنها خطوة غير سهلة.
وتشدد على أهمية ألا تتسرع المرأة المعنفة بقرار الانفصال؛ إذ عليها أن تدبر أمرها، والسعي لوظيفة أخرى وراتب أفضل، أو عمل إضافي من البيت لتتمكن من الحياة مع أطفالها، مؤكدة أن تبعات الانفصال على المرأة أكثر من الرجل، وبحسب من يدعمها، فمنهن من يجدن الدعم من عائلاتهن، ومنهم من يسحبون أيديهم عنها فتكون ظروفها أقسى وعليها أن تعمل بذكاء أكبر لتقليل خسارتها.
ويوضح الخبير الاجتماعي الاقتصادي، حسام عايش، أن التمكين الاجتماعي هو أساس التمكين الاقتصادي، فالاجتماعي يحافظ على كرامة المرأة ويدعم حقوقها، وبما يؤهلها للمشاركة الإيجابية الفعالة في مختلف أنشطة وفعاليات الحياة الإنسانية، واستبدال ثقافة التهميش بثقافة التأهيل والتمكين، ما يجعلها تحافظ على حقها وتعرف قوتها، ومن ثم يصبح التمكين الاقتصادي أكثر نفعا لها.
ويشير إلى أن العائق يكون دائما اقتصاديا، ودخل الأسر المحدود والرواتب المتآكلة لا تكفي شخصا ليعيش ويصرف على نفسه وإيجار البيت واحتياجات الأطفال، وهو ما يقف عائقا أمام المرأة للمطالبة بالانفصال.
ويشير إلى أن هنالك خللا وضعفا اقتصاديا يوقف المرأة المعنفة ويجعلها ترضى لأجل أن يعيش أولادها بالمستوى المادي ذاته ويدرسوا بالمدارس ذاتها.
اختصاصي علم الاجتماع، د. محمد جريبيع، يبين أن يمارس العنف هو شخص يعاني مشاكل نفسية كثيرة، فمن يعنف المرأة يملك شخصية ضعيفة؛ إذ يعتقد أنه ضبط منزله بعد فرض سطوته وعنفه.
ويؤكد أن كثيرا من النساء يتحملن الإهانة والضرب والخيانة لأجل أولادهن، والعيش في كنف الوالد، مشيرا إلى أن المرأة التي تفكر بالطلاق بسبب سوء الزوج، تقف أمامها العوائق الاجتماعية والظروف الاقتصادية الصعبة، ما يجعلها تتردد أو تلغي الفكرة من أساسها.
ولا يمكن، بحسب جريبيع، تجاهل سطوة الأهل في كثير من الظروف وتضييق الخناق عليها لأنها مطلقة، فيشدون الرباط عليها أيضا، في حين أن الأمثال الشعبية التي تربى عليها الفرد كـ”ظل راجل ولا ظل حيطة”، تجعل الابتعاد عن الحياة الزوجية وإن كانت قائمة على العنف صعبا.
ويشدد جريبيع على أن الأطفال دائما هم الضحية في حالة الخلافات الأسرية، فإن عاشوا في ظروف أسرية صعبة ومهانة سيؤثر عليهم سلبا، ومن الممكن أن تكون النتيجة أن يضرب زوجته كما شاهد والده من قبله، وفتاة ضعيفة ومكسورة تتعرض للإهانة والضرب ولا يكون بيدها إلا التحمل والانكسار لأنها شاهدت أمها من قبل في تلك الحالة.
المستشارة القانونية والناشطة في حقوق المرأة، شيرين يعقوب، تبين أن العنف لا يولد إلا الضعف، و”العيش بوضع اقتصادي صعب أفضل ألف مرة من العيش بلا كرامة”، مستدركة أن لكل شخص ظروفه الخاصة وشخصية تتحكم بتصرفاته.
وتتحدث عن قصص لسيدات قررن الانفصال عن أزواجهن العنيفين، فإحداهن قررت الطلاق من زوجها وأخذت أبناءها وعاشت بهم قريبا من عائلتها، وقررت أن تعمل لتعيش مع أولادها بوضع أفضل، وأكملت تعليمها وباتت لها وظيفة أفضل، واليوم تدرس أبناءها في الجامعة، مؤكدة أن المهانة لا مكان لها بينها وبين أولادها.
وتتحدث من ناحية قانونية “في حال بات العيش بين الأزواج مستحيلا، فإن هناك بعض القضايا التي من الممكن أن ترفع لأجل الانفصال عن الزوج، منها قضية الاستيداع (الخلع)، ويترتب على هذه القضية افتداء المرأة لنفسها، وإسقاط جميع حقوقها المالية لأجل الطلاق”.
لكنها تشدد على أهمية معرفة المرأة بحقوقها، وهي مختلفة عن حقوق أطفالها وحقها في الحضانة. وتستطيع رفع قضية أخرى باسم قضية شقاق ونزاع؛ حيث تحافظ على جزء من حقوقها المالية.
وتقول يعقوب “حتى المرأة تشهد تمييزا في هذه القضايا للأسف، ففي حال رفعت دعوى استيداع، وكان عليها مبلغ مالي يتوجب عليها دفعه بالكامل، وإلا ترد قضيتها ولا يتم تطليقها منه، لكن في قضايا الشقاق والنزاع يستطيع الرجل أن يدفعها بشكل مجزأ ومقسط حسب ظروفه”.
وفي حالتي الاستيداع والشقاق والنزاع، تستطيع الزوجة أن ترفع قضية في حال كان أبناؤها أطفالا، مثل قضية نفقة وقضية حق الحضانة.
ويقصد بحق الحضانة، حسب يعقوب، أن من حق الطفل أن يعيش في حضن أمه وهو صغير، وعندما يصل إلى سن 13 عاما، يخير أين يريد أن يعيش.
وتؤكد أن القانون لا يلزم بنسبة معينة من دخل الزوج، فكلها عائدة على تقدير الخبراء، وفي العادة لا تكون الأموال كافية بالفعل لأجل النفقة، وحتى إن دراسة الطفل في مدارس خاصة مشروطة بموافقة الأب، وفي حالة عدم الموافقة ينتقل إلى المدارس الحكومية.
ومن النفقات التي يمكن أن تطالب بها الزوجة نفقة التعليم والعلاج وأجرة السكن. وتتحدث يعقوب أن على المرأة أن تعرف تماما أنها في الحالتين عليها الخسارة، وأن تختار بين الخسارة المالية أو خسارة الجسد والنفس في إكمال العيش بإهانات لا تتوقف.

التعليق