"النار والغضب: داخل بيت ترامب الأبيض" (3) .. برج ترامب (2-2)

تم نشره في الأربعاء 17 كانون الثاني / يناير 2018. 01:00 صباحاً
  • إيفانكا ترامب وجاريد كوشنر - (أرشيفية)
  • السياسي الأميركي كريس كريستي - (أرشيفية)

تأليف: مايكل وولف*

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

كانت خطة ترامب الاحتياطية لاختيار رئيس الموظفين في البيت الأبيض هي زوج ابنته. ففي الحملة، بعد أشهر من الاضطراب والشعور بالغربة (إن لم يكن بالنسبة لترامب، فلمعظم الآخرين، بمن فيهم أفراد عائلته)، تدخل كوشنر وأصبح مساعده الفعال، حيث ظل يحوم في الجوار، ويتحدث فقط عندما يتحدث أحد إليه، لكنه يعرض دائماً وجهة نظر مهدئة ومتملقة. وقد أطلق كوري ليفاندوفسكي على كوشنر وصف كبير الخدم. وأصبح ترامب يعتقد بأن صهره -جزئياً لأنه بدا أنه يعرف كيف يبقى بعيداً عن طريقه- كان حصيفاً بشكل فريد.
في تجاهل للقانون والتداعيات، ونظرات الجميع غير المصدقة، بدا الرئيس عازماً على إحاطة نفسه في البيت الأبيض بأفراد عائلته. كان أفراد عائلة ترامب –باستثناء زوجته، التي كانت تقيم في نيويورك لسبب غامض- يتوافدون، وكلهم مستعدون لتولي مسؤوليات مشابهة لمكانتهم في "منظمة ترامب"، من دون أن ينصح أحد بخلاف ذلك.
وفي نهاية المطاف، كانت نجمة اليمين ونصيرة ترامب، آن كاولتر، هي التي أخذت الرئيس المنتخب جانباً وقالت له، "لا أحد يقول لك هذا على ما يبدو. لكنك لا تستطيع. لا تستطيع أن توظف أولادك".
لكن ترامب واصل الإصرار على أن له كل الحق في التمتع بمساعدة عائلته، بينما يسأل الآخرين في الوقت نفسه من أجل أن يفهم. هذه عائلة، قال –"الأمر خادع قليلاً". ولم يكن موظفوه يفهمون التناقضات والقضايا القانونية الصعبة التي ينطوي عليها جعل صهر ترامب يدير البيت الأبيض، وإنما فهموا أن الأمر يمكن أن يصل -حتى أكثر مما كان سابقاً- إلى حد "العائلة أولاً" بالنسبة لترامب. وبعد قدر كبير من الضغط، وافق على الأقل على عدم جعل صهره رئيساً للموظفين –ليس بشكل رسمي، على أي حال.
*   *   *
إذا لم يكن باراك ولا كوشنر، فعندئذٍ، فكر ترامب، ربما يجب أن يذهب المنصب إلى حاكم نيو جيرسي كريس كريستي، الذي شكل مع رودي غيولياني، مجموع دائرته من الأصدقاء الذين لديهم تجربة حقيقية في السياسة.
كان كريستي، مثل معظم حلفاء ترامب، قريباً تارة وبعيداً أخرى. وفي الأسابيع الأخيرة من الحملة، قاس ترامب مسافة ابتعاد كريستي المتزايدة عن مؤسسته الخاسرة، ثم حرصه على العودة إليها مع الانتصار.
عاد ترامب وكريستي إلى أيام محاولة ترامب –وفشله- في أن يصبح قطباً للقمار في أتلانتيك سيتي. قطب قمار أتلانتيك سيتي. (كان ترامب منذ وقت طويل منافساً مريراً لقطب القمار في لاس فيغاس ستيف وين، الذي سيعينه ترامب رئيس المالية للجنة الوطنية الجمهورية). وكان ترامب قد دعم كريستي وهو يصعد سلالم السياسة في نيوجيرسي. كان معجباً بطريقة كريستي في الحديث المباشر والنزيه. ولبعض الوقت، بينما فكر كريستي بترشحه الخاص للرئاسة في 2012 و2013 –وبينما كان ترامب يبحث عن فصل تالٍ لنفسه مع خفوت نجم برنامج "المتدرب"، امتيازه التجاري في تلفزيون الواقع- تساءل ترامب حتى عما إذا كان يستطيع أن يكون نائباً رئاسياً محتملاً لكريستي.
في وقت مبكر من الحملة، قال ترامب إنه ما كان ليترشح ضد كريستي، لولا فضيحة "بريدجغيت" (التي انفجرت عندما أغلق أشخاص مرتبطون بكريستي خطوط السير على جسر جورج واشنطن بهدف إهانة عمدة بلدة مجاورة كان ينافس كريستي، وهو ما برره ترامب في الأحاديث الخاصة بأنها "مجرد عناد نيوجيرسي"). وعندما انسحب كريستي من السباق في شباط (فبراير) 2016 والتحق بحملة ترامب، فإنه تحمل سيلاً من السخرية لدعمه صديقه، الذي اعتقد بأنه وعده بطريق مفتوح إلى منصب نائب الرئيس.
وقد آلم ترامب شخصياً أن لا يتمكن من منحه المنصب. ولكن، إذا لم تكن المؤسسة الجمهورية قد أرادت ترامب، فإنها لم تكن تريد كريستي بنفس المقدار. ولذلك حصل كريستي على منصب قيادة المرحلة الانتقالية والوعد الضمني بمنصب مركزي –النائب العام أو رئيس الموظفين في البيت الأبيض.
لكن كريستي كان، عندما تولى منصب المدعي العام الفيدرالي في نيوجيرسي، قد أرسل والد جاريد، تشارلز كوشنر، إلى السجن في العام 2005. وكان تشارلز كوشنر، الذي لاحقته الشرطة الفيدرالية بتهمة غش في ضريبة الدخل، قد وضع خطة مع عاهرة لابتزاز شقيق زوجته الذي كان يخطط للشهادة ضده.
العديد من الروايات، التي قدم معظمها كريستي نفسه، تصور جاريد كوشنر باعتباره الشخص الانتقامي الحاقد الذي أجهض منصب كريستي في إدارة ترامب. كانت تلك نوعاً من القصة المثالية عن الانتقام الجميل: ابن الرجل المظلوم (أو، في هذه الحالة –ثمة القليل من الخلاف على أن الرجل مذنب بالتهمة) يستخدم سلطته ضد الرجل الذي ظلم عائلته. لكن روايات أخرى تعرض صورة أكثر مكراً، وأكثر قتامة بإحدى الطرق. كان جاريد كوشنر، كما هو حال الأصهار في كل مكان، يسير على أطراف أصابعه حول والد زوجته، محاولاً بعناية تحريك أقل قدر ممكن من الهواء: الرجل الهائل المستبد الأكبر سناً، والآخر النحيل اللين المتكيف الأصغر سناً. وفي قصة موت كريس كريستي المُنقحة، لم يكن جاريد المتكيف هو الذي رد الضربة، وإنما –بطريقة أكثر إرضاء لتخيل الانتقام- كان تشارلي كوشنر نفسه هو الذي طالب بقوة بحقه. كانت زوجة ابنه -التي تتمتع بالتأثير الحقيقي في دائرة ترامب- هي التي وجهت الضربة. قالت إيفانكا لأبيها إن تعيين كريستي كرئيس للموظفين أو أي منصب رفيع آخر سيكون صعباً كثيراً عليها وعلى عائلتها، وإنه سيكون من الأفضل أن يتم إبعاد كريستي من مدار ترامب جملة وتفصيلاً.
*   *   *
كان بانون مركز ثقل المنظمة. وترامب، الذي بدا مرتعباً من محادثة بانون –خليط من الإهانات، والشقوق التاريخية، والاستبصارات الإعلامية، والملاحظات اليمينية الذكية، والبدهيات التحفيزية- شرع الآن في اقتراح اسم بانون على دائرته من المليارديرات كرئيس للموظفين، فقط ليجد هذه الفكرة تلاقي التسخيف والشجب. لكن ترامب حدث الكثير من الناس عن تفضيله لها على أي حال.
في الأسابيع التي سبقت الانتخاب، كان ترامب قد وصف بانون بأنه متملق بسبب يقينه من أن ترامب سيفوز. لكنه أصبح يعتقد الآن بأن بانون ينطوي على شيء يشبه القوى الصوفية. وفي الحقيقة، كان بانون، من دون خبرة سياسية سابقة، الوحيد من دائرة ترامب الداخلية القادر على تقديم رؤية متساوقة لشعبوية ترامب –التي سُميت الترامبية.
كانت القوى المناهضة لبانون –التي شملت الجميع كل جمهوري من غير حزب الشاي تقريباً- سريعة في الرد. مردوخ، الذي كانت عداوته لبانون في ازدياد، قال لترامب أن بانون سيكون خياراً خطيراً. وجو سكاربورو، رجل الكونغرس السابق والمقدم المشارك لبرنامج "صباح جو" في محطة "إم. إس. إن. بي. سي"، أحد البرامج المفضلة لدى ترامب، قال لترامب في حديث خاص "سوف تحترق واشنطن" إذا أصبح بانون رئيساً للموظفين، وفي تكرار عملي لهذه الثيمة، حاول تشويه سمعة بانون علناً في البرنامج.
في الحقيقة، كان بانون ينطوي على مشكلات أكبر من مجرد سياسته: كان غير منظم إلى حد هائل، ومصاباً بالتوحد كما يبدو، بالنظر إلى طبيعة ما يجذب تركيزه أحادي التفكير في تجاهل لكل شخص آخر. هل يمكن أن يكون أسوأ مدير عاش في هذه الدنيا على الإطلاق؟ يمكن. بدا غير قادر على رد مكالمة هاتفية. وكان يجيب عن رسائل البريد الإلكتروني بكلمة واحدة –في جزء منه بسبب جنون الارتياب من البريد الإلكتروني، وإنما يغلب أنه يعود إلى افتقار للتنظيم والسيطرة. وكان يبقي المساعدين والمرافقين دائماً على مبعدة. ولا تستطيع أن ترتب موعداً حقاً مع بانون، وإنما عليك أن تظهر أمامه فقط. وبشكل ما، كانت مساعدته الرئيسية، ألكسندرا بريت، جامعة التبرعات المحافظة وامرأة العلاقات العامة، غير منظمة مثله تماماً. وبعد ثلاث زيجات، عاش بانون حياة عزوبية في الكابيتول هيل في منزل في صف من المنازل معروف باسم "سفارة بريتبارت" والذي عمل أيضاً كمكتب لموقعه الإخباري على الإنترنت، "بريتبارت" –كما ينبغي لحياة شخص فوضوي. وهكذا، لن يوظف أي عاقل بانون في وظيفة تتضمن جعل القطارات تنطلق في الوقت المحدد.
*   *   *
وإذن، رين بريبوس.
بالنسبة لموقع "ذا هِل" السياسي الرصين، كان بريبوس هو رئيس الموظفين الوحيد المعقول بين المتنافسين، وسرعان ما أصبح ذلك موضوعاً للضغط الكثيف من رئيس مجلس النواب باول رايان وزعيم الأغلبية في مجلس الشيوخ ميتش ماكونيل. إذا كان عليهم أن يتعاملوا مع كائن من جنس غريب مثل دونالد ترامب، فإن من الأفضل أن يفعلوا ذلك بمساعدة عضو من جنسهم نفسه.
لم يكن بريبوس، 45 عاماً، سياسياً ولا مطلعاً مُجِداً ولا استراتيجياً. كان عاملاً في الماكينة السياسية، في واحدة من أقدم المهن. جامع تبرعات.
كفتى من الطبقة العاملة أصله من نيوجيرسي، ثم ويسكنسون، كان بريبوس قد بذل وهو بعمر 32 عاماً أول وآخر محاولة للحصول على وظيفة فعالة: مسعى انتهى بالفشل إلى عضوية مجلس شيوخ الولاية. وقد أصبح رئيساً للحزب في الولاية ثم المستشار العام للجنة الوطنية الجمهورية. وفي العام 2011، ارتقى إلى رئاسة اللجنة الوطنية الجمهورية. وجاء رصيد بريبوس السياسي من إرضاء حزب الشاي في ويسكنسون، وارتباطه بحاكم ويسكنسون سكوت ووكر، النجم الجمهوري صاعد (وباختصار –باختصار شديد- المرشح المتقدم في حملة الانتخابات الرئاسية في 2016).
مع معارضة أجزاء كبيرة من الحزب الجمهوري لترامب بطريقة يتعذر تغييرها، ومع اعتقاد شبه كامل في الحزب بأن ترامب سوف يسقط في هزيمة شائنة آخذاً الحزب معه، كان بريبوس تحت ضغط هائل بعد أن حصل ترامب على الترشيح لتحويل الموارد إلى انتخابات أخرى أدنى من الرئاسة، مثل مجلس النواب والشيوخ، بل وحتى التخلي عن حملة ترامب جملة وتفصيلاً.
ولكن، مع أنه كان مقتنعاً هو نفسه بأن ترامب لا أمل فيه، فقد تحوط بريبوس في رهاناته مع ذلك. وأصبحت حقيقة أنه لم يتخل عن ترامب بشكل كامل تبدو سبباً هامشياً ممكناً للانتصار، وجعلت من بريبوس نوعاً من البطل (بنفس المقدار، في نسخة كليان كوني، فإنهم لو خسروا، لكان قد أصبح هدفاً معقولاً كسبب للخسارة أيضاً). وهكذا أصبح بريبوس الاختيار الافتراضي لمنصب رئيس الموظفين.
مع ذلك، لم يأت دخول بريبوس دائرة ترامب الداخلية من دون أن ينال حصته من الحيرة وعدم اليقين. وقد خرج من اجتماعه الأول الطويل مع ترامب وهو يظن أنه كان تجربة غريبة إلى حد القلق. فقد تحدث ترامب بلا توقف وكرر نفسه بلا توقف.
"إليك الصفقة"، عبارة قالها شخص مقرب كثيراً من ترامب لبريبوس. "في اجتماعنا معه سوف تستمع إلى خمس وأربعين دقيقة من القصص وسوف تعاد نفس القصص مرة بعد أخرى. لذلك يجب أن تكون لديك فكرة واحدة لتقدمها، ويجب أن تزجها بمجرد أن تتمكن من ذلك".
كما أن تعيين بريبوس كرئيس للموظفين، الذي أُعلِن في أواسط تشرين الثاني (نوفمبر)، وضع بانون أيضاً في مستوى مساوٍ. كان ترامب يستجيب لغرائزه الطبيعية بأن لا يدع أحداً يتمتع بسلطة حقيقية. وسوف يكون بريبوس، حتى مع الوظيفة العليا التي يشغلها، نوعاً أضعف من الشخصية، وضمن القالب التقليدي لمساعدي ترامب على مر السنين. كما أن الاختيار عمل جيداً بالنسبة لرؤساء موظفي الأبيض المحتملين. فقد استطاع توم باراك بسهولة أن يتجاوز بريبون وأن يواصل التحدث مباشرة إلى ترامب. كما أن منصب كوشنر كصهر -وقريباً كمساعد رفيع- لن يواجه عقبات. وقد بقي ستيف بانون، الذي يقدم تقاريره مباشرة لترامب، هو الصوت الذي لا يُنازع للترامبية في البيت الأبيض.
سوف يكون هناك، بعبارات أخرى، رئيس واحد للموظفين بالاسم –واحد غير مهم- وآخرون مختلفون، أكثر أهمية في الممارسة، والذين يضمنون استمرار الفوضى واستقلال ترامب الخاص الذي لا يُنازع.
وكان جيم بيكر، رئيس موظفي كل من الرئيسين رونالد ريغان وجورج بوش الأب، والنموذج بالنسبة للجميع تقريباً في الجناح الغربي، قد نصح بريبوس بأن لا يقبل الوظيفة.
*   *   *
تحوُّل ترامب السحري من مرشح مضحك، إلى هامس بصوت ديمغرافي ساخط، إلى مرشح مثير للسخرية، ثم إلى رئيس منتخب يشبه رتقاً في نسيج الزمن، كل ذلك لم يلهم في داخله أي حسٍّ أكبر بالتفكير الرصين. وبعد الصدمة، بدا على الفور وكأنه يعيد إعادة كتابة نفسه كرئيس محتوم.
تضمنت إحدى مناسبات نزعته التعديلية، والمكانة الجديدة التي بدا وأنه يتقمصها الآن كرئيس، معالجة أدنى نقطة في الحملة –شريط بيلي بوش.
كان تفسيره، في محادثات جانبية مع مذيع صديق يعمل في تلفزة للكيبل، أنه "لم يكن أنا حقاً".
واعترف المذيع بكم هو غير عادل أن يوصم المرء بسبب حادثة واحدة.
"كلا"، قال ترامب، "لم يكن ذلك أنا. أخبرني الناس الذين يفهمون هذا النوع من الأشياء بكم من السهل تحوير هذه الأشياء وإدخال أصوات وأناس مختلفين تماماً".
لقد أصبح الفائز، والآن يُتوقع أن يكون موضوع الرهبة والسحر والمحاباة. وتوقع أن يكون هذا التحول ثنائياً: سوف يتحول الإعلام العدائي إلى إعلامٍ مُعجب.
ومع ذلك، ها هو الآن هنا، الفائز الذي عامله بإرهاب وعدوانية إعلام كان يمكن أن يُعتَمد عليه في الماضي، كمسألة طبيعية وكبروتوكول، في إهالة الاحترام الوفير على رئيس قادم، بغض النظر عمن يكون. (استمر قصور ترامب بثلاثة ملايين صوت في أن يكون شيئاً مؤلماً وموضوعاً يفضل تجنبه). كان من شبه المفهوم بالنسبة له أن نفس الناس –أي، الإعلام- الذين انتقدوه بعنف على اقتراح أنه ربما يطعن في نتيجة الانتخابات، أصبحوا الآن يصفونه بأنه "غير شرعي".
لم يكُن ترامب سياسياً يستطيع أن يميز بين فصائل الدعم والانتقاد؛ كان رجل مبيعات يريد إنجاز صفقة بيع. "لقد فزت. أنا الفائز. أنا لست الخاسر". كان يكرر ذلك، غير مصدق، مثل لازمة.
وصف بانون ترامب بأنه آلة بسيطة، والتي يكون زر تشغيلها مليئاً بالإطراء، وزر إطفائها مليئاً بالافتراء. وكان الإطراء يقطُر، وفيراً، في شكل ثناء مفرط، ومنفصلاً تماماً عن الواقع: كذا وكذا كان الأفضل، الأكثر روعة، الفريد من نوعه، الخالد. وكان الافتراء غاضباً، مريراً، ممتعضاً، ودائماً منبوذاً يلقى به إلى الخارج ويُغلق خلفه الباب الحديدي.
كانت هذه هي طبيعة ترامب المخصوصة في فن البيع. كان اعتقاده الاستراتيجي أنه ما من سبب يمنع إهالة الإطراء المفرط على مشترٍ محتمل. ولكن إذا تم استبعاد الهدف المحتمل كمشترٍ، فإنه ما من سبب يمنع إهالة الازدراء والدعاوى القضائية عليه/ أو عليها. فبعد كل شيء، إذا لم يستجيبوا للتذلل، فإنهم ربما يستجيبون لإلقاء ثقلك عليهم وهم ساقطون على الأرض. وقد شعر بانون –ربما بثقة مفرطة- بأن بالوسع تشغيل ترامب وإطفاؤه بسهولة.
على خلفية حرب الإرادات المميتة–مع الإعلام، والديمقراطيين، و"المستنقع"- التي كان بانون يشجعه على شنها، كان بالوسع خطب وده. وبأحد المعاني، لم يكن ترامب يحب شيئاً بقدر ما أحب التودد إليه.
كان جيف بيزوس، صاحب "أمازون"، ومالك صحيفة "الواشنطن بوست"، قد أصبح واحداً من الكثيرين المكروهين لدى ترامب في عالم الإعلام، لكنه بذل مع ذلك جهداً هائلاً للتقرب، ليس من الرئيس المنتخب فقط، وإنما من ابنته إيفانكا. خلال الحملة، قال ترامب إن أمازون "تفلت بجريمتها في مسألة الضرائب"، وإنه إذا فاز، "أوه، ستكون لديهم مشاكل". والآن أصبح ترامب يمتدح بيزوس فجأة باعتباه "عبقرياً من الطراز الرفيع". وفي "برج ترامب"، هنأ إيلون موسك ترامب بالإدارة الجديدة التي سترافقه السباق إلى المريخ، وهو ما جعل ترامب يقفز فرحاً. وستيفن شوارزمان، رئيس مجموعة "بلاكستون" –وصديق كوشنر- عرض تنظيم مجلس للأعمال لترامب، وهو عرض قبله ترامب. وكانت آنا وينتاور، محررة مجلة "فوغ" وملكة عالم الأزياء، قد أملت أن يتم تعيينها سفيرة أميركا إلى المملكة المتحدة في عهد أوباما، وعندما لم يحدث ذلك، تحالفت عن قرب مع هيلاري كلينتون. والآن وصلت وينتاور إلى برج ترامب (لكنها رفضت الظهور العلني الذي يشبه عرض المتهمين أمام الملأ)، واقترحت أن تصبح سفيرة ترامب إلى بلاط سانت جيمس (المملكة المتحدة). وكان ترامب ميالاً إلى دراسة الفكرة. (ولكن، كما قال بانون: "لحسن الحظ. لم تكن هناك كيمياء").
يوم 14 كانون الأول (ديسمبر)، جاء وفد رفيع المستوى من وادي السيليكون إلى برج ترامب لمقابلة الرئيس المنتخب، حتى مع أن ترامب كان قد انتقد بشكل متكرر صناعة التكنولوجيا طوال فترة الحملة. وفي وقت لاحق من ذلك المساء، اتصل ترامب بروبرت مردوخ، الذي سأله عن كيف سار الاجتماع.
"أوه، عظيم، عظيم جداً"، قال ترامب. "حقاً، حقاً جيد. هؤلاء الناس يحتاجون مساعدتي فعلاً. أوباما لم يكن مفضلاً كثيراً لديهم، الكثير من التعليمات والأنظمة. هذه حقاً فرصة لي كي أساعدهم".
"دونالد"، قال مردوخ، "لثماني سنوات وضع هؤلاء الناس أوباما في جيبهم. كانوا هم الذين يديرون الإدارة عملياً. إنهم لا يحتاجون مساعدتك".
"خذ مسألة تأشيرة العمال الأجانب. إنهم يحتاجون حقاً هذه التأشيرات".
اقترح مردوخ أنه ربما يكون من الصعب التوفيق بين اتخاذ نهج ليبرالي تجاه تأشيرات العمال الأجانب وبين وعوده الانتخابية بخصوص موضوع الهجرة. لكن ترامب بدا غير قلق، وطمأن مردوخ: "سوف نجد طريقة لمعالجة ذلك".
"يا لك من لعين أحمق"، قال مردوخ لنفسه، وهو يهز كتفيه، بينما يغلق خط الهاتف.
*   *   *
قبل عشرة أيام من تنصيب دونالد ترامب ليكون الرئيس الخامس والأربعين، كانت مجموعة من موظفي ترامب الشباب –الرجال في بدلات ترامب وربطات عنقه الرسمية، والنساء بالأحذية عالية الرقاب، والتنانير القصيرة، والشعر بطول المسافة حتى الكتف، بالمظهر الذي يفضله ترامب- كانوا يشاهدون الرئيس أوباما وهو يلقي خطبة الوداع التي تنساب على شاشة حاسوب نقال في المكاتب الانتقالية.
"السيد ترامب قال إنه لم يستمع أبداً إلى خطبة كاملة لأوباما"، قال أحد الشباب بلهجة العارِف.
"إنها مملة جداً"، قال آخر.
وبينما يقدم أوباما وداعه، كانت الاستعدادات لأول مؤتمر صحفي لترامب منذ انتخابه، والذي سيُعقد في اليوم التالي، تجري على قدم وساق في القاعة. وكانت الخطة هي بذل جهد استثنائي لإظهار أن تعارض المصالح بين عمل الرئيس المنتخب التجاري الخاص وبين عمله كرئيس ستتم معالجتها بطريقة رسمية ومدروسة.
حتى هذا الوقت، كانت وجهة نظر ترامب هي أنه قد انتُخب بسبب هذه التعارضات –بسبب دهائه في العمل التجاري، صلاته، خبرته، وماركته التجارية- وليس على الرغم منها، ورأى أن من المضحك أن يظن أحد بأنه يستطيع أن يفك نفسه، حتى لو أراد ذلك. وفي الحقيقة، بالنسبة للصحفيين وكل شخص آخر يود أن يسمع، عرضت كيليان كونواي نيابة عن ترامب دفاعاً مشفقاً على الذات عن كم كانت تضحيته عظيمة مُسبقاً.
بعد صب الوقود على نار تجاهل القواعد المتعلقة بتعارض المصالح، سوف يتخذ الرئيس الآن، في نوع من الأداء المسرحي، مساراً سخياً جديداً. بينما يقف في لوبي برج ترامب، بجوار طاولة تكومت عليها رزم من ملفات الوثائق والأوراق القانونية، سوف يصف الجهود المضنية التي بُذلت لصنع المستحيل، وكيف أنه، من الآن فصاعداً، سيكون مركِّزاً بشكل حصري على شؤون الأمة.
لكن هذا بدا فجأة بعيداً تماماً عن النقطة الأساسية.
كان الديمقراطيون قد استأجروا "فيوجن جي. بي. أس"، وهي شركة استطلاعات مُعارضة (أسسها صحفيون سابقون، وتقدم معلومات للعملاء الخاصين). واستأجرت الشركة كريستوفر ستيل، الجاسوس البريطاني السابق، في حزيران (يونيو) 2016، للمساعدة في التحقيق في تفاخر ترامب المتكرر بعلاقاته مع فلاديمير بوتين وطبيعة علاقاته مع الكرملين. ومستعيناً بتقارير من مصادر روسية، الكثير منها متصل بالمخابرات الروسية، جمَّع ستيل تقريراً مدمِّراً –الملقب الآن "الدوسيه"- والذي يشير إلى أن دونالد ترامب كان موضوعاً للابتزاز من حكومة بوتين. وفي أيلول (سبتمبر)، قدم ستيل إيجازاً للصحفيين من "النيويورك تايمز"، و"الواشنطن بوست"، و"ياهو نيوز"، و"النيويوركر"، و"سي. إن. إن". لكنهم أحجموا جميعاً عن استخدام هذه المعلومات التي لم يتم التحقق منها، بسبب مصدرها غير الواضح، خاصة بالنظر إلى أنها تتعلق بكاسب غير محتمل للانتخابات.
ولكن، في اليوم السابق لليوم المقرر للمؤتمر الصحفي، نشرت "سي. إن. إن" تفاصيل ملف ستيل. وبعد ذلك مباشرة تقريباً، نشر موقع "بز فيد" التقرير كله –في تفصيل معربد بطريقة تجاوزت العرف.
على حافة صعود ترامب إلى سدة الرئاسة، كان الإعلام، بصوته الموحد حول ترامب، ينشر مؤامرة بأبعاد هائلة. كانت النظرية، التي تم تقديمها فجأة على أنها قابلة للترجيح، أن الروس اصطادوا ترامب خلال رحلة إلى موسكو بخطة خام للابتزاز، والتي تتضمن عاهرات وأفعال جنسية مصورة بالفيديو ترتاد حدوداً جديدة من الانحراف (بما فيها "الدش الذهبي"، التبوُّل على الشريك الجنسي من أجل المتعة) مع العاهرات والأفعال الجنسية المصورة. والخلاصة الضمنية: لقد تآمر ترامب المهان مع الروس لسرقة الانتخابات وتنصيبه في البيت الأبيض كعميل لبوتين.
إذا كان ذلك صحيحاً، فإن الأمة كلها تكون قد وقفت عند واحدة من أكثر اللحظات لا عادية في تاريخ الديمقراطية، والعلاقات الدولية، والصحافة.
وإذا لم يكن صحيحاً –وكان من الصعب العثور على حل وسط- فإنه سيبدو وكأنه يدعم وجهة نظر ترامب (ووجهة نظر بانون) القائلة بأن الإعلام، في تطور دراماتيكي تماماً أيضاً في تاريخ الديمقراطية، قد عمي تماماً بسبب الإحباط والاشمئزاز، على المستوى الأيديولوجي والشخصي على حد سواء، من القائد المنتخب ديمقراطياً، حتى أنه يحاول بكل وسيلة إسقاطه. وفي التعليق، ناقش مارك هيمنغواي من صحيفة "ويكلي ستاندرد" المحافظة، وإنما المناهضة لترامب، التناقض الأصيل لروايتين غير موثوقتين تهيمنان على الحياة العامة الأميركية: حديث الرئيس المنتخب الذي يضم القليل من المعلومات -وفي كثير من الأحيان من دون أسس واقعية؛ في حين أن "الإطار الذي اختار الإعلام اعتناقه هو أن كل شيء يفعله الرجل هو -كواقع افتراضي- - غير دستوري أو استغلال للسطلة".
في مساء 11 كانون الثاني (يناير)، حدثت المواجهة بين هذين التصورين المتعارضين في لوبي برج ترامب: المسيح الدجال السياسي، والشخصية في قصة فضيحة قاتمة، بوجه مهرج، وفي جيب خصم أميركا الملحمي، في مقابل إعلام الرعاع الثوري المحتمل، المخمور بالفضيلة وبنظريات المؤامرة. وقد شكل كل طرف بالنسبة للآخر نسخة "مزورة" منزوعة الصدقية بالكامل من الحقيقة.
إذا بدت هذه الملاحظات عن الشخصيات شبيهة بنماذج كتب الشخصيات المصورة، فقد كان ذلك بالضبط ما تمخض عنه المؤتمر الصحفي.
في البداية، يمتدح ترامب نفسه:
"سوف أكون أكبر منتج للوظائف خلقه الله...".
ثم ثرثرة غير بارعة عن القضايا المنظورة أمامه:
"المتقاعدون المصابون بسرطان صغير لا يستطيعون زيارة طبيب حتى ختام العمر...".
ثم الشكوك:
"كنت في روسيا قبل سنوات مع مسابقة ملكة جمال الكون –وأبليت بلاء حسناً جداً جداً- أقول للجميع أن يكونوا حذِرين، لأنك لا تريد أن ترى نفسك على شاشات التلفاز –الكاميرات في كل مكان. ومرة أخرى، ليس في روسيا فقط، وإنما في كل مكان. وإذن، هل يصدِّق أحد حقاً تلك القصة؟ أنا أيضاً مصاب إلى حد كبير بفوبيا الجراثيم والنظافة، بالمناسبة. صدقوني".
ثم الإنكار:
"ليست لديَّ أي صفقات في روسيا، وليست لدي صفقة يمكن أن تحدث في روسيا لأننا بقينا بعيدين عنها، وليست لدي قروض مع روسيا. يجب أن أقول شيئاً واحداً... في نهاية الأسبوع عُرض علي مليارا دولار لإبرام صفقة في دبي ورفضتها. لم أكن مضطراً إلى رفضها، لأن لدي كما تعرفون مكانة عدم تعارض المصالح كرئيس. لم أعرف عن ذلك إلا قبل ثلاثة أشهر، لكن التمتع به شيء لطيف. لكنني لم أُرِد أن أستغل أي شيء. لديّ مادة في القانون عن عدم تعارض المصالح كرئيس. وأستطيع في الحقيقة أن أدير عملي، أن أدير عملي وأدير الحكومة في نفس الوقت. أنا لا أحب الطريقة التي يبدو عليها ذلك لكنني يمكن أن أتمكن من فعله إذا أردت. أستطيع أن أدير منظمة ترامب، وهي شركة عظيمة، عظيمة جداً، وأستطيع أن أدير البلد، لكنني لا أريد أن أفعل ذلك".
ثم الهجوم المباشرة على "سي. إن. إن"، عدوه اللدود:
"إن منظمتكم مريعة. منظمتكم مريعة.... اصمتوا... اصمتوا... لا تكونوا وقحين... لا تكونوا... كلا، لن أعطيكم سؤالاً.... لن أعطيكم سؤالاً... أنتم جماعة الأخبار المزيفة...".
والخلاصة:
"ذلك التقرير في المقام الأول ما كان ينبغي أن يُطبع أبداً لأنه لا يستحق ثمن الورق الذي طُبع عليه. سوف أخبركم بما لن يحدث أبداً أبداً. قامت الصين بقرصنة اثنين وعشرين مليون حساب. ذلك لأنه ليس لدينا دفاع، لأننا يديرنا أناس لا يعرفون ماذا يفعلون. سوف يكون لدى روسيا احترام أكبر بكثير لبلدنا عندما أقودها أنا. وليس روسيا فقط، الصين، التي استغلتنا استغلالاً كاملاً. روسيا، والصين، واليابان، والمكسيك، كل البلدان سوف تحترمنا أكثر بكثير، أكثر بكثير مما فعلت في عهد الإدارات السابقة...".
لم يقتصر الأمر على أن الرئيس المنتخب عرض أحزانه ومظالمه العميقة والمريرة على الملأ، وإنما أصبح واضحاً الآن أن حقيقة كونه قد انتخب رئيساً لن تغير من طريقة عرضه غير المُصفى، غير المسيطر عليه بوضوح، والمرتجل تماماً، للجراح، والسخط، والحنق.
"أعتقد أنه أبلى حسناً"، قالت كيليان كونواي بعد المؤتمر الصحفي. "لكن الإعلام لن يقول ذلك. لن يفعلوا أبداً".

*من كتاب Fire and Fury: Inside the Trump White House.
*مايكل وولف (المولود في 27 آب/ أغسطس 1953)، هو مؤلف أميركي، وكاتب، وصحفي، وكاتب عمود ومساهم في "يو أس توداي"، و"هوليوود ريبورتر"، وطبعة المملكة المتحدة من "جي كيو".  حصل على جائزتين من "مجلة ناشيونال ماغازين"، و"جائزة الميرور"، وألف سبعة كتب، بما في ذلك Burn Rate في العام (1998) عن شركة دوت كوم الخاصة به، The Man Who Owns the News في العام (2008)، وهو سيرة روبرت مردوخ. شارك في تأسيس موقع تجميع الأخبار "نيوزر"، وهو محرر سابق في "أدويك".

التعليق