"النار والغضب: داخل بيت ترامب الأبيض" (3) .. برج ترامب (2-1)

تم نشره في الأحد 14 كانون الثاني / يناير 2018. 01:00 صباحاً
  • دونالد ترامب مع صديقه الملياردير توماس باراك - (أرشيفية)
  • مبنى "برج ترامب" في نيويورك - (أرشيفية)

تأليف: مايكل وولف  

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

يوم السبت الذي أعقب الانتخاب، استقبل دونالد ترامب مجموعة صغيرة من المهنئين في شقته المكونة من ثلاثة طوابق في "برج ترامب". وكان حتى أصدقاؤه المقربون مصدومين ومرتبكين، وخيم على الحضور نوع من الذهول. لكن ترامب نفسه كان ينظر معظم الوقت في ساعة الحائط.
روبرت مردوخ، الذي كان حتى ذلك الحين متأكداً بلا أدنى شك من أن ترامب دجال مشعوذ وأحمق، قال إنه هو وزوجته الجديدة، جيري هول، سيقومان بزيارة للرئيس المنتخب. لكن مردوخ كان متأخراً -متأخراً جداً. وواصل ترامب التأكيد لضيوفه أن روبرت في الطريق، وسوف يصل قريباً. وعندما تحرك بعض الضيوف للمغادرة، رجاهم ترامب أن يبقوا فترة أطول قليلاً. "سوف ترغبون في البقاء لرؤية روبرت". (أو، كما أوَّل أحد الضيوف: سوف ترغبون في البقاء لتروا ترامب مع روبرت).
كان مردوخ، الذي تواصل في السابق، مع زوجته آنذاك، ويندي، مع جاريد وإيفانكا في كثير من الأحيان، قد بذل القليل من الجهد في السابق لإخفاء عدم اهتمامه بترامب. وخلق غرام مردوخ بكوشنر شيئاً لافتاً في دينامية السلطة بين ترامب وزوج ابنته -دينامية استغلها كوشنر، بدهاء مبرر، لصالحه؛ حيث كان يلقي في كثير من الأحيان باسم مردوخ عرَضاً في حواراته مع والد زوجته. وعندما قالت إيفانكا ترامب لمردوخ في العام 2015 إن والدها سيترشح حقاً لمنصب الرئيس، استبعد مردوخ الإمكانية على الفور.
أما الآن، فكان الرئيس المنتخب الجديد -بعد الحدث الأكثر إقلاقاً وإدهاشاً في التاريخ الأميركي- ينتظر مردوخ على أحر من الجمر. "إنه واحد من العظماء"، قال لضيوفه وقد أصبح أكثر قلقاً بينما ينتظر. "حقاً، إنه واحد من العظماء، آخر العظماء. يجب أن تنتظروا لتروه".
كانت تلك مجموعة متطابقة من الانقلابات الغريبة -تطابق ينطوي على مصادرة. كان ترامب، الذي ربما لم يدرك بعد الفارق بين كونه قد أصبح رئيساً وبين ارتفاع مكانته الاجتماعية، يحاول بكل الطاقة أن يماهي نفسه مع قطب الإعلام المترفع عنه والمزدري له سابقاً. ومردوخ، الذي وصل أخيراً إلى الحفلة التي كان متأخراً جداً عنها بأكثر من طريقة، كان مصدوماً ومأخوذاً مثل كل أحد آخر، وكان يناضل لتعديل نظرته حول رجل كان في نظره لأكثر من جيل أمير المهرجين والحمقى بين الأغنياء والمشاهير في أحسن الأحوال.
* * *
كان مردوخ بالكاد الملياردير الوحيد الذي يزدري ترامب. في السنوات التي سبقت الانتخاب، كان كارل إيكان، الذي كثيراً ما استشهد ترامب بصداقته، والذي اقترح ترامب أنه سيقوم بتعيينه في منصب رفيع، قد سخر علناً من زميله الملياردير (الذي قال عنه إنه ليس مليارديراً حتى من بعيد).
قلة من الناس الذين عرفوا ترامب كانت لديهم أي أوهام عنه. وكان هذا سر جاذبيته تقريباً: أنه ما هو عليه؛ بذلك التعبير السعيد على وجهه وكأنه يعرف سراً، وبذلك الانخطاف في روحه.
لكنه أصبح الآن الرئيس المنتخب. وقد غيَّر ذلك، بالمعنى الواقعي، كل شيء. وهكذا، مهما يكن ما تقوله عنه، فإنه فعلها. لقد سحب السيف من الصخرة. وقد عنى ذلك شيئاً. كل شيء.
كان على الملياردير أن يعيد التفكير. وكذلك فعل كل شخص في مدار ترامب. فريق الحملة، الذين أصبحوا الآن فجأة في وضع مثالي لتخاطف الوظائف في "الجناح الغربي" -وظائف من النوع الذي يصنع مهنة حياة ويصنع التاريخ- أصبح عليهم أن يروا هذا الشخص الغريب، الصعب، بل السخيف على السطح، وسيئ التأهيل، في ضوء جديد. لقد انتُخب رئيساً، وبذلك كان -كما أحبت كيليان كونوي أن تشير- بالتعريف، رئاسياً.
مع ذلك، لم يكن أحد قد رآه رئاسياً بعد -بمعنى الانحناء على الملأ أمام الطقوسية والامتلاك السياسي فيه -أو حتى ممارسة نوع من الضبط المعتدل للذات.
وثمة آخرون أصبحوا الآن مجنَّدين في الفريق، ووافقوا على الانخراط على الرغم من انطباعاتهم الواضحة عن الرجل. جيم ماتيس؛ الجنرال المتقاعد ذي الأربع نجوم، وواحد من القادة الأكثر احتراماً في القوات المسلحة الأميركية؛ ريكس تيلرسون، الرئيس التنفيذي لشركة "إكسون موبيل"؛ سكوت برويت وبيتسي ديفوس، المواليين لجيب بوش -أصبحوا كلهم يركزون الآن على الحقيقة المفردة: أنه في حين قد يكون ترامب شخصية غريبة، بل وحتى سخيفة ومنافية للعقل، فإنه انتُخب رئيساً.
نستطيع أن نجعل هذا يعمل، هي العبارة التي أصبح الجميع في مدار ترامب يرددونها فجأة. أو، على الأقل، ربما يمكن لهذا أن يعمل.
في الحقيقة، ليس ترامب في نهاية المطاف ذلك الرجل كثير الضجيج وعاشق الملاكمة الذي أثار الجماهير المسعورة في الحملة الانتخابية. إنه ليس غاضباً ولا مقاتلاً. صحيح أنه ربما يكون أكثر المرشحين للرئاسة تهديداً وإخافة ورعباً في التاريخ الحديث، لكنه يمكن أن يكون، بشخصه، مهدئاً ومريحاً تقريباً. لقد زال عنه رضاه المتطرف عن الذات. الحياة مشمسة. وترامب رجل متفائل -إزاء نفسه على الأقل. إنه ساحر ومحتشدٌ بالإطراء؛ إنه يركز عليك. إنه شخص مُسلٍّ، بل ومنتقد لذاته. وهو مليء بالطاقة بشكل لا يصدق -دعونا نفعل ذلك مهما يكن، دعونا نفعله. إنه ليس شخصاً قاسياً. إنه "قرد كبير دافئ القلب"، كما قال عنه بانون، بما يشبه المديح الباهت.
كان بيتر تيل، المؤسس المشارك لـ"بايبال" وعضو مجلس إدارة شركة "فيسبوك" -الصوت الوحيد المهم في وادي السيليكون الذي دعم ترامب- كان قد تلقى تحذيراً من ملياردير آخر وصديق لترامب منذ فترة طويلة، من أن ترامب سوف يعرض على تيل، في انفجار من التملق والإطراء، صداقته الأبدية التي لا تنتهي. "الجميع يقولون إنَّك عظيم، أنت وأنا سوف نقيم علاقة عمل مذهلة، أي شيء تريده أن يحدث، اتصل بي فقط وسنجعله يحدث!". ونصح تيل بعدم أخذ عرض ترامب على محمل الجد. لكن تيل، الذي ألقى خطابا يدعم ترامب في المؤتمر الجمهوري في كليفلاند، ذكر أنه حتى بعد أن تم تحذيره مسبقاً، كان متأكداً تماماً من صدق ترامب وإخلاصه عندما قال إنهما سيكونان صديقين مدى الحياة -فقط شريطة أن لا يسمع ترامب منه مرة أخرى أبداً، أو أن لا يرد على مكالماته. ومع ذلك، فإن السلطة تقدم أعذارها الخاصة عن السقطات الاجتماعية. وثمة عناصر أخرى من شخصية ترامب تظل أكثر إشكالية.
كان معظم المهنيين الذين تم تحديدهم الآن للانضمام إليه يصطدمون وجهاً لوجه بحقيقة أنه بدا وكأنه لا يعرف شيئاً، أي شيء. لم يكن هناك ببساطة أي موضوع -ربما باستثناء الإنشاءات- يبرع في معرفته بشكل خاص. كان كل شيء بالنسبة له مُباغِتاً. وكلما عرف عن شيء، بدا كما لو أنه عرفه قبل ساعة فقط -وكانت تلك المعرفة نصف مخبوزة تقريباً. لكن كل فرد في فريق ترامب الجديد كان يقنع نفسه -أو نفسها- بخلاف ذلك، لأن ما يعرفونه هو أن الرجل انتُخِب رئيساً. لقد عرَض شيئاً، بكل وضوح. وفي الحقيقة، في حين أن كل شخص في دائرة الأغنياء الاجتماعية عرف عن هذا الجهل عريض النطاق -لم يكن ترامب، رجل الأعمال، يستطيع حتى أن يقرأ كشف الميزانية، وترامب، الذي خاض حملته على أساس مهاراته في إبرام الصفقات، كان، بعدم عنايته بالتفاصيل، مفاوضاً مريعاً- فإنهم وجدوه مع ذلك "فطرياً" بطريقة ما. كانت هذه هي الكلمة. إنه يجسد قوة الشخصية. إنه يستطيع أن يجعلك تصدق.
"هل ترامب شخص جيد، شخص ذكي، شخص قدير؟"، تساءل سام ننبيرغ، مساعد ترامب السياسي منذ وقت طويل. "إنني حتى لا أعرف. لكنني أعرف أنه نجم".
في محاولة لشرح مزايا ترامب وجاذبيته، قال بيرس مورغان -رجل الصحف البريطاني ومذيع "سي. إن إن" قليل الحظ الذي كان قد ظهر في برنامج عن المشاهير وظل صديقاً مخلصاً لترامب -قال إن كل شيء موجود في كتاب ترامب "فن الصفقة". كل شيء جعلَه يكون ترامب، وحدد دهاءه، وطاقته، وشخصيته الكاريزمية، موجود هناك. إنك إذا أردت أن تعرف ترامب، فما عليك سوى أن تقرأ الكتاب. لكن ترامب لم يكتب "فن الصفقة". وقد أصر المؤلف المشارك، توني شوارتز، على أنه أسهم بالكاد فيه، بل وربما حتى لم يقرأه كله. ربما كانت هذه هي الفكرة. لم يكن ترامب كاتباً، كان شخصيةً فقط -شخصيةً رئيسية وبطلاً في رواية.
كمعجب بمصارعة المحترفين، والذي أصبح شخصية معروفة ومؤدياً لــ"عروض تسلية المصارعة العالمية" (واسمه مُدرج في قاعة الشهرة لاتحاد المصارعة العالمي)، عاش ترامب، مثل هولك هوغان، كشخصية قصصية تعيش في الحياة الواقعية. وفيما يشكل سبباً للتسلية لأصدقائه، ويشكل سبباً لعدم الارتياح بالنسبة للعديد من الناس الذين يستعدون الآن للعمل معه في أعلى مستويات الحكومة الفيدرالية، تحدث ترامب في كثير من الأحيان عن نفسه بصيغة الغائب. فعل ذلك حقاً. كانت قوية جداً هذه الشخصية الروائية، أو هذا الدور، بحيث بدا ترامب متردداً، أو غير قادر على التخلي عنهما لصالح أن يكون رئيساً -أو رئاسياً.
مهما كان الرجل صعباً، حاول الكثيرون من الذين حوله أن يبرروا سلوكه -حاولوا العثور على تفسير لنجاحه فيه، وأن يفهموه على أنه ميزة، وليس عيباً. بالنسبة لستيف بانون، كانت ميزة ترامب الفريدة هي كونه الذكر المهيمِن في المجموعة، ربما آخر الذكور المهيمنين؛ رجل من رجال الخمسينيات، من نوع أعضاء فرقة التسلية "رات باك"؛ شخصية مُستلة من دراما "الرجال المجانين".
بل إن فهم ترامب لطبيعته الأساسية الخاصة كان أكثر دقة. ذات مرة، بينما كان عائداً في طائرته مع صديق ملياردير جلب معه عارضة أزياء أجنبية، حث ترامب، وهو يحاول التقرب من المرأة التي يواعدها صديقه، على توقف في أتلانتيك سيتي. وهناك، سيأخذهم في جولة في الكازينو الذي يملكه. وأكد صديقه للعارضة أنه ليس هناك شيء تمكن التوصية به في أتلانتيك سيتي. إنه مكان يجتاحه الحثالة البيض.
"من هم هؤلاء "الحثالة البيض"؟"، سألت العارضة.
"إنهم أشخاص مثلي تماماً"، قال ترامب. "سوى أنهم فقراء".
لقد بحث عن عذر لكي لا يكون مطابقاً للعُرف، لأن لا يكون محترماً. كان ذلك تصوراً خارجاً على القانون للفوز –كان الفوز، مهما تكن الطريقة التي تفوز بها، هو كل شيء.
أو، كما قد يلاحظ أصدقاؤه، محاذرين أن لا ينخدعوا بذلك هم أنفسهم، لم يكن لديه ببساطة أي تردد ولا وازع. كان متمرداً، صانع فوضى، ومزدرياً للجميع بالعيش خارج القواعد. ووجد صديق قريب لترامب، والذي كان صديقاً قريباً لبيل كلينتون، أنهما متشابهان تماماً -سوى أن كلينتون كانت له واجهة محترمة بينما ليس لترامب مثل ذلك.
أحد تجليات الشخصية الخارجة على القانون، في كل من ترامب وكلينتون، هي ماركتهما الخاصة من ملاحقة النساء -وفي الحقيقة، التحرش. وحتى بين مطاردي النساء والمتحرشين من الطبقة العالمية، بدا هذان الرجلان متحررين من الشك أو التردد بطريقة استثنائية.
أحب ترامب أن يقول إن أحد الأشياء التي تجعل الحياة قمينة بأن تعاش هي جلب زوجة صديقك إلى سريرك. وفي سياق مطاردة زوجة الصديق، يمكن أن يحاول إقناع الزوجة بأن زوجها ربما لا يكون كما تظن. ثم سيجعل سكرتيرته تدعو الصديق إلى مكتبه؛ وبمجرد أن يصل الصديق، سوف ينخرط ترامب فيما كان، بالنسبة إليه، مزاحاً جنسياً مستمراً بدرجة أو بأخرى. "هل ما تزال تمارس الجنس مع زوجتك؟ كم مرة؟ لا بد أنك نمتَ مع نساء أفضل من زوجتك؟ أخبرني عن ذلك. لديَّ فتيات سيأتين من لوس أنجلوس عند الساعة الثالثة. يمكننا أن نصعد إلى فوق ونمضي وقتاً جيداً. أعدك...". وخلال كل ذلك، يكون ترامب قد وضع زوجة الصديق على الجانب الآخر من الهاتف المفتوح، تستمع.
الرؤساء السابقون، وليس كلينتون فحسب، كانوا يفتقرون إلى الوازع بطبيعة الحال. لكن ما كان، بالنسبة للكثير من الناس الذين عرفوا ترامب جيداً، أكثر إرباكاً بكثير، هو أنه استطاع كسب الانتخابات، والوصول إلى هذا الإنجاز النهائي، مفتقراً تماماً إلى ما يجب أن يكون وفق المنطق الواضح، المتطلب الرئيسي للوظيفة، ما قد يسميه علماء الأعصاب، "الوظيفة التنفيذية". لقد كسب السباق إلى الرئاسة بشكل ما، لكن دماغه بدا غير قادر على أداء ما ستكون مهمات أساسية في عمله الجديد. إنه لا يمتلك أي قدرة على التخطيط أو التنظيم والانتباه ونقل التركيز؛ لم يكن قد تمكن مطلقاً من تفصيل سلوكه على مقاس ما تتطلبه الأهداف المحددة منطقياً. وعلى أكثر المستويات أساسية، لم يكن يستطيع، ببساطة، أن يقيم الصلة بين السبب والنتيجة.
كان اتهام ترامب بالتآمر مع الروس لكسب الانتخابات، والذي قلل هو من شأنه، يشكل في تقدير بعض أصدقائه مثالاً كاملاً على عجزه عن الوصل بين النقاط. فحتى لو أنه لم يتآمر شخصياً مع الروس لكسب الانتخابات، فإن جهوده للتماهي مع فلاديمير بوتين، من دون كل الناس، تركت من دون شك أثراً من الكلمات والأفعال المنذرة التي يغلب أن تكون لها كُلَف سياسية هائلة.
بعد وقت قصير من الانتخابات، قال له صديقه آيلز، بحسٍّ من التوقع الحذر "يجب أن تفعل شيئاً على الفور في موضوع روسيا". وحتى مع أنه منفيٌّ من "فوكس نيوز"، كان آيلز ما يزال يحتفظ بشبكة استخبارات أسطورية. وقد حذر ترامب من أشياء مقبلة على الطريق، والتي ربما تكون مدمرة. "يجب أن تأخذ هذا على محمل الجد، دونالد". وقال ترامب السعيد: "جاريد سيتولى هذا. كل هذا تم حلُّه".
*   *   *
برج ترامب، المجاور لـ"تيفاني"، والذي أصبح الآن مقراً لثورة شعبوية، بدا فجأة مثل سفينة فضاء غريبة قادمة من عالم آخر –"نجمة الموت"- في الجادة الخامسة. وبينما بدأ العظماء والأخيار والطموحون، وكذلك المحتجون الغاضبون والدهماء الفضوليون في زيارة باب الرئيس التالي بأعداد غفيرة، تم على عجل نصب حواجز مثل المتاهة لحمايته.
كان قانون الانتقال الرئاسي لما قبل الانتخاب للعام 2010 قد خصص تمويلاً للمرشحين الرئاسيين لبدء عملية تمحيص وتدقيق لآلاف المرشحين للوظائف في الإدارة الجديدة، بحيث يرتبون بذلك السياسات التي ستحدد الأعمال المبكرة لبيت أبيض جديد، ويحضِّرون لتسليم المسؤوليات البيروقراطية يوم 20 كانون الثاني (يناير). وخلال الحملة، كان على حاكم نيوجيرسي، كريس كريستي، الرئيس الاسمي لمكتب ترامب الانتقالي، أن يخبر المرشح بحزم بأنه لم يستطع إعادة توجيه هذه الأموال، وأن القانون يتطلب منه أن ينفق النقود وأن يخطط للفترة الانتقالية -لواحدة لم يتوقع حتى أنه سيحتاجها. وقال ترامب المغضب إنه لا يريد أن يسمع المزيد عن هذا الأمر.
في اليوم التالي للانتخاب، بدأ مستشارو ترامب الوثيقون -الذين أصبحوا حريصين فجأة على أن يكونوا جزءاً من عملية كان الجميع تقريباً قد تجاهلوها- بدؤوا على الفور في لوم كريستي على قلة الاستعدادات للانتقال. وعلى عجل، انتقل فريق الفترة الانتقالية المجرد تقريباً من كل إمكانية، والذي لا يلبي الحد الأدنى من حيث التكوين، من وسط واشنطن إلى برج ترامب.
كان البرج بالتأكيد أكثر عقار باهظ الثمن يشغله فريق انتقالي على الإطلاق (وإذا كان ذلك يهم، تشغله حملة رئاسية). وكان هذا جزءاً من الفكرة. فقد أرسل رسالة ترامبية الطراز: إننا لسنا خارجيين فقط، لكننا أكثر قوة من داخلييكم. أكثر غنى. أكثر شهرة. وبعقار أفضل.
وبطبيعة الحال، كان ذلك مشخصناً تماماً: كان اسمه مكتوباً، بطريقة خرافية، على الباب. وفي الأعلى كان ثمة شقة ثلاثية الطوابق، أكبر بكثير من أقسام السكن في البيت الأبيض. وهنا يوجد مكتبه الخاص الذي شغله منذ الثمانينيات. وهنا كانت الحملة، والآن موقع الانتقال -المستقر بحزم في مداره الخاص، وليس في مدار واشنطن و"المستنقع".
كانت غريزة ترامب في مواجهة نجاحه غير المحتمل، إن لم يكن المنافي للعقل، نقيض التواضع. كانت تعني، ببعض المعاني، تأكيد ميزتك وتذكير كل الآخرين بما فهموه وفعلوه خطأ إزاءك. سوف يترتب على داخليي واشنطن، أو الداخليين المحتملين، أن يأتوا هم إليه. وعلى الفور، أصبح برج ترامب يترفع على البيت الأبيض نفسه. وكل شخص جاء ليرى الرئيس المنتخب كان يعترف، أو يقبل، بحكومة تتشكل من الخارجيين. لقد أجبرهم ترامب على أن يتحملوا ما وصفه الداخليون بابتهاج بأنه أشبه "بعرض المتَّهمين في مكان عام" أمام أعين الصحافة والمتطفلين من كل نوع. عرض للخضوع، إن لم يكن الإذلال.
ساعد مشهد برج ترامب غير الدنيوي الذي بدا قادماً من عالم آخر، في التغطية على حقيقة أن قلة في الصفوف الصغيرة لدائرة ترامب الداخلية -بمسؤوليتهم التي تكوّنت بين ليلية وضحاها عن تجميع حكومة- كانوا يمتلكون أي خبرة ذات صلة تقريباً. لم تكن لأي منهم خلفية سياسية. لم يتمتع أحد منهم بالدهاء السياسي. ولم تكن لأيهم خلفية تشريعية.
السياسة مسألة شبكات، مسألة معارفك ومَن تعرف. ولكن، على النقيض من أي رئيس منتخب آخر -الذين عانوا كلهم بلا استثناء من نقائصهم الإدارية الخاصة- لم تكن لترامب أي من استحقاقات المهنة من الصلات السياسية والحكومية التي يمكن أن يستعين بها. بل كانت لديه بالكاد منظمته السياسية الخاصة. وفي معظم الأشهر الثمانية عشر على الطريق، كان الأمر، في جوهره، مؤسسة من ثلاثة أشخاص: مدير حملته، كوري ليفاندوفسكي (حتى طرده قبل شهر من اجتماعات الترشيح الجمهورية)؛ والناطق باسمه ومساعده وخادمه الشخصي أحياناً، أول موظف في الحملة، هوب هيكس، الشاب بعمر 26 عاماً؛ وترامب نفسه. وقد وجد ترامب، بغرائزة الهزيلة وحاسة الجسد السادسة، أنه -كلما كان لديك عدد أكبر من الناس لتتعامل معهم، أصبح من الأصعب عليك أن تدير طائرتك وتعود إلى بيتك لتنام في سريرك في الليل.
كان الفريق المهني -مع أنه لم يكن هناك في الحقيقة سياسي محترف بينهم- الذي انضم إلى الحملة في آب (أغسطس)، بمثابة مسعى اللحظة الأخيرة لتجنب الإهانة اليائسة. لكن هؤلاء كانوا أناساً عمل معهم بضعة أشهر فقط.
لاحظ رين بريبوس، الذي يستعد للانتقال من اللجنة الوطنية الجمهورية إلى البيت الأبيض، كيف كان ترامب يعرض الوظائف على الناس في كثير من الأحيان على الفور، والذين لم يكن قد التقى بالكثيرين منهم من قبل، لتولي مناصب لم يكن ترامب يعرف أهميتها بشكل خاص.
وكان آيلز، المخضرم الذي عمل مع نيكسون، وريغان، وبيت بوش الأبيض الحادي والأربعين، يصبح أكثر قلقاً من افتقار الرئيس المنتخب إلى التركيز المباشر على هيكل البيت الأبيض الذي يمكن أن يخدمه ويحميه. وحاول تنبيه ترامب إلى ضراوة المعارضة التي ستكون في استقباله هناك.
قال آيلز لترامب بعد وقت ليس بالطويل من الانتخاب: "إنك تحتاج إلى ابن عاهرة ليكون رئيس موظفيك. وتحتاج إلى ابن عاهرة يعرف واشنطن".
"سوف تريد أن تكون ابن العاهرة أنت نفسك، لكنك لا تعرف واشنطن". وكان لدى آيلز اقتراح: "رئيس مجلس النواب، بوهنر". (كان جون بوهنر رئيس مجلس النواب حتى أُجبِر على الاستقالة في انقلاب لحزب الشاي في العام 2011).
"من يكون هذا؟"، سأل ترامب.
حاول الجميع في دائرة ترامب من المليارديرات، القلقين من ازدرائه لخبرة الآخرين، تنبيهه إلى ضرورة الناس، الناس الكثيرين، الذين سيحتاج إلى أن يكونوا معه في البيت الأبيض، الناس الذين يفهمون واشنطن. "جماعتك أكثر أهمية من سياستك. جماعتك هم سياستك".
"فرانك سيناترا كان مخطئاً"، قال ديفيد موسي، أحد مستشاري ترامب السياسيين منذ وقت طويل. "إنك إذا استطعت أن تنجح في نيويورك، فإنك لن تستطيع بالضرورة أن تنجح في واشنطن".
*   *   *
تشكل طبيعة دور رئيس الموظفين الحديث موضع تركيز الكثير من الدراسات عن البيت الأبيض. فعلى نحو يماثل الرئيس نفسه، يحدد رئيس الموظفين الكيفية التي يعمل بها البيت الأبيض والفرع التنفيذي -الذي يوظف 4 ملايين شخص، بمن فيهم 1.3 مليون في الأجهزة المسلحة.
وقد تم تأسيس هذا المنصب ليعمل شاغله كنائب للرئيس، أو كرئيس للتشغيل والعمليات، أو حتى كرئيس للوزراء. وكان من أبرز رؤساء موظفي البيت الأبيض كل من، هـ. آر. هالديمان، وألكسندر هيغ في إدارة الرئيس ريتشارد نيكسون؛ دونالد رامسفيل وديك تشيني في إدارة جيرالد فورد؛ هاميلتون جوردان في إدارة جيمي كارتر؛ جيمس بيكر في إدارة دونالد ريغان؛ وجيمس بيكر مرة أخرى في إدارة جورج بوش الأب؛ وليون بانيتا، وإرسكين باولز وجون بوديستا في إدارة بيل كلينتون؛ وأندرو كارد في إدارة جورج دبليو بوش؛ ورام إيمانويل وبيل دالي في إدارة باراك أوباما. وسوف يستنتج كل من يدرس هذا المنصب أن رئيساً أقوى للموظفين سيكون أفضل من واحد ضعيف، وأن رئيساً للموظفين صاحب تاريخ في واشنطن والحكومة الفيدرالية سيكون أفضل من واحد خارجي.
كان لدى ترامب القليل من الإدراك -إذا كان ثمة شيء منه من الأساس- لتاريخ هذا الدور أو التفكير به. وبدلاً من ذلك، استبدله بأسلوبه الخاص في الإدارة وخبرته الخاصة. وكان قد اعتمد طوال عقود على المحامين والمساعدين والمقربين القدماء والعائلة. وحتى مع أن ترامب أحب أن يصور عمله التجاري على أنه إمبراطورية، فإنه كان في الحقيقة شركة قابضة منفصلة ومؤسسة بوتيك، والتي تقدم الخدمات لخصوصياته كمالك وممثل لعلامة تجارية أكثر من عنايتها بتقديم أي جردة للحساب أو أي مراقبة لمعايير الأداء الأخرى.
وقد تساءل ابناه؛ دون جيه آر وإريك -المعروفان من وراء ظهريهما عند دائرة ترامب الداخلية، على سبيل الفكاهة، بعديّ وقصي، على اسمي ابني صدام حسين- تساءلا عما إذا بالإمكان أن يكون هناك بطريقة ما هيكلان متوازيان للبيت الأبيض؛ واحد مخصص لعرض رؤى أبيهما للصورة الكبيرة، وظهوره الشخصي، وقدرات رجل المبيعات فيه؛ وواحد آخر يُعنى بقضايا الإدارة يوماً بيوم. وفي هذه البِنية، رأيا نفسيهما يهتمان بالعمليات اليومية.
كانت إحدى أفكار ترامب المبكرة هي تجنيد صديقه، توم باراك -وهو جزء من مجلس مطبخه من أقطاب العقارات، الذي يضم ستيف روث وريتشارد ليفراك- وتعيينه رئيساً لموظفيه.
وباراك، حفيد مهاجرين لبنانيين، هو مستثمر عقاري معجب بنجوم التسلية، يتمتع بفطنة أسطورية ويملك جنة مايكل جاكسون السابقة الغريبة، "مزرعة نيفرلاند". ومع جيفري إبشتاين -ممول نيويورك الذي سيظهر بانتظام في صحف التابلويد بعد التماس بالذنب بتهمة الإغواء بالبغاء، والذي أرسله إلى السجن لثلاثة عشر شهراً في بالم بيتش- شكل ترامب وباراك نسخة الثمانينيات والتسعينيات من "الفرسان الثلاثة".
باعتباره المؤسس المشارك والمدير التنفيدي لمؤسسة الأسهم الخاصة، "كولوني كابيتال"، أصبح باراك مليارديراً يعمل في استثمارات الديون المتعثرة في العقارات في جميع أنحاء العالم، بما في ذلك المساعدة على إنقاذ صديقه دونالد ترامب.
راقب باراك بحس من التسلي حملة ترامب غريبة الأطوار، وتوسط في الصفقة التي جعلت باول منافورت يحل محل كوري ليفاندوفسكي بعد أن اختلف ليفاندوفسكي مع كوشنر. ثم، مأخوذاً مثل كل أحد آخر بنجاح الحملة المتواصل- قدم باراك صديقه، الرئيس المستقبلي، بعبارات دافئة وشخصية في المؤتمر الوطني للحزب الجمهوري في تموز (يوليو). (في تناقض مع ما سيكون بخلاف ذلك لهجة قاتمة وغير متفائلة).
كان أكثر تصورات ترامب كمالاً أن ينضم صديقه توم -الرجل النشط في التنظيم والمدرك تماماً لافتقار صديقه للاهتمام بالإدارة يوماً بيوم- ليدير البيت الأبيض. وكان ذلك حل ترامب الفوري والمناسب للظرف غير المتوقع؛ أن يصبح رئيساً فجأة: أن يدير الأمور مع معلمه في الأعمال، الموثوق، والمستثمر، والصديق، والشخص الذي يصفه معارف الرجلين بأنه "واحد من أفضل مدربي دونالد ترامب ورعاته". وسُمّي ذلك في دائرة ترامب، خطة "الصديقين". (أبشتاين، الذي بقي قريباً من باراك، تم استبعاده من سيرة ترامب الذاتية).
سوف يستطيع باراك، وهو من بين بضعة أشخاص لم يكن ترامب، الرافض والمتشائم بالغريزة، يشكك فيهم، سيستطيع -حسب رؤية ترامب الآملة- أن يجعل الأشياء تجري بنعومة حقاً وأن يجعل ترامب يكون ترامب. كان ذلك، من جانب ترامب، جزءاً غير معهود من الوعي الذاتي: ربما لا يعرف دونالد ترامب ما لا يعرف، لكنه يعرف ما يعرفه توم باراك. سوف يدير العمل وترامب سيبيع المنتج –جَعل أميركا عظيمة مرة أخرى.
بالنسبة لباراك، مثلما لكل شخص آخر حول ترامب، كانت نتيجة الانتخابات نوعاً من كسب اليانصيب بطريقة لا تصدق -أن يصبح صديقك المستبعد تماماً وغير المحتمل تماماً رئيساً. ولكن، كان على باراك -حتى بعد مكالمات هاتفية لا تعد ولا تحصى من الإغراء والتملق- أن يخيِّب أخيراً أمل صديقه. قال له: "أنا غنيٌّ جداً فقط". إنه لا يستطيع أبداً أن يفكك مقتنياته ومصالحه –بما فيها استثمارات هائلة في الشرق الأوسط- بطريقة يمكن أن ترضي الذين نصبوا أنفسهم مراقبين وحُراساً للأخلاق. كان ترامب غير مهتم، أو غير عارف بتعارضات عمله التجاري الخاصة، لكن باراك لم ير في عمل السياسة سوى أن يجلب على نفسه المشاحنة والكلفة. كما لم تكن لباراك، الذي يعيش زواجه الرابع، شهية لأن يجعل حياته الشخصية الملونة -التي مارسها عادة، وعلى مدى السنوات، مع ترامب- تصبح موضوعاً للانتباه العام.

*من كتاب Fire and Fury: Inside the Trump White House.
*مايكل وولف (المولود في 27 آب/ أغسطس 1953)، هو مؤلف أميركي، وكاتب، وصحفي، وكاتب عمود ومساهم في "يو أس توداي"، و"هوليوود ريبورتر"، وطبعة المملكة المتحدة من "جي كيو". حصل على جائزتين من "مجلة ناشيونال ماغازين"، و"جائزة الميرور"، وألف سبعة كتب، منها Burn Rate عن شركة دوت كوم الخاصة به، في العام 1998، وThe Man Who Owns the News، وهو سيرة روبرت مردوخ، في العام 2008. شارك في تأسيس موقع تجميع الأخبار "نيوزر"، وهو محرر سابق في "أدويك".

التعليق